كانت هذه الصداقة مدهشة حتى من الناحية البصرية البحتة: فخان الذي كان يزيد طوله عن مائة وثمانين سنتيمترًا ووزنه أكثر من مائة كيلوغرام، كان يبدو بذلك أطول وأضخم بكثير من غاندي ذي البنية الهزيلة.
 
وبالنسبة لخان كانت فلسفة المهاتما غاندي تمثِّل مصدر الإلهام الرئيسي من أجل التغيير، الذي أراد نقله إلى المجتمع البشتوني؛ وهو مجتمع كانت تميِّزه قرونٌ من الاضطهاد والعنف والنزاعات الداخلية والخارجية. وهكذا فإنَّ أكبر عقبة لنشاط خان لم تكن تكمن في مقاومة البريطانيين، بل في عقليات مواطنيه وأنماط تفكيرهم السائدة: فقد كانت الحياة في شمال غرب شبه القارة الهندية يحدِّدها التفكير القبلي المتشدِّد والثأر وكذلك مفهوم الشرف القديم، الذي كثيرًا ما كان يؤدِّي إلى نزاعات دموية بين العائلات.
 

يصف الفيلسوف الهندي إكناث إسواران في كتابه "جندي اللاعنف في الإسلام" خان عبد الغفار خان ورسالته غير المريحة للبشتون على النحو التالي: "لا أحد يشعر بهذه التناقضات [في المجتمع البشتوني] بقوة أكثر من بادشاه خان، ولا أحد كان أكثر إدراكًا للثمن الذي كان يجب على البشتون أن يدفعوه نتيجة ولعهم وإعجابهم بالعنف. لقد كان يرى أنَّه تم حرمانهم من حريَّتهم فقط بسبب ميولهم المدمِّرة لذواتهم".
 
ونظرًا إلى حجم التحدِّيات الكبيرة التي واجهها خان فإنَّ ما حقَّقه في حياته مثيرٌ للإعجاب وربما يكون حتى يومنا هذا غير مسبوق: في عام 1929 أسَّس خان حركة "خدايى خدمتگار" (خُدَّام الله)، التي انضم لها نحو مائة ألف بشتوني. استحلف خان - مسلحًا بـ"أسلحة" النبي: الصبر والصلاح - أعضاء حركة "خُدَّام الله" على التخلي التام عن العنف في كفاحهم ضدَّ البريطانيين. وهكذا أصبحت هذه الحركة البشتونية أوَّل جيش محترف لاعنفي في العالم. وكلُّ مرشَّح لدخول حركة "خُدَّام الله" كان يقسم قبل انضمامه بأن يكرِّس نفسه لخدمة الإنسانية وأن يسامح مضطهديه وأن يعمل ساعتين يوميًا في العمل الاجتماعي.
 
لقد مثَّلت مجزرة "كيسه خوانى بازار"، التي شهدتها بيشاور في الثالث والعشرين من شهر نيسان/أبريل 1930 وقَتَل فيها البريطانيون مئتين وخمسين رجلًا غير مسلـَّح من حركة "خُدَّام الله"، أصعب اختبار لحركة خان. ولكن على الرغم من العنف الشديد المستخدم من قبل السلطة الاستعمارية، فإنَّ رجال خان بقوا يرفضون حمل السلاح. أمَّا البريطانيون فقد تفاجؤوا بدورهم من لاعنف البشتون.
 
لقد تحوَّلت هذه المجزرة إلى لحظة مهمة في الكفاح الهندي من أجل الاستقلال وأثارت حالة هلع وفزع في جميع أنحاء شبه القارة الهندية. في وقت لاحق كتب خان عبد الغفار خان: "كان البريطانيون يخشون من البشتوني غير العنيف أكثر من خوفهم من البشتوني العنيف. وكلّ الفظائع التي اقترفها البريطانيون بحقّ البشتون، صار لها هدف واحد فقط: استفزازهم من أجل استخدام العنف".
 
سلمية رائدة قائمة على أساس الإسلام
 
أصبحت سلمية خان، التي بناها كليًّا على أساس قيم الإسلام، رائدة تهدينا إلى الطريق الصحيح. وبالاستناد إلى المبادئ الإسلامية - مثل الأخوة العالمية والالتزام وخدمة الله من خلال خدمة مخلوقاته - فإنَّ خان لم يُمهِّد الطريق فقط للتحول العميق في المجتمع البشتوني، الذي كان يعتبر حتى ذلك الحين مجتمعًا مولعًا بالعنف، بل ساهم مساهمة حاسمة في نجاح الكفاح الهندي من أجل الاستقلال.
 
اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : غاندي الإسلام المنسي...خان عبد الغفار خان

هدا راي الخاص في ما يخص هدا الموضوع،الامريكان لا تهمهم القضاية العادلة،همهم الوخيد الاستلاء على ترواث الدول العربية و بالاخص الدول الاسلامية،.العلاقات الامريكية -السعودية

محفوض28.04.2018 | 07:47 Uhr