حاولت أن أقارن لمرة واحدة بينما ما قاله ضيفي شيخموس علي وضيفي الآخر الذي حاورته لاحقاً، لأجد أنهما يتفقان على نفس هذه النقطة وهي نقطة: "ما بعد الحرب". فهذه الكلمة فتحت الباب لكثير من الفضول لديّ، خصوصاً بعدما أخبرني محاوري الباحث شيخموس بالتالي مؤثراً فيّ ومتأثراً بما قاله:

الأنقاض المحيطة بقلعة حلب. Foto Privat
الأنقاض المحيطة بقلعة حلب

شيخموس علي: باختصار، حلب ستشهد مأساة بيروت القديمة، سيتّم هدم ما لم يتهدم خلال الحرب ... بواسطة الجرّافات لبناء أبنية وأبراج حديثة، وانظري على موقع جمعيتنا APSA 2011 – Association for the Protection of Syrian Archaeology  : فالفِرَق التي كانت تعمل على حماية مقام النبي زكريا ونقل المنبر من الجامع الكبير  وأيضاً مقتنيات بيت  "بوخا " توقفت عن العمل بسبب غياب الدعم، وأعني بذلك شعبة الآثار في محافظة حلب الحرّة وجمعية حماية التراث.

مكان ضريح عمار بن ياسر كان هكذا قبل التفجير. Foto: Privat
مكان ضريح عمار بن ياسر كان هكذا قبل التفجير.

أثارني الفضول أكثر لأعرف أكثر وأسأل أكثر. حاولت اللحاق به بالتواصل معه عبر شبكة الإنترنت لأقتنص سؤالاً آخرَ وإجابة أخيرة، إذْ كان يحاول اللحاق بطائرته في مطار فرانكفورت، لكنه عاجلني بوابل من الأسئلة:

شيخموس علي:  أين مشروع إعادة إعمار حلب؟  أين فرق المختصين؟  أين التمويل؟ لنتصور أنّ الحرب ستتوقف بعد شهر بحلب... ماذا أنتم فاعلون [يقصد المجتمع الدولي]؟  أين مشاريع الإعمار؟؟  هل سينتظر التجار والسكان في الأحياء القديمة سنة أو اثنتين لتقوموا بإعداد المشاريع والبدء بالإعمار؟؟ لماذا لم يتم دعم شباب بحلب القديمة قاموا بأعمال إنقاذ و حماية رهيبة؟

لا شك أنه وضعني في خانة مسؤوليةِ مَن عليه أن يبحث عن مَعنيين في الأمر ليجيبوا عن وابلِ هذه الأسئلة، فتمنيتُ لو يتسنى لي ذلك في أقرب فرصة. فيما بعد تواصلتُ مع المهندس المعماري والباحث الأكاديمي السوري ماهر حميد المهتم بالبحوث التاريخية واللغات السومرية و الأكادية. فقال لي:

ماهر حميد: بكل تأكيد، لم يحن الوقت بعد ...

لكن ما الذي تعنيه بذلك؟ 

ماهر حميد: ما أعنيه أن إعادة إعمار حلب هي خطة سياسية وعلينا أن نفهم هذه الخطة. فالنظام السوري له حساباته. والأجندة الدولية ابتداءً من دول الجوار  وانتهاءً بالدول الكبرى لها حساباتها. ولكن للسوريين أيضاً حساباتهم، فعندما كنتُ طالباً في كليّة الهندسة كان مشروع تخرجي عن حلب القديمة. وفي ذلك الوقت تمكنتُ من الاطلاع  -بطريقة من الطرق- على نسخه من الكادستر الفرنسي [السجلات الفرنسية لأراضي حلب] ،وهي خرائط قديمة فرنسية حول حلب، رغم أنه لم يكن بالأمر السهل الاطّلاع على مثل هذه الخرائط.

الباحث الأكاديمي شيخموس علي المختص بآثار الشرق القديم ورئيس جمعية حماية الآثار السورية والباحث في معهد الدراسات العليا.Foto: youtube
الباحث الأكاديمي شيخموس علي المختص بآثار الشرق القديم ورئيس جمعية حماية الآثار السورية والباحث في معهد الدراسات العليا بباريس.

كانت مذهله حقاً، رغم أنها رُسمت في الثلاثينيات لكنها أكثر دقه من الخرائط التي أجرتها الحكومة السورية عام 1980 بواسطة المسح الجوي، حتى أن الأشجار في بيوت حلب القديمة والنوافير وسط أرض الدِّيار كانت مرسومة فيها.

 لكن في ذلك الوقت كان علينا أن نصبّ عنها قالب شمع، حتى نعرف كيف نعيدها كما كانت، لكن النظام مازال يحتفظ بها، إضافة إلى الخرائط التي جرى مسحها من قبل "المساحة العسكرية" كلها موجودة لدى النظام كنسخة ورقية.

مكان ضريح عمار بن ياسر أصبح هكذا قبل التفجير. Foto: Privat
مكان ضريح عمار بن ياسر أصبح هكذا بعد التفجير.

والنظام الآن يعمد وبشكل حقيقي إلى رسم حلب على الوضع الحالي. ولديه فرق هندسية تمشي على قدم وساق، لقد قال لي أحدهم: "إننا نشتغل على رسم حلب على قدم وساق"، ولن أتحفظ بالتأكيد على أن الكثير من هذه الفرق إيرانية، لا بل إن المنظمات الإيرانية تزدحم من أجل الحصول على موطئ قدم للدخول في إعادة الإعمار، وإن لم يكن يخفى على أحد التنافس التركي-الإيراني على المنطقة.

فتركيا تضمن أنها المورد الأول للمواد، وأعتقد ألّا أحد ينافسها بالتوريدات كونها تمتلك المصانع لمواد البناء والأثاث،إضافة إلى قرب الموقع الجغرافي، أضيفي إلى ذلك أن حلب كانت مصبوغة بطابع العهد العثماني، الذي يظن البعض أنه الطابع التركي الحالي، وهذا غير صحيح. فالطابع التركي مختلف تماما، وهو يمثل البيوت من طابق واحد مسقوف بالقرميد، وله شرفة أمامية. فالأتراك حاليا ليس لديهم أي طابع معماري بل يعملون بالطراز الحيادي أو الاقتصادي. ولكن المنتصر سيطبع المنطقة بطابعه. وهذا ما يجعل السوريين متخوفين إلى حد ما من الهيمنة الإيرانية في مناطق نفوذ النظام.

فإبّان حقبة حافظ أسد،أعادوا تأهيل ضريح عمار بن ياسر (في الرّقة)، وصنعوا منه فعلا تحفة هندسية على الطراز الصَّفوي.

ولكن لماذا ضريح عمار بن ياسر، سيد ماهر؟

ماهر حميد: لا يخفى على أحد أهميته لدى الطائفة الشيعية، بالتأكيد. فقد انضمّ عمار بن ياسر لفريق عليٍّ يوم "صفين"، وقُتِل في المعركة، ولدينا حديث أن الرسول قال لعمار : "تقتلك الفئة الباغية".

هل تقصد أن الإيرانيين كانوا يختارون الأضرحة الشيعية؟

ضريح عمار بن ياسر لحظة التفجير.
ضريح عمار بن ياسر لحظة التفجير.

ماهر حميد:  بالضبط، وهذا ما يجعل الإيرانيين يركزون عليه لكي يُظهِروا للعالم مَن هي "الفئة الباغية"، لكنهم لم يكتفوا بذلك، فطلبوا تأهيل شارع "القوّتلي" الذي هو أهم شوارع الرّقّة، الأمر الذي قوبل برفض حافظ الأسد تطوير أي شبر خارج الضريح،  فقد كانت لهم خطط أخرى  كجمعية الإمام المرتضى التي تركز عملها في المنطقة الشرقية بشكل رئيسي.

بالتأكيد الضريح تم هدمه الآن، فأول الأمر أطلقت عليه جبهة النُّصرة اسم أكاديمية عمر بن الخطاب، نكايةً بمن تصفهم بـ  "الرّوافض"، على حدّ قولها، ثم جاء تنظيم "داعش" وهدمه نكايةً بمن يعتبرهم التنظيم بِـ "الروافض" وَ "النّواصب" كليهما معاً.

وهنا بيت القصيد فإعادة تأهيل ضريح عمار بن ياسر يجعلنا نفكر مليّاً حول استماتة الإيرانيين مع النظام في استعادة حلب، ربّما يعيدون صياغة حلب على الطريقة الإيرانية بعد انتهاء الصّراع. ففي الفكر الصَّفوي الأكاديمي الحالي،أن بقايا تراث إيران موجود تحت عشرات السنتيمترات في تراب سوريا والعراق، وعمار بن ياسر و أويس القُرني مدفونان في المكان عينه.

الجامع الأموي (جامع النبي زكريا) في مدينة حلب القديمة بعد الدمار.
الجامع الأموي (جامع النبي زكريا) في مدينة حلب القديمة بعد الدمار: من المعروف أن الجامع الأموي هو أكبر مساجد حلب، ويقع في المنطقة الأثرية من حلب وهو مبني على الطراز الأموي وهو شبيه بالمسجد الأموي في دمشق، ويطلق عليه اسم جامع زكريا نتيجة لوجود ضريح النبي زكريا فيه. وقد تعرض لأضرار فادحة منها انهيار المئذنة نتيجة الاشتباكات المتكررة بين النظام والمعارضة، بحسب ما تناقلته مواقع إخبارية ومقاطع فيديو من هناك.

وبالعودة إلى حلب فهناك مناطق يمكن إعادة إعمارها حتى هذه اللّحظة، ومناطق أخرى يستحيل فيها إعادة الإعمار. راقبي الوضع أمام القلعة، هناك مبانٍ انتهت إلى الأبد، وهذه هي التي ستحدد وجه حلب القادم. فقيمة المتر المربع من هذه الأراضي يعادل سعر المتر  المربع في طوكيو أو هونغ كونغ. لذلك ستكون هدفاً وكعكة للمستثمرين. فالحصول على ترخيص للعمل بحلب القديمة هو أمر معقّد جداً  لن تمنعه الدولة، ولكنها ستضع كل العراقيل في وجه من لا تريده. لهذا مَن تقرره الدولة فهو الذي سيعمل. وحلبُ حمدانيةٌ، بحسب الرواية الإيرانية، والحمدانيون شيعةٌ، أجبرهم السّلطان عبد الحميد عن التخلي عن تشيعهم، ومضت حلب في طريقها غير مكترثة بالمذاهب، ولكن الآخرين كانوا يكترثون.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : طراز حلب بعد الحرب...صفوي إيراني أم تركي عثماني؟

معلومات جيدة تضمنها المقال رغم ايماني ان حلب لن تكون للايرانيين أبدا

منصور حسنو01.11.2016 | 22:42 Uhr