أدب عربي معاصر

"عالم ليس لنا"...نحن جميعاً نعيش في حضرة الغياب

الياس خوري: في الكتب السردية، يمتزج الشعر بالنثر، ويصير الشعر قبة النثر، مثلما يصير النثر لحظة شعرية تخطف الروح وتتغلغل في أعماقها.

في نقاش مع أحد الأصدقاء حول منعطف الدم، الذي يجتازه المشرق العربي، وجدت نفسي أنتقل فجأة الى الكلام بالفصحى فقلت إنه «عالم ليس لنا». وجدتني ألجأ بشكل عفوي إلى عنوان مجموعة قصصية لغسان كنفاني. فهذه العبارة صارت جزءاً من قاموسي، من دون أن يعني ذلك أنني قصدت المعنى الذي أراده كنفاني. تماماً مثلما نلجأ إلى أبيات من الشعر نستعين بها كي نلخص المعنى ـ ونكثفه، متجنبين الاستفاضة والرطانة.

حين قلت انه عالم ليس لنا، لم أتبنَ المعنى الحرفي للعبارة، بل أردت إن أقول أنني لا أعرف بالضبط كيف تسير بنا الأمور في هذا الزمن، أغلب الظن أنني قصدت معاني مختلفة وقد تكون متناقضة، كأن أقول أنني أشعر بالغربة أو أشعر بالعجز، أو أنتظر شيئاً غامضاً تخبئه لنا الأيام، أو أنني لا أدري، فلجأت إلى عبارة جاهزة تجنبني مشقة الصمت.

هذا التضارب في المعاني يأخذني إلى «شتى المعاني» التي يختزنها الشعر بحسب أبي نواس:

«آخذٌ نفسي بتأليف شيءٍ/ واحدٍ في اللفظ شتَّى المعاني».

المعاني المتعددة التي أشار إليها أبو نواس هي غواية العملية الأدبية، فالأدب يغوي ليس بصفته حاملاً للمعنى فقط، بل لأنه يسمح أيضاً للغة بأن تتلون بمعان مختلفة، وهذا سره. التأويل سرّ الأدب، الذي يجعل منه باباً مفتوحاً على أزمنة متعددة، وقراءات لا تحصى. ومتى بطُل التأويل أو كان غير ممكن، فقد الأدب سحره، وتحول إلى خطاب آحادي بلا نكهة.

العناوين تقدم باقة من الاحتمالات

درجت الثقافة العربية على اللجوء إلى الأبيات الشعرية كي تشكل متكأ للكلام. وهذا ليس مرتبطاً بالمتنبي وحده، الذي تحول العديد من أبياته إلى ما يشبه الأمثال الشعبية، بل يعود إلى زمن البدايات الشعرية في العصر الجاهلي، حين كانت فحولة الشاعر تنسب إلى غرض شعري أو بيت محدد. كأن يٌقال «أشعر العرب ثلاثة: امروء القيس إذا ركب والأعشى إذا طرب والنابغة إذا رهب».

كما أن النثر الكلاسيكي العربي احتفى بالشعر، لأنه رسم له مهمة تثبيت المعنى داخل المبنى السردي، وهذا ما نلاحظه في أعمال ابن حزم الأندلسي وأبي حيان التوحيدي… وصولاً إلى «ألف ليلة وليلة»، حيث تلعب الأبيات الشعرية دوراً خاصاً في تلوين المعاني وتوكيدها.

غير أنني لم ألجأ إلى الشعر في حواري مع صديقي، بل لجأت إلى عنوان كتاب نثري، كأن عناوين بعض الكتب، تنحفر في الذاكرة بحيث يصير العنوان أشبه بلحظة شعرية تحول المعنى إلى استعارة.

فاذا كانت شعرية الرواية تكمن في قدرتها على نثر المعاني، وتحويل الإيقاع إلى متوالية منسوجة من موسيقى الحياة اليومية، فإن العناوين تلعب دوراً مختلفاً، لأنها تقدم باقة من الاحتمالات.

هناك الأسماء التي تتحول إلى رمز مثل «نجمة» لكاتب ياسين، أو نموذج أنساني كما في «المتشائل»، لاميل حبيبي، أو استعارة سياسية كما في «الزيني بركات» لجمال الغيطاني، و«حكاية زهرة» لحنان الشيخ، أو حالة إنسانية كما في «خالتي صفية والدير» لبهاء طاهر و«البحث عن وليد مسعود»، لجبرا ابراهيم جبرا، و«الطلياني» لشكري المبخوت.

وهناك أسماء الأماكن التي تصير لصيقة بالكاتب، «القاهرة الجديدة»، لنجيب محفوظ، و«الحي اللاتيني»، لسهيل ادريس، و«بيروت 75» لغادة السمّان، و«دمشق الحرائق» لزكريا تامر، و«بيروت مدينة العالم» لربيع جابر، و«حي الأمريكان» لجبور الدويهي، و«عائد إلى حيفا» لغسان كنفاني، و«جريمة في رام الله» لعباد يحيى.

«في حضرة الغياب»

وهناك العناوين التي تصدم، وهي تتألف في الغالب من كلمة واحدة، كما في «المهزومون» لهاني الراهب، و«الخائفون» لديمة ونوس، و«أرابيسك» لأنطون شمّاس.

وهناك الاستعارات ، كما في «الخبز الحافي»، لمحمد شكري، و«حجر الضحك» لهدى بركات، و«دنا فتدلى» للغيطاني «ولعبة النسيان» لمحمد برادة، و«الآلهة الممسوخة» لليلى بعلبكي، و«التبس الأمر على اللقلق» لأكرم مسلم

وهناك العناوين ذات الكثافة الشعرية، كما في «رجال في الشمس» و«ما تبقى لكم» لكنفاني، و«مدن الملح» لعبد الرحمن منيف، و«عالم بلا خرائط» لجبرا ومنيف، و«تلك الرائحة» لصنع الله ابراهيم، و«موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح، و«رائحة القرفة» لسمر يزبك، و«الظل والصدى» ليوسف حبشي الأشقر، و«مديح الكراهية» لخالد خليفة

لا يقدم هذا المقال تصنيفاً شاملاً للعناوين، فهذه مسألة تحتاج إلى جهد أكاديمي وعلمي لا أدعي أنني قمت به، فأنا لم أقم هنا سوى باستحضار عناوين من ذاكرتي قد لا تكون الأفضل تمثيلاً للمقتربات التي اقترحتها، لكنها تشير إلى غنى عالم العناوين ودلالاته. فالكتاّب يعرفون أن العنوان يأتي مع الكتاب وكأنه لصيق به، وهنا لا مشكلة، أما حين لا يجد الكاتب عنوانه في البداية، أو حين يضطر إلى تغيير العنوان الأولي الذي بدأ به، فإنه يمر في مرحلة من القلق واللاتوازن. فالعنوان كالاسم يأتي مع الولادة، وحين تجد نفسك مضطراً إلى اختيار اسمك من جديد، فإنك تجد نفسك في ورطة خبرناها في مراحل العمل السياسي السري، حين كان علينا التخلي عن اسمائنا، وهذه مسألة تستحق معالجة خاصة.

لعل عنوان كتاب محمود درويش «في حضرة الغياب» هو التجسيد الأكثر بلاغة لشعرية العنوان ومعانيه المتعددة. ففي هذا الكتاب النثري الذي هو كناية عن سيرة ذاتية ناقصة جعلت من الذاكرة الشخصية لكاتبه وقوفاً على شرفة الحياة التي تطل على وادي الموت. فمزج الشاعر بين الحضور والغياب، بحيث جعل من الموت شكلاً آخر للحياة.

فنحن جميعاً نعيش في حضرة الغياب، ننغمس في أبدية الحاضر التي لا تكتمل إلا بالموت.

بهذا المعنى الذي نراه في عنوان كتاب درويش أو في الأشكال المختلفة التي نجدها في الكتب السردية، يمتزج الشعر بالنثر، ويصير الشعر قبة النثر، مثلما يصير النثر لحظة شعرية تخطف الروح وتتغلغل في أعماقها.

قلت لصديقي انه عالم ليس لنا، كي أقول ما لم أكن قادراً على صوغه في كلمات، فجاءت الاستعارة الشعرية كي تشقق الصمت بعبارة تستطيع أن تكون عتبة الكلام.

 

الياس خوري

حقوق النشر. الياس خوري 2017

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.