Musikdossier

عوالم الموسيقى

الموسيقى بوتقة يمتزج فيها الشرق والغرب والشمال والجنوب والحاضر والماضي. في الملف التالي نتناول تأثير السياسة والعولمة على الإبداع الموسيقي كما نقدم تجارب موسيقية من بلاد عربية وإفريقية وأوربية. الموسيقى بوتقة يمتزج فيها الشرق والغرب والشمال والجنوب والحاضر والماضي. في الملف التالي نتناول تأثير السياسة والعولمة على الإبداع الموسيقي كما نقدم تجارب موسيقية من بلاد عربية وإفريقية وأوربية.


عازف الإيقاع الإيراني محمد رضا مرتضوي الصورة ويكيبيديا عازف الإيقاع الإيراني محمد رضا مرتضوي:

العازف مرتضوي.....صاحب الأنامل الذهبية والمعزوفات النارية

لم يأتِ وصف عازف الإيقاع محمد رضا مرتضوي بصاحب "أسرع يَدَيْن في العالم" من فراغٍ، حيث يحسب المستمع في بعض الأحيان أنه لا يستمع إلى عزف إيقاع منفرد، إنما إلى عزف فرقةٍ على أكثر من آلةٍ موسيقية. ماريان بريمر تعرفنا بهذه العبقرية الفنية. المزيد


حوار مع الفنان الإيراني محمد رضا شجریان:

''الإنسانية هي هدف كل الفنون''

السيد شجریان، تقوم حاليًا بجولة فنية في أوروبا. هل ترى أن الأوروبيين قادرون في الواقع على إدراك أعماق الموسيقى الفارسية؟

محمد رضا شجریان: الإيرانيون المقيمون في أوروبا الذين يحضرون حفلاتي الموسيقية يعرفون موسيقاهم جيدًا. أما الأوربيون ممن ليست لديهم جذور إيرانية فيستطيعون التفاعل مع الموسيقى إنما ليس مع الكلمات. تستقي موسيقاي روحها من الأبيات الشعرية على وجه الخصوص. ولا غاية لها سوى التعبير عن الشاعرية. لذا لا يستطيع غير الملم بالأدب الفارسي أنْ يفهم الربط بين الموسيقى والكلمات.

صورة إيران لدى الرأي العام الألماني موسومة بالسياسة وخصوصًا بالجدل الراهن حول القنبلة النووية. هل تعتبر نفسك عبر موسيقاك أيضًا سفيرًا لبلدك؟

شجریان: لا أدري إنْ كان الإيرانيون يعتبرونني سفيرًا لهم. لكن إيراننا ليست إيران التي تطالب الحكومة الإيرانية بها. الناس عندنا يختلفون تمامًا عن حكومتنا. ولا علاقة لهم بالإرهاب أو الطاقة الذرية. في هذا الفارق الشاسع تكمن أسباب النزاع الكبير بين الناس والحكومة التي ترأسنا حاليًا.

 صورة إيران لدى الرأي العام الألماني موسومة بالسياسة وخصوصًا بالجدل الراهن حول القنبلة النووية. هل تعتبر نفسك عبر موسيقاك أيضًا سفيرًا لبلدك؟

 شجریان: لا أدري إنْ كان الإيرانيون يعتبرونني سفيرًا لهم. لكن إيراننا ليست إيران التي تطالب الحكومة الإيرانية بها. الناس عندنا يختلفون تمامًا عن حكومتنا. ولا علاقة لهم بالإرهاب أو الطاقة الذرية. في هذا الفارق الشاسع تكمن أسباب النزاع الكبير بين الناس والحكومة التي ترأسنا حاليًا.

العزف على الآلات الموسيقية الوترية محظور بحسب المفهوم الإسلامي الصارم. وبالرغم من ذلك توجد في إيران تقاليد عريقة في الموسيقى الكلاسيكية. لكن النساء تُمنع في إيران من الغناء في العلن، وتـُعتبر أصواتهن مصدر إغراء. بهذا تُحرَم مغنيات موهوبات كثيرات من خوض غمار هذا المجال والنجاح فيه. كيف يتوجب التعامل مع هذه التناقضات؟

شجریان: صُنع هذا التناقض قبل 1400 عام. ولن تتوقف الأحزاب الإسلامية عن ازدراء ثقافتنا، كما لن يتخلى الإيرانيون عن ثقافتهم. وهذا التناقض سيظل قائمًا. الحكومة تعادي بشدة الهوية الفارسية الراسخة في نفوس الإيرانيين وتريد أن تفرض علينا هويتها الإسلامية. وبالرغم من أن الإيرانيين قد اعتنقوا الإسلام، إلا أنهم لم يتخلوا عن ثقافتهم قط.

هل كانت أوضاع العازفين والمغنين الإيرانيين أقل تعقيدًا في عهد الشاه؟

 شجریان: لم يحتج أحد إلى تراخيص في عهد الشاه. لكنَّ العازفين والمغنين مضطرون منذ قيام الثورة لتقديم الطلبات بغية الحصول على تراخيص من جهاتٍ مختلفةٍ، منها وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي ومركز الشرطة في المنطقة التي سيقام فيها الحفل الموسيقي ومن الإمام المحلي.  وإذا اعترضت جهة واحدة فقط من هذه الجهات لا يتم منح الترخيص. تضع السلطات هذه العوائق لكي يستسلم الفنانون. ولا يتبقى لنا نحن الموسيقيين بحسب قواعدهم إلا طريقًا وحيدًا ضيقًا في نهاية المطاف. الحكام ليسوا على خلافٍ تامٍ مع ثقافتنا وحسب، إنما يريدون القضاء عليها أيضًا.

هل تعتقد بإمكانية التصالح مع الثقافة في ظل النظام الحالي؟

 شجریان: لا، بالتأكيد لا.

هل ترغب في إعادة عجلة الزمن إلى الوراء؟

 شجریان: لا، ليس هناك فائدة من الرجوع بالزمن إلى الوراء. إنما علينا أنْ نتطلع للمستقبل.

لماذا كنت من العازفين والمغنين القلائل الذين سُمح لهم في إيران بإقامة حفلات موسيقية بانتظام بعد ثورة 1979؟

شجریان: بعد عام 1979 أوقفت نشاطاتي عدة سنوات. وأول حفل فني قمت به كان بعد مرور أربع سنوات على الثورة. وقد سمحوا لي بنشر ألبوماتٍ موسيقيةٍ جديدةٍ من وقت لآخر. ومعظم الفنانين الذين يعيشون حليًا في المنفى كانوا يقيمون قبل الثورة حفلات موسيقية في الحانات الليلية. إلا أن جميع الحانات جرى إغلاقها بعد الثورة. وفيما يخصني أرادت الحكومة استخدامي مثالاً للفنان المقبول لأنني لم أعزف قط في الحانات، حيث أرادوا أنْ يُظهروا أنهم ليسوا ضد الموسيقى تمامًا.

كيف عايشت مرحلة الثورة؟

شجریان: يناضل الإيرانيون من أجل حريتهم منذ مائة عام. والهبة الأخيرة كانت في عام 1979. ولم تكن الثورة في البداية إسلامية على الإطلاق، إلى أن ظهر رجال الدين على المسرح وطرحوا فكرة الجمهورية الإسلامية. وأجري وقتئذٍ استفتاءٌ منحت الأغلبية فيه ثقتها لرجال الدين وصوتت للجمهورية الإسلامية. أما أنا شخصيًا فلم أثق بهم ولم أعطهم صوتي ولن أعطيهم إياه أبدًا.

لكنك ناصرت الثورة بموسيقاك أيضًا. فما الذي أردت التعبير عنه عبر أغانيك في ذلك الوقت؟

شجریان: إن الأغاني التي تـُغنى في أجواء الحالة الثورية يكون لها تأثير كبير على الناس. أغنيتي "إيران ای سرای امید" (إيران بلد الأمل) كانت وقتئذ مشهورة للغاية. كان الشعب يريد الخلاص من نظام الشاه. وكانت الأغنية تتحدث عن نهضة الناس من جديد، وعن سعيهم لتحقيق الديمقراطية.  جرى بث الأغنية في الإذاعات فترة طويلة بعد انتصار الثورة. واستمر بثـُّها إلى فترة ما بعد الاحتجاجات في عام 2009 حيث طالبتهم بالكف عن بثها وقلت لهم: لم أغنِ هذه الأغنية لكم، إنما صُنعت لفترة زمنية مختلفة. كانت هذه المرة الأولى التي اكتسبت فيها موسيقاي أهمية سياسية بالفعل.

لقد أثار منعك بث الأغنية ضجة كبيرة. ما الذي دفعك إلى هذه الخطوة؟

  شجریان: السبب الذي دفعني للتدخّل كان سلوك الحكومة تجاه الناس. فالوضع كان لا يطاق، ولم يكن للصمت مكان. أنا لست ناشطًا سياسيًا، بل مجرد فنان يعرف مجتمعه ويضع نفسه في خدمته. وعندما رأيت أنهم يعرضون أغنياتي في التلفزيون قمت بمقاضاة وسائل الإعلام الحكومية.

بعد شهرين من الانتخابات الرئاسية المشكوك بنزاهتها وفي خضم الاحتجاجات في عام 2009 غنيت "زبان آتش" (لغة النار). هذه الأغنية جعلتك من مؤيدي الحركة الخضراء وزادت شعبيتك كثيرًا لدى جيل الشباب في إيران في وقت قصير جدًا. ما هي الرسالة التي تحملها هذه الأغنية؟

 شجریان: خرج إلى الشوارع كثيرون وتعرضوا للضرب والاعتقال. كل هذا دفعني لأن أغني "لا ترفعوا أسلحتكم". واعتبرت إطلاق هذا التصريح من دواعي واجبي الفني. لا يمكن النقاش مع الأسلحة بل مع العقل فقط. إنَّ "لغة النار" لن تؤدي إلى شيء، إنما تجعل الطريق أكثر خطورة.

كيف كان ردّ فعل الحكومة على ذلك؟

 شجریان: كنت في جولة فنية في أوروبا هذا الصيف. ونشرت الأغنية مباشرة على "يوتيوب". بيد أن أجهزة الاستخبارات لم تحذرني إلا بعد إجرائي مقابلة مع محطة بي بي سي. وكان جوابي لهم: أنتم تفعلون ما يتوجب عليكم فعله، وأنا أفعل ما يتوجب علي فعله. ومنذ ذلك الحين مُنِعت من نشر أغانٍ جديدة. وسحبوا مني ترخيص القيام بحفلات موسيقية.

لماذا لم يتم اعتقالك؟

 شجریان: الحكومة خائفة لأنها تدرك مكانتي لدى الشعب. هم يحاولون بكل الوسائل قطع ارتباطي بالناس وبث الشائعات حولي. وقد زعموا ذات مرة أنني قد غادرت إيران بشكل دائم على سبيل المثال.

هل تعتقد أنَّ المسئولين الحكوميين يستمعون إلى موسيقاك في حياتها الخاصة؟

شجریان: نعم، بالطبع. فهم أيضًا قد ترعرعوا في هذه الثقافة، وهي ليست غريبة عليهم. كانوا يسمعون موسيقاي في الماضي وما زالوا يفعلون ذلك اليوم أيضًا. لكنهم حبيسو أفكارهم، ولديهم أيضًا صراعات بين بعضهم البعض، حيث يؤيد بعضهم تحريم الموسيقى بشكل تام بينما لا يؤيد البعض الآخر ذلك.

اتسمت عقود مسارك الفني الخمسة في إيران بالتغيرات السياسية والاضطرابات. ما هو الدور الذي لعبته موسيقاك بالنسبة للإيرانيين في كل هذه السنوات؟

 شجریان: كانت موسيقاي دائمًا مرتبطة بشكل تام بالأحداث في إيران. واختياري القصائد يشبه بالفعل تاريخنا الاجتماعي. فهي تعكس السياسة حتى وإن لم تكن تستهدفها مباشرة. أغنياتي تتناول حياة الناس. ولا بدَّ لي من أن أكون مع الناس لأستوحي ما أغنيه، ولا أستطيع الغناء من دون ذلك.

لعبت الموسيقى دورًا في التحولات الراهنة في العالم العربي أيضًا، في تونس ومصر على سبيل المثال. هل يمكن أنْ تكون الموسيقى أداةً لتحقيق تغيير حقيقي؟

شجریان: لطالما لعبت الموسيقى دورًا في استنهاض المجتمعات. وهذا لا يختلف في الحركات العربية. إنَّ ما يحصل هناك جيدٌ طالما انتصرت إرادة الناس. لا تأتي الديمقراطية من خلال الشعارات والثورة فقط. بل ينبغي أن تبدأ من العائلة. إنَّ المجتمعات التي لا تكون فيها العائلات ديمقراطية، لن يكون باستطاعتها بلوغ الديمقراطية.

أين ترى بلدك بعد عشر سنوات؟

شجریان: أمامنا طريق شائك وحاسم وخطير للغاية. هذا الطريق لا مفر منه، ولا يوجد خيار آخر لدى الناس. (يتوقف عن الإجابة ويسرح بفكره) إذا بقي الوضع على ما هو عليه الآن، لا أرى مستقبلاً لإيران. الوضع يزداد سوءًا يومًا بعد آخر. أحوال الناس في تردّي مستمر. أجل، إنه طريق صعب وخطير للغاية. ينبغي علينا محو هذه العقود الثلاثة من تاريخنا. لأنه لا يوجد أي ارتباط لهذه الفترة بثقافتنا.

ما هي الأفكار التي تراودك وأنت تغني على خشبة المسرح؟

 شجریان: أفكر بتطلعات الناس العميقة. ينبغي أنْ تحكم الإنسانية العالم، وليس الدين أو القومية أو الأيديولوجية. عندما يُحترم البشر يكون كلُّ شيءٍ في حالة اتزان. إنَّ الغرض من الدين هو خلق الصلات بين الناس. لذا يتوجب علينا أنْ لا نضعه في الصدارة ونضحي بالبشر من أجله. الإنسانية هي هدف كل الفنون. وأنا أنظر إلى كل الأمور من خلال هذه الرؤيا.

 

أجرت المقابلة: ماريان بريمر
ترجمة: يوسف حجازي
مراجعة: هشام العدم
حقوق النشر: قنطرة 2011 المزيد


مشاهد من مختلف الاتِّجاهات الموسيقية الحديثة في الشرق: كتاب ''روك القصبة '' للكاتب أريان فاريبورز:

''روك القصبة''......رحلة في موسيقى البوب والاحتجاج في الشرق

تلعب الموسيقى التي ينشر من خلالها الشباب العرب رسالتهم السياسية دورًا رئيسيًا في التغييرات السياسية في العالم العربي. قام الصحفي أريان فاريبورز بزيارة عدد من الموسيقيين الشباب في العالم الإسلامي ونشر عنهم كتابًا بعنوان "روك القصبة - موسيقى البوب والحداثة في الشرق. إرين كوفرجين يستعرض هذا الكتاب. المزيد


''روك القصبة '' للكاتب أريان فاريبورز:

''روك القصبة''......رحلة في موسيقى البوب والاحتجاج في الشرق

لعبت الموسيقى الشبابية دورًا كبيرًا في الفترة التي سبقت ثورات العالم العربي ضد الأنظمة الدكتاتورية. وفي تونس على سبيل المثال كان مغني الراب الشاب حمادة بن عمر، المعروف باسمه الفني "الجنرال"، يوجِّه انتقادات صريحة في نصوص أغانيه إلى الدكتاتور التونسي زين العابدين بن علي. كما أنَّه كان مع الكثيرين كغيره من الموسيقيين الشباب صوت الشباب في تونس ولسان حالهم. فموسيقى الهيب هوب بصورة خاصة كانت تعمل على حشد جيل الشباب، إذ إنَّ كلمات مغني الراب الناشطين سياسيًا تستنكر وتدين سوء الأوضاع الاجتماعية والظلم السياسي والفساد، وبالتالي فقد كانت تعمل كعامل محفِّز لزيادة استياء جيل الشباب. قام الصحفي والباحث في مجال العلوم الإسلامية والسياسية، أريان فاريبورز قبل بدء الاضطرابات الأخيرة في العالم العربي مع نهاية عام 2010 بنشر كتاب مثير للاهتمام تحت عنوان "روك القصبة - موسيقى البوب والحداثة في الشرق" لدى دار نشر بالميرا؛ يسلط فيه الضوء على التغير السريع الذي مرت به الموسيقى في العالم العربي والإسلامي وفي إيران.

 

البعد السياسي للموسيقى

يؤكِّد أريان فاريبورز على أنَّ الموسيقى في العالم العربي تستخدم أيضًا وبطبيعة الحال للترفيه. ولكن للموسيقى أيضًا بعد سياسي قوي جدًا في الدول المستبدة داخل العالم العربي، مثلما يبيِّن ذلك مثال الموسيقي التونسي "الجنرال". وحتى في أثناء إنتفاضة الخبز في الجزائر عام 1988 ظهرت أيضًا حركة احتجاجات موسيقية، كانت تندِّد بسوء الأوضاع وبالفساد وسوء استخدام السلطة في هذا البلد المغاربي. يقول فاريبورز: "لقد حدث ذلك في عام 1988، والآن يعيد التاريخ نفسه. نحن نعيش ذلك أيضًا في يومنا هذا. وفي السابق كانت موسيقى الراي هي التي أثارت إعجاب الشباب وشكَّلت نوعًا من ثقافة الاحتجاج، والآن تثير موسيقى الهيب هوب إعجاب جيل الشباب العرب المحبطين كما أنَّها تعتبر لسان حالهم".


بيد أنَّ مجموعات موسيقى الهيب هوب مثل المجموعة الجزائرية "م. ب. س." (Le Micro Brise Le Silence "المكرفون يكسر الصمت") لا تهاجم في أغانيها النخب الحاكمة فقط، بل تنتقد أيضًا الجماعات الإسلاموية؛ ففي الجزائر على وجه الخصوص وقع الشعب لعدة أعوام ضحية بين الجبهات في الحرب التي دارت بين الجيش والجماعات الإسلاموية المسلحة. يوجد في العالم العربي والإسلامي وخاصة في إيران الكثير من المجموعات الموسيقية الأخرى التي تعزف أيضًا ألوانًا موسيقية أخرى مثل موسيقى الروك وموسيقى البوب وموسيقى البلوز أو موسيقى الهيفي ميتال. وهؤلاء الفنَّانون الموسيقيون الشباب يستخدمون من ناحية آلات موسيقية تقليدية، ولكنهم يقومون بدمجها من ناحية أخرى في الألوان الموسيقية الحديثة ويبتكرون من خلال ذلك شيئًا جديدًا. وفي لقاءاته الكثيرة التي أجراها مع عدد من الموسيقيين الشباب في بعض البلدان العربية والإسلامية لاحظ أريان فاريبورز أنَّ "هناك الكثير من المجموعات والفرق الموسيقية التي تبقى في الحقيقة محافظة بمهارة فائقة على تقاليدها الثقافية وتظل مخلصة لها، ولكنها في الوقت نفسه تدمج في موسيقاها قدرًا معقولاً جدًا من عناصر الموسيقى الغربية".


الرقابة والبيروقراطية قبضة حديدية


ولكن كثيرًا ما يعتبر هذا المشهد الموسيقي متعدِّد الألوان مثل المخرز في العين، ليس فقط بالنسبة للحكام المستبدين، بل أيضًا بالنسبة للمتديِّنين المتعصِّبين. ولذلك يقوم الطرفان بممارسة ضغوطات على الموسيقيين الشباب الذين يعبِّرون عن إبداعاتهم من خلال الموسيقى. وفي إيران مثلاً تصل الرقابة إلى درجة إجبار الفرق والمجموعات الموسيقية على الإبلاغ لدى دائرة حكومية عن حفلاتهم وإنتاجاتهم الموسيقية.

كما أنَّ حرّاس الفضائل والأخلاق الإسلامية يتأكدون بأنفسهم في الجمهورية الإسلامية من إلتزام الموسيقيين بقواعد معينة وارتدائهم ملابس محافظة في أثناء ظهورهم في الحفلات الموسيقية؛ وعلى سبيل المثال لا يجوز للنساء قطّ الغناء المنفرد، بل فقط في جوقة موسيقية. وبالإضافة إلى ذلك إنَّ مجرَّد استخدام الفنَّانين لأنواع من الموسيقى الغربية مثل الهيب هوب والبانك أو الهيفي ميتال يعدّ أمرًا مشبوهًا بالنسبة للكثيرين من المتديِّنين المتعصِّبين.

ضدّ الاستغلال التجاري

لكن أريان فاريبورز يبرز في الجزء الأخير من كتابه أنَّ هناك أيضًا ضغوطات تجارية كبيرة تواجه الموسيقيين في رفضهم التكيّف معها ولا بدّ لهم أيضًا من مواجهتها للمحافظة على المشهد الموسيقي متعدِّد الألوان. ويقول إنَّ طابع الفنَّانين الأصلي يتعرَّض للخطر من خلال منطق الاستغلال التجاري الخاص بصناعة الموسيقى العالمية التي لا تخضع إلاَّ لقوانين السوق وتقيس قيمة العمل الفنِّي قبل كلِّ شيء بأرقام المبيعات والإعلانات واستراتيجيات التسويق. ومنذ أواخر التسعينيَّات تم تأسيس العديد من قنوات الموسيقى الخاصة مثل قناة تلفزيون روتانا؛ وهذه القنوات حسب رأي فاريبورز لا تنشر سوى "تفاهة موحّدة من ثقافة البوب". ويضيف الكاتب أنَّ الكثير من الموسيقيين يشتكون من هيمنة تلفزيون روتانا وأحاديته الثقافية. حتى وإن خفَّت الآن حدة الرقابة بفضل التغييرات السياسية، فإنَّ الهيمنة المتزايدة لسوق الموسيقى سوف تتعامل مع الموسيقى على أنَّها سلعة ثقافية شعبية. وسنرى إذا كان هؤلاء الموسيقيون الشباب الناشطين سياسيًا سيصمدون في مواجهة هذا الخطر.


إرين كوفرجين
ترجمة: رائد الباش
مراجعة: هشام العدم
حقوق النشر: قنطرة 2011 المزيد


الأوركسترا في القاهرة فرقة الجاز النسائية الألمانية:

فرقة الجاز النسائية الألمانية تطوف العالم العربي

تقوم أوركسترا الجاز النسائية الألمانية بجولة في العالم العربي من 6 حتى 16 يوليو / تموز، وتعزف في لبنان والأردن والعراق وفلسطين، بعدما قدمت موسيقاها من قبل في البحرين خلال البطولة العربية لكرة القدم النسائية. لويزا شيفر تطلعنا على جولات هذه الأوركسترا. المزيد


إطلالة فيروز وترانيمها جيشت المشاعر والأحاسيس فيروز الأغنية العربية في القارة الأوروبية:

فيروز تشدو في سماء أمستردام وتأسر قلوب معجبيها

بعد غياب طويل عن المسرح أتت نجمة الغناء العربي فيروز لتحيي حفلاً غنائياً في العاصمة الهولندية ضمن مهرجان هولندا للفنون، آسرة بهذا قلوب الآلاف من معجبيها من العرب والأوروبيين. نادر الصراص من أمستردام ينقل إلينا أجواء هذا الحفل الاستثنائي. المزيد


قائد الأوركسترا الإسرائيلي بارنبويم يقود أوركسترا لموزارت في غزة:

موسيقى موزارت في غزة ...رسائل سياسية بألحان موسيقية

تمكَّن المقاول الفلسطيني، جودت الخضري من تحقيق ما في ذهنه، إذ أنشأ قبل فترة طويلة من عزم القيادة الفلسطينية الإعلان عن دولة فلسطينية أوَّل متحف في مدينة غزة. ويمثِّل هذا المتحف على الأقل نقطة انطلاق لجمع القطع الأثرية وحفظها. وفي هذا الصدد رأى الخضري أنَّ "وجود متحف صغير في غزة أفضل من عدم وجود أي متحف". وهكذا تم بالقرب من مخيم الشاطئ بناء مركز المتحف الثقافي الذي يضم بالإضافة إلى ذلك فندقًا ومطعمًا - وجاء إنشاؤه إيمانًا من الخضري بثقافة مدينته غزة وتاريخها، هذه المدينة التي تعدّ أقدم بآلاف السنين من سلطة الإسلامويين في حركة حماس.

وفي يوم الثلاثاء لم يكن باستطاعة بهجت الخضري، صاحب الرؤية الثقافية الشجاع، إخفاء توتّره. ولم تنفرج أسارير وجهه إلاَّ بعدما أعطى دانيال بارنبويم اشارة بدء الليلة الموسيقية الصغيرة. وفي الواقع لم يكن الفلسطينيون يحلمون مثل الخضري حتى اللحظات الأخيرة بظهور موسيقيين من فيلهارمونيكا فيينا وبرلين ومن ثلاث أوركسترات أوروبية أخرى في هذا المبنى ذي اللون الرملي الذي يقع على شاطئ البحر الأبيض المتوسط.

ولكن عازف البيانو ومدير دار أوبرا الدولة في برلين، دانيال بارنبويم الذي نشأ في إسرائيل، بقي مثل بهجت الخضري عازمًا منذ أعوام وبإصرار على تنفيذ مشروعه، ليقيم أيضًا في غزة حفلاً موسيقيًا، مثل الحفل الذي أقامه قبل أكثر من عشرة أعوام في مدينة رام الله في الضفة الغربية.

معارضة داخل صفوف حماس

أصبحت زيارة بارنبويم لقطاع غزة مثيرة أكثر للجدل بعد قتل زعيم تنظيم القاعدة الإرهابي أسامة بن لادن. وجوبه هذا الحفل بالمعارضة داخل صفوف حركة حماس. واضطر بارنبويم للتفاوض حتى ساعات متأخّرة من الليل، وفي النهاية حصل على تصريح لإقامة الحفل.

وفي بداية الحفل الذي وجد من قبل الجمهور ترحيبًا كبيرًا، قال بارنبويم: "نحن نريد أن نرسل إشارة واضحة ضدّ هذا الحصار الثقافي، ونحن هنا لنبيِّن أنَّ الناس قلقون عليكم". وبالنسبة لمعظم مواطنيه الإسرائيليين يعتبر قطاع غزة الذي يحكمه الإسلامويون في حركة حماس "حماسستان"؛ وفقط قبل نحو عامين ونيِّف اندلعت هناك حرب استمرت طيلة أسبوع بين إسرائيل وحركة حماس.

وفي الخارج يشق هدوء موجات البحر زورق دورية من الجيش الإسرائيلي، وفي الشارع أمام المتحف يقف رجال من شرطة حماس الملتحين يرتدون زيًا أسود في نوبه حراسة. في الداخل لا يشوّش على صوت موسيقى موزارت سوى خشخشة خافتة تصدر عن تعرّض زخرفة السقف الشرقية لتيار الهواء المنبعث من جهاز التكييف وأحيانًا رنين أجهزة الهاتف المحمول. نظَّم هذا الحفل العديد من المنظمات غير الحكومية والأمم المتحدة ودعي لحضوره أكثر من أربعمائة شخص.

وحضر الحفل الموسيقي أيضًا عدة صفوف مدرسية، حيث تم فصل الفتيان عن الفتيات بعناية، وكانت رؤوس معظم الفتيات مغطاة بحجاب أبيض اللون. ولم يتم توجيه دعوة إلى ممثلي حركة حماس الذين يعملون منذ أعوام على فرض تصوّراتهم عن الأخلاق الإسلامية. جاء بارنبويم إلى غزة برفقة خمسين ضيفًا. ولم يصطحب معه فقط زملاء موسيقيين من جميع أنحاء أوروبا، بل كذلك بعض الأصدقاء والرفاق المقرَّبين منه؛ مثل زوجته عازفة البيانو إيلينا بشكروفا Elena Bashkrova، وأرملة المفكّر الفلسطيني الأمريكي الراحل إدوارد سعيد - الذي شارك معه في تأسيس أوركسترا الديوان الغربي الشرقي والذي ما يزال يشكِّل بالنسبة له مصدر إلهام.

وكان من بين عازفي الكمان في "أوركسترا غزة" التي تم تشكيلها فقط من أجل هذه المناسبة، عازف الكمان ميشائيل، نجل بارنبويم. وشوهد أيضًا بين الحضور مدير القناة التلفزيونية الألمانية الثانية ZDF، ماركوس شيشتر Markus Schächter. وتم إجراء البروفة الموسيقية الوحيدة في الليلة السابقة في مطار العريش المصري، الذي أقلتهم إليه طائرة مستأجرة خصيصًا.

وبعدما انطلقت طائرتهم وكانوا في الهواء، تم الإعلان عن هذا الحفل الموسيقي الذي تقرّرت إقامته منذ عدة أسابيع. وثم سافر الموسيقيون إلى قطاع غزة الذي لا يبعد إلاَّ أربعين كيلومترًا، وبسبب وجود مخاوف أمنية قضوا هناك بضعة ساعات فقط من أجل إحياء الحفل الموسيقي.  وقال قائد الأوركسترا مخاطبًا الجمهور الفلسطيني: "عندما نتمرَّن على مقطوعة موسيقية، فإنَّنا نعزفها كما لو كانت المرة الأولى، حتى ولو كنا نقوم دائمًا بأدائها. نحن معتادون على التفكير من جديد". ودعا الجمهور إلى الاقتداء بالموسيقيين. وأضاف أنَّ الثورات العربية والكارثة النووية في اليابان جعلتاه على أي حال "يتساءل ويشكّ في كلِّ شيء".

دعوة لإقامة دولة فلسطينية

ولكنه ألقى في نهاية الحفل الخطاب السياسي الذي كان يريد في الحقيقة تجنّبه بصفته "سفيرًا للأمم المتَّحدة للسلام". وأدان بارنبويم بناء المستوطنات وجميع أشكال القوة العسكرية، وقد أعرب عن تأييده لقيام دولة فلسطينية. وكذلك حمل موعد هذا الحفل الموسيقي معنًى سياسيًا كبيرًا. فبعد يوم من إحيائه اختتمت حركتي حماس وفتح بزعامة الرئيس الفلسطيني محمود عباس مراسيم التوقيع على اتِّفاق المصالحة بينهما في القاهرة، والذي من المفترض أن ينهي القتال الدائر بينهما. وقال بارنبويم إنَّه يأمل أن يتحقَّق الاتِّفاق.

وأضاف أنَّ الحفل الموسيقي في غزة لا علاقة له بذلك؛ وأنَّ الحكومة المصرية الجديدة التي تنوي فتح حدودها قريبًا مع قطاع غزة، سهَّلت على الأقل دخول الموسيقيين إلى القطاع. وفي الماضي لم تسمح السلطات الإسرائيلية لبارنبويم العبور من معبرها. وفي إسرائيل لم تعطي وسائل الإعلام الإسرائيلية جولة بارنبويم الموسيقية في غزة حقها من التغطية الإعلامية. إذ طغى موت أسامة بن لادن على حفل هذا الموسيقي المثير للجدل، والذي كان في السابق يثير استياء كثير من الإسرائيليين، وذلك عندما كان يعزف في إسرائيل موسيقى من تأليف ريتشارد فاغنر.

وفي المقابل لم يكن الجمهور في غزة متحمسًا لسماع موسيقى موزارت وحده. وجرت بين الحضور همسات سعيدة مع عزف الإيقاعات الأولى من السيمفونية رقم 40 لموزارت: فمقدّمتها تشكِّل لحن أغنية عاطفية غنتها المطربة العربية الشهيرة فيروز. يبتسم جودت الخضري ويقول إنَّه أنشأ متحفه هذا أيضًا لمد مثل هذه الجسور الثقافية التي تتخطى الحدود.

 

هانس كريستيان روزلر
مراجعة: هشام العدم
ترجمة: رائد الباش
حقوق النشر: فرانكفورتر الغماينه تسايتونغ/قنطرة 2011 المزيد


حمادة بن عمور، مغني الراب التونسي، الصورة د.ب.ا الموسيقى والاحتجاجات الشعبية في العالم العربي:

صدى الثورة .....رسائل التغيير وأنغام التعبير

أنتجت الانتفاضات الشعبية في العالم العربي جيلا جديدا من الموسيقيين الذين سخروا أعمالهم الفنية للتعبير عن آلام مجتمعاتهم وآمالها. غير أن ثقافة الاحتجاج هذه ليست بالظاهرة الجديدة، كما يرى أريان فاريبورز في هذا العرض لهذه الظاهرة. المزيد


حوار مع عميد الأغنية المغربية عبد الوهاب الدكالي:

"هل أدركتم الآن لماذا لا أسمع الأغنية العربية ؟"

الموسيقار عبد الوهاب الدكالي هو فنان المغرب العربي الكبير. أكثر من خمسين سنة من العطاء المتواصل أعطى فيها للأغنية أبعادا جديدة لم تكن مألوفة من قبل في الساحة الغنائية العربية. في هذا الحوار الذي أجرته معه ريم نجمي يتحدث عميد الأغنية المغربية عن دور الموسيقى في التقريب بين الثقافات وعن تأثيرات المرجعية الموسيقية الغربية على مساره الفني.


برأيك أستاذ عبد الوهاب الدكالي كيف يمكن للموسيقى أن تلعب دورا في التقريب بين الثقافات والشعوب؟

عبد الوهاب الدكالي: الموسيقى هي الحياة و أول من وضع نوتة موسيقية هو داود عليه السلام، الريح موسيقى، الرعد موسيقى، أصوات الطيور موسيقى، الكلام موسيقى...و كل هذه الأصوات يمكن تدوينها موسيقيا. زيادة على أن الإنسان بطبعه يغني، خاصة إذا كان في أحسن حالاته و يتجاوب مع الأغنية إذا لاءمت مناخه.إذاً الموسيقى هي اللغة المشتركة بين الشعوب وهنا يمكن استخدام الأغنية كسلاح في التقريب ما بين الثقافات والشعوب.

نظرا لرسالتك الإنسانية وإسهامك الفني في نشر قيم المحبة و التسامح حظيت بتكريم من قداسة بابا الكنيسة بينيدكت السادس عشر، كيف تلقيت هذا التكريم كفنان عربي ومسلم؟

الدكالي: بالنسبة لي كان هذا التكريم مفاجأة عظيمة، لأنه ليس لي أي صلة بالكنيسة أو ببابا الكنيسة إلا كوني أحترم جميع الديانات خاصة السماوية منها والتي أوصاني بها القرآن كتابي العظيم، الأنبياء الآخرين أعتبرهم أنبيائي كذلك، بما فيهم النبي عيسى والنبي داود وغيرهم من الأنبياء...وأنا أعتقد أن تكريمي من أعلى سلطة دينية كاثوليكية والتي يؤمن بها الملايين من البشر وينتمي إليها مفكرون وكتاب وفلاسفة، جاء تتويجا لدوري على المستوى الإنساني والاجتماعي، والذي له صدى طيبا على البشرية ككل. منذ ذلك التكريم ازداد احترامي و تقديسي للرسالة المسيحية ولهؤلاء الناس الذين تخلوا عن الماديات في سبيل حب الله. بالمناسبة رسمت لوحة زيتية عبارة عن بورتريه لقداسة البابا وأتمنى أن أسلمها له يوما ما يدا بيد.

فتحتَ حوارا من خلال أغانيك مع المرجعية الموسيقية الغربية ما الذي تمثله لك هذه المرجعية الموسيقية الغنية؟

الدكالي: طُرح علي سؤال في مهرجان القاهرة من طرف مجموعة من الشباب الصحفيين:" لماذا يا أستاذ تستمع للموسيقى الغربية وتهتم بها؟" قلت إنني منذ 25 سنة لم أعد أسمع الموسيقى العربية لأني أسمع فقط الأشياء التي يمكن أن أستفيد منها، فالموسيقى العربية لم يعد بإمكاني أن أتعلم منها شيئا.الناس الذين كان بإمكاني أن أتعلم منهم كمحمد عبد الوهاب رحلوا. الآن أسمع الأغنية الأنكلوساكسونية. و سأقول لك سرا من أسراري الموسيقية: عندما تنجح أي أغنية لفنان عالمي وتحقق شهرة كبرى، أسمعها وأحاول أن اكتشف جوانب النجاح فيها، طبعا بغض النظر عن الدعاية التي لها دور فعال وكبير في نجاح الأغنية. أنجح تقريبا في اكتشاف نحو 60 في المئة من مقومات نجاح هذه الأغاني. بعد فوزي بالجائزة الكبرى بمهرجان القاهرة جاء نفس الشباب لتهنئتي فقلت لهم "هل أدركتم الآن لماذا لا أسمع الأغنية العربية ؟ ! " أنا ينبغي أن أتعلم كل يوم وأستمع فقط للأشياء التي تأتيني بما هو جديد.

ما زلت تتعلم برغم أكثر من خمسين سنة من الحضور اللامع والخبرة الفنية ؟

الدكالي: طبعا، من الأشياء العظيمة التي لا أنساها جملة قالها الموسيقار العظيم بيتهوفن: " مع الأسف في اليوم الذي بدأت أعرف فيه الموسيقى سأرحل". نحن لا نستطيع أن ندرك في حياتنا كل المعارف والعلوم، سنبقى دائما نتعلم من الكتب ومن الآخرين... محمد عبد الوهاب كان كذلك متأثرا بالآخر سافر مع أحمد شوقي واكتشف الموسيقى والثقافة الغربيتين وانفتح على عوالم أخرى لم يكن يعرفها في مصر.أنا كذلك كل يوم أتعلم وكلما أسمع رنة جميلة أسجلها. بالنسبة لي أنا، اليوم فقط سأبدأ.

عملت في مسارك الغنائي والفني على مواضيع احتفت بالقيم الإنسانية وقيم التسامح وهي قيم ذات أبعاد كونية ، فخرجت عن المواضيع المألوفة في الغناء العربي لماذا هذا التوجه؟




الدكالي: أغلب الفنانين في العالم العربي باختلاف تعبيراتهم الفنية يتطرقون إلى موضوع الحب أو العشق. لكن بالنسبة لي هناك أشكال أخرى من الحب: حب الله أو حب الإنسان أو حب الوطن...أنا وبحكم سني- فأنا لم أعد مراهقا وإن كنت كذلك وسأبقى كذلك- كلما تقدمت في العمر تتغير نظرتي للأشياء التي حولي.الآن الإنسان يتخبط في مشاكل كبرى وعويصة كالحروب والمجاعات وانتهاك حقوق الإنسان، فرغم رفع شعارات حقوق الإنسان فهي تبقى في النهاية مجرد شعارات بالنسبة لي. و لأني أحب الإنسان، خصوصا ذلك الضعيف الذي لا يقوى على الدفاع عن نفسه، فأستخدم قوتي والتي تتجلى في غنائي ولحني لنقل معاناة وحالة هذا الإنسان على لساني.وليس من قبيل الصدفة أنني حينما شاركت بأغنية "سوق البشرية" في مهرجان القاهرة الدولي حصلت على الجائزة الكبرى، فالموضوع الذي تناولته موضوع كَوني ويلامس جميع البشر، زيادة على أن لحن الأغنية كان ذا طابع عالمي حتى تتمكن الأذن الغربية كذلك من استيعاب الرسالة.

تميز مسار ككذلك بأغاني وطنية ذات شحن سياسي تتغنى بالقضايا الوطنية المغربية. اليوم توقفتَ عن هذا النوع من الإنتاج الغنائي لماذا؟

الدكالي: فقط كان هناك طلب ولم يعد هناك طلب.

ألا يؤلمك أن هذه الأغاني كانت من الناحية الفنية واللحنية أغاني جميلة ولم تعد تذاع في الإعلام المغربي الرسمي؟

الدكالي: فعلا هذه المسألة من الأشياء التي تؤلمني،لأن هذه القطع الغنائية تطلبت مني جهدا كبيرا وليال من العمل والسهر والآن ضاعت وتبددت.إنما سوف أضع هذه الأغاني في قالب جديد وسأتكلم عن هذا الموضوع حينما يكتمل هذا المشروع.

الأستاذ عبد الوهاب الدكالي كفنان عربي كبير عاصر جيل العملاقة في الغناء ولازلت حاضرا ومتتبعا للساحة الغنائية العربية الراهنة، كيف تنظر لوضعية الأغنية العربية اليوم؟

الدكالي: لابد أن أشير أولا إلى أن الأغنية لها مقومات حتى تكون أغنية مكتملة. لابد من كلام جميل وهادف والألحان لابد أن تكون صادقة ومركزة، زيادة على الأداء الجيد.كل هذه المقومات التي ذكرتها كانت حاضرة في عصر عمالقة الأغنية العربية من محمد عبد الوهاب، أحمد رامي، عبد الحليم حافظ، مرسي جميل عزيز، أم كلثوم...هؤلاء صنعوا مجد الموسيقى العربية بحب كبير، لكن مع الأسف هؤلاء رحلوا ولم تبقَ سوى أقلية. من قبل كان الفن يأتي قبل التجارة والآن صار العكس التجارة قبل الفن.وصارت اليوم الصناعة الموسيقية بين يدي المشارقة وعلى رأسهم اللبنانيين الذين هم كما هو معروف من أصل فينيقي، والفينيقيون عُرفوا بالتجارة.فصاروا يخترعون نجوما يستمرون لمدة معينة حتى يُستنفدوا ويصيرون مستهلَكين ويتم إعادة اكتشاف نجوم آخرين وهكذا...وهذه طريقة أمريكية معروفة.إضافة إلى انتشار فضائيات تعرض أعمالا لفنانات خارقات الجمال لم يعد من الضروري أن يغنين يكفي أن يتكلمن فقط.إذن الفن صار اليوم عملية تجارية يتحكم فيها منطق السوق.



أجرت الحوار: ريم نجمي
مراجعة: هشام العدم
حقوق النشر: قنطرة 2010


يعد عبد الوهاب الدكالي عميد الأغنية المغربية، وهو من مواليد 1941، وله أكثر من خمسين سنة من العطاء الفني. وفي عام 1997 حصل على الجائزة الكبرى لمهرجان القاهرة الدولي للأغنية.