أثار التمدّد المثير لتنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" من سورية إلى العراق في العام 2013 وإعلانه قيام دولة «الخلافة» بعد عام من ذلك، الكثيرَ من التأويل حول نهاية اتفاق «سايكس- بيكو» البريطاني-الفرنسي الذي قسَّم الولايات المشرقية في الإمبراطورية العثمانية منذ ما يقرب من قرن مضى
أزمة الدولة القُطرية العربية بعد الربيع العربي

مئة سنة بعد سايكس بيكو....عوالم عربية مصطنعة

يعتبر الباحث يزيد صايغ أنه لم يعد من الممكن إعادة تكوين الدول العربية وفقاً للمخططات السابقة، حتى عندما تحاول الأطراف الفاعلة الخارجية القوية إعادة تأهيلها. فالدول القطرية العربية باتت تتفكّك اليوم بسبب العديد من صراعات داخلية تسبق الربيع العربي بفترة طويلة، وستؤدّي إلى صراع مطوّل وعدم استقرار وعجز عن التوصّل إلى توازن اجتماعي- سياسي جديد في العديد من المجتمعات العربية لسنوات قادمة.

أثار التمدّد المثير لتنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" من سورية إلى العراق في العام 2013 وإعلانه قيام دولة «الخلافة» بعد عام من ذلك، الكثيرَ من التأويل حول نهاية اتفاق «سايكس- بيكو» البريطاني-الفرنسي الذي قسَّم الولايات المشرقية في الإمبراطورية العثمانية منذ ما يقرب من قرن مضى. ولكن بينما ركّز معظم التعليقات على إزالة الحدود الوطنية، لم تجرِ محاولات لاستكشاف النتائج الأكثر أهمية على طبيعة الدول القُطرية التي كانت تضمّها تلك الحدود وتماسكها. ومن هنا، يبدو أن نهاية نظام «سايكس- بيكو» تعني النهاية بالنسبة الى بعض الدول، ليس في المشرق العربي وحسب، بل أيضاً في عموم المنطقة العربية.

وعلى الرغم من كل الحديث عن الحدود المصطنعة التي تم تعيينها للدول العربية التي أنشأها اتفاق سايكس بيكو، كانت هذه الدول في الحقيقة من بين الأكثر استقراراً، إن لم تكن أكثرها استقراراً على الإطلاق، بالمقارنة مع مناطق أخرى في العالم، فقد كان نقل لواء الإسكندرون من الانتداب الفرنسي على سورية إلى السيادة التركية في العام 1939، وإنهاء الاستعمار الإسباني للصحراء الغربية في العام 1975، مجرّد تعديلات متأخّرة على محاصصات ما بعد الحرب العالمية الأولى.

مثلّت الوحدة بين شمال اليمن وجنوبه في العام 1990 واستقلال جنوب السودان في العام 2011 حدثين هامّين، بيد أنهما يؤكدان فقط كم كانت التغييرات في حدود الدول العربية نادرة وضئيلة بالمقارنة مع عملية إعادة رسم الخرائط الكاملة التي جرت في وسط أوروبا وجنوب شرقها، وجنوب آسيا وجنوب شرقها، وفي القارة الأفريقية جنوب الصحراء الكبرى، والاتحاد السوفياتي والدول التي قامت على أنقاضه على مدى القرن الماضي. وحتى في حالة الحدود العربية الوحيدة التي تمت إزالتها أخيراً بين العراق وسورية، فإن «داعش» لا يزال يتقيّد بها فعليّاً في حدوده الإدارية الداخلية وفي تراتبية العلاقة بين قيادته الأساسية في شمال العراق والمحافظات السورية.

تحديات أمام منظومة سايكس- بيكو

يظهر التحدّي الأكبر لنظام سايكس- بيكو بدل ذلك داخل الدول القطرية المنفردة، فعلى مدى القرن الماضي مرّت هذه الدول بثلاث مراحل رئيسة هي: «الدول الاستعمارية» التي نشأت في أعقاب الحرب العالمية الأولى، ودول ما بعد الاستقلال التي أخذت على عاتقها المهام السيادية بعد الحرب العالمية الثانية، والدول الاستبدادية التي ظهرت في سياق الانقلابات العسكرية في ستينيات القرن الماضي وسبعينياته، والتي عاشت مرحلة من الاستقرار منذ العام 1970 حتى الربيع العربي 2010-2011. وقد اختلفت أساليب الحكم السياسي من مرحلة إلى أخرى ومن دولة إلى أخرى، ومعها الأطر الدستورية والمؤسّسات الحاكمة والتدابير الإدارية المرتبطة بها، كما كان عليه الحال كذلك بالنسبة الى أنماط إعادة توزيع الثروة الاجتماعية والاقتصادية فيها.

تعرف على اتفاقية سايس بيكو التي قسمت الدول العربية
كانت اتفاقية سايكس بيكو هي الاتفاق السري بين بريطانيا وفرنسا ، بموافقة الاتحاد السوفيتي وروسيا ، من أجل توزيع ممتلكات الدولة العثمانية في الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الثانية . تم الوصول إلى اتفاق في مايو لعام 1916 ، وتم الوصول إلى الاتفاق على الرغم من الوعود التي قطعتها للعرب في مقابل انتفاضتهم ضد الأتراك وسوريا والعراق ولبنان وفلسطين بتقسيم المناطق البريطانية والفرنسية .

كان ذلك واضحاً، على سبيل المثال، في الإطاحة بالأنظمة الملكية في مصر والعراق وليبيا وتكيُّف الأنظمة القائمة في الخليج والأردن والمغرب مع تبعات ذلك، وحلّ البرلمانات البرجوازية، وصعود الطبقات الاجتماعية الجديدة الريفية عموماً، والإصلاح الزراعي والتأميم الاقتصادي في الجمهوريات الزراعية، والتوسّع الهائل للنظم الريعية في البلدان ذات الميول الاشتراكية وتلك الموجهة نحو السوق الحرة على حدّ سواء. وبالرغم من هذه التحوّلات الهامة والبعيدة المدى، فقد تم إنجاز التحوّلات من دون انهيار الدولة، وانتقلت السلطة من يد إلى يد وتوطّدت عبر تكوينات سياسية وتحالفات اجتماعية جديدة. وفي كل حالة، تمكنت الحكومات الجديدة من إقامة علاقات مستقرّة وقوية نسبياً بين الهياكل التي مارست من خلالها السلطة المباشرة -الأحزاب الحاكمة والأجهزة القسرية التابعة للدولة- ووسائل تحصيل الإيرادات وتكوين رأس المال وإعادة تشكيل العلاقات بين الدولة والمجتمع

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.