احتجاجات إيران - ماذا حدث للجمهورية الإسلامية في عامها الأربعين؟

انقلاب سحر الملالي على عمائمهم الحاكمة

إخفاق روحاني أدى إلى استياء شعبي ثمين لصالح منافسيه المتشددين. فدعموا احتجاجات ضده بمدينتهم: مشهد. لكنهم أخطأوا الحساب. فقد انقلب السحر على الساحر. وانتشر المحتجون مناهضين لخامنئي في أنحاء إيران، مرددين: "اتركوا سوريا واهتموا بنا! الموت للدكتاتور، والموت لخامنئي!". المحلل السياسي الإيراني علي صدرزاده يرى أن نشاط الحرس الثوري في العراق وسوريا واليمن ولبنان تهديد وجودي للنظام الإيراني برمته.

ما الذي يحدث في إيران؟ يقول البعض إن الحركة الاجتماعية الجديدة الثائرة حاليًا هناك، خرجت في الأصل من المحافظات. وبالتالي فهي حركة محدودة جدًا ولا يمكن التكهُّن بتطوُّرها وتعتبر من دون هدف وخطيرة في النهاية. بينما ينفي الآخرون ذلك ويقولون: إنَّها حقيقية وأصلية، ولذلك فهي حركة تطلـُّعية للمستقبل.

لا يزال الجدل الدائر بين المثقَّفين حول طبيعة الاحتجاجات والصدامات المستعرة منذ عدة أيَّام في شوارع المحافظات الإيرانية مستمرًا أيضًا ومن دون هوادة مثل الاحتجاجات والصدامات نفسها. فما الذي يحدث في الجمهورية الإسلامية؟ ومَنْ يقاتل ضدَّ مَنْ؟ وإلى أين ستؤول الأمور؟

من المؤكَّد أنَّ الزلزال السياسي الذي يهز إيران في الوقت الراهن يعتبر منقطع النظير. وهو كذلك اختبار للقوة، يضع الجمهورية الإسلامية في عامها الأربعين أمام تحدٍ كبير. كذلك لقد بات الكثيرون يرون في الاحتجاجات مقدِّمةً لما سيأتي: نزاع على السلطة من أجل إرث الزعيم الديني علي خامنئي. هذه مقدِّمة من الممكن أن يفوز بها الحكَّام الحاليون، وذلك لأنَّهم الوحيدون الذين يمتلكون القدرة العسكرية والوحشية الضرورية من أجل ذلك.

أبناء المحافظات وصانع الملوك

بدأت حركة الاحتجاج فى محافظة نائية، في مدينة مشهد الواقعة في شمال غرب إيران على بعد نحو ألف كيلومتر عن العاصمة طهران. في البداية كانت هناك دعوة من جانب المتشدِّدين انتشرت على شبكات التواصل الاجتماعي. حيث كانوا يريدون التظاهر أمام مبنى بلدية المدينة ضدَّ سياسة روحاني الاقتصادية: ضدَّ ارتفاع أسعار البنزين وخفض الإنفاق على الخدمات الاجتماعية وارتفاع أسعار البيض والدواجن. كانت هذه حركة احتجاجية خرجت بمباركة من الرجل الأقوى في هذه المحافظة - على الأقل في بدايتها.

وهذا الرجل اسمه آية الله علم الهدى، وهو خطيب الجمعة في مدينة مشهد المقدَّسة وفي الوقت نفسه ممثِّل مرشد الثورة آية الله على خامنئي في محافظة خراسان. يطلق البعض على آية الله علم الهدى البالغ من العمر ثلاثة وسبعين عامًا ليس فقط اسم ملك المحافظة، بل وحتى صانع الملوك لإيران برمَّتها. وصهره إبراهيم رئيسي كان منافس حسن روحاني في الانتخابات الرئاسية قبل خمسة أشهر. وهزيمته في الانتخابات لم يستطع هضمها لا آية الله علم الهدى ولا صهره، ولا حتى غيرهما من المتشدِّدين في إيران مع مرشد ثورتهم في قمة السلطة.

توجد بالفعل منذ عدة أسابيع احتجاجات صغيرة وكبيرة في جميع أنحاء البلاد. أحيانًا يكون الخارجون في هذه الاحتجاجات من العمَّال الذين لم يحصلوا على رواتبهم منذ عدة أشهر، وأحيانًا من المتقاعدين الذين باتت صناديق معاشاتهم التقاعدية فارغة، وأحيانًا من الفقراء أو حتى من المدَّخرين الأثرياء الذين تم سلب أموالهم ومدَّخراتهم من قِبَل بنوك ومصارف وهمية أعلنت إفلاسها.

Proteste gegen Khamenei und die politische Führung in Teheran; Foto: picture-alliance/AP
ليست "إعادة تعبئة للحركة الخضراء": يبدو أنَّ المتظاهرين في إيران غير معنيين بالديمقراطية والحقوق المدنية بقدر اهتمامهم بارتفاع أسعار المواد الغذائية وكذلك بالبطالة وبعدم التكافؤ الاجتماعي - وهو موضوع كثيرًا ما تم إهماله من قبل الإصلاحيين. وعلى العكس من عام 2009 يبدو أنَّه لا توجد أيضًا قيادات محدَّدة، كما أنَّ معظم الإصلاحيين تجنَّبوا دعم هذه الاحتجاجات.

ولكن ما الذي يُميِّز هذه الاحتجاجات في المقام الأوَّل؟ تتميَّز هذه الاحتجاجات بكونها مُوَجَّهة ضدَّ حكومة روحاني. وعلى الرغم من أنَّه كان يتم التسامح معها وقد وجدت صدًى كبيرًا في الصحف والمواقع الإلكترونية وخاصة التابعة للمتشدِّدين، ولكن مع ذلك فإنَّ المتشدِّدين ليسوا الوحيدين، الذين يريدون إسقاط روحاني. فحتى بالنسبة لمؤيِّدي روحاني تُمثِّل الشهور، التي أعقبت إعادة انتخابه، فترةً من الإحباط وخيبة الأمل.

يُتَّهم روحاني حاليًا بأنَّه لم يتمكَّن من تحقيق أي شيء مما كان قد وعد به. وبأنَّ حكومة روحاني لا توجد فيها أية امرأة ولا أي وزير سُنِّي، بل إنَّ وزراءه من المتشدِّدين. وحتى على شبكات التواصل الاجتماعي ابتعد الناس منذ فترة طويلة عن روحاني. وعلى الأقل لم تنقطع منذ أسابيع شكاوى الناخبين المحبطين، والتي يتم نشرها تحت الهاشتاغ "أنا نادم" [على التصويت لروحاني].

انتفاضة "المحرومين"

وأخيرًا الفقراء في المناطق النائية غاضبون أيضًا من حكومة روحاني. وبحسب البيانات الرسمية يعيش نحو عشرة ملايين مواطن إيراني من الإيرانيين البالغ عددهم نحو ثلاثة وثمانين مليون نسمة تحت خط الفقر - ​​وهذا في بلد من المحتمل أن يكون غنيًا جدًا. وبالإضافة إلى ذلك تأتي الكارثة المناخية وعواقبها التي باتت واضحة بالفعل: إذ إنَّ شحة المياه وحالة الجفاف في القرى والمدن الصغيرة أصبحت كذلك جزءًا من الحياة اليومية بالنسبة للكثيرين من الإيرانيين، تمامًا مثل تلوُّث الهواء غير المسبوق، والذي يعاني منه ملايين المواطنين في المدن الإيرانية.

أثبتت حكومة روحاني أنَّها غير قادرة على حلّ جميع هذه المشكلات. وعندما هزَّ قبل خمسة أسابيع زلزالٌ قويٌ محافظةَ كردستان، سادت حالة من الفوضى التامة وكان يبدو أنَّ الدولة غائبة تمامًا في الأيَّام القليلة الأولى بعد وقوع الكارثة، وقد وصلت المساعدات متأخرة جدًا.

تعتبر وصفات روحاني السياسية غير فعَّالة من أجل مواجهة جبال المشكلات التي يجب عليه إزالتها. وحكومته في نظر ناخبيه وكذلك في نظر منافسيه حكومة عاجزة. وبالنسبة للمتشددين يبدو أنَّ هذا الاستياء الشامل كان بمثابة فصل لا يمكن تقديره بثمن، وذلك لأنَّ من خلاله بالإمكان إسقاط حكومة روحاني البغيضة.

بعد أسابيع من المظاهرات والاحتجاجات الصغيرة في مختلف المدن الإيرانية، أراد المتشدِّدون يوم الخميس (الموافق 28 / 12 / 2017) إرسال أكبر إشارة ممكنة من مشهد، أي من مدينة منافسي روحاني. وكان من المخطط له في الأصل أن يتجمَّع عدة مئات من الأشخاص أمام مبنى بلدية المدينة ويحتجُّوا ضدَّ روحاني. ولكن هذه المرة أخطأ المتشدِّدون في حساباتهم.

خروج كلِّ شيء عن السيطرة

لقد تحوَّلت هذه الاحتجاجات إلى سحر انقلب على ساحره - إلى أزمة حكومية. وفجأة لم يأتِ في ذلك اليوم بضع مئات فقط من الأشخاص، بل عدة آلاف -وقد كانوا في الواقع مستائين للغاية- ليس فقط من حكومة روحاني، بل وحتى من الجمهورية الإسلامية ككل. وبسرعة البرق انتشرت على شبكات التواصل الاجتماعي الكثير من الشعارات المناهضة لمرشد الثورة علي خامنئي. وكان المتظاهرون يردِّدون: "اتركوا سوريا واهتموا بنا!"، "الموت للدكتاتور!" أو "الموت لخامنئي!".

وبعد ساعة من انتهاء المظاهرة، ظهر نائب الرئيس إسحق جاهانجيري أمام الصحافة وحذَّر منافسيه في مشهد، قائلاً: "ربما تدعون إلى المظاهرات، ولكنكم لن تكونوا أيضًا المسيطرين عليها في النهاية". وكان نائب الرئيس مُحقًا في رأيه. فمدينة مشهد لم تكن سوى بداية وإشارة لبقية البلاد. فمنذ ذلك الحين والناس يخرجون إلى الشوارع كلَّ يوم في عشرات من المدن وفي جميع المحافظات الإيرانية، ويهتفون ضدَّ الجمهورية الإسلامية. وهؤلاء هم "المحرومون"، أي الذين كانوا سابقا القاعدة الجماهيرية للثورة الإسلامية.

Irans Präsident Hassan Rohani; Foto: picture-alliance
الرئيس الإيراني تحت ضغط العمل الإجباري: "حسن روحاني يخشى حاليًا من تزايد الضغط من الخارج أكثر من خشيته من تزايده في المحافظات الإيرانية. وذلك لأنَّ نجاح سياسته الداخلية يتوقَّف على تطبيع علاقات إيران مع العالم الخارجي. بيد أنَّ سياساته الخارجية، وخاصة الإقليمية، يُحدِّدها خصومُه ومنافسوه: مرشد الثورة والحرس الثوري، بالإضافة إلى القوى ذات الطبيعة المافيوية المتحالفة معهم"، مثلما يرى علي صدرزاده.

وفي هذه الأثناء تزداد الاحتجاجات عنفًا باستمرار. وبحسب البيانات الرسمية فقد قُتل عشرات الأشخاص وتم اعتقال المئات خلال أيام تضمنت مطلع عام 2018. وجميعهم حتى الآن ضحايا الشرطة التابعة لوزارة الداخلية. أمَّا قوَّات الحرس الثوري فما تزال تنتظر في الثكنات، بحسب تصريح أدلى به متحدِّثٌ باسم الحرس الثوري الإيراني ليلة الإثنين 01 / 01 / 2018.

وأضاف: صحيح أنَّه كان لا بدّ من تنشيط ميليشيات الباسيج شبه العسكرية في مناطق متفرِّقة، ولكن الوقت لم يحن بعد من أجل تدخُّل الحرس الثوري. ولكن هذا الوقت سيأتي عندما تأخذ أعمال الشغب أبعادًا تُعرِّض النظام للخطر.

من المعروف أنَّ أفراد الحرس الثوري لن يخجلوا من استخدام الوحشية، مثلما أثبتوا ذلك في ما عرف باسم "الثورة الخضراء" قبل ثمانية أعوام. غير أنَّ ضبط النفس الذي يتحلى به الحرس الثوري في الوقت الراهن له أيضًا سبب آخر: لقد كان الحرس الثوري موافقًا في البداية - مثل جميع المتشدِّدين - على المظاهرات طالما كانت موجَّهه ضمن نطاق محدود ضدَّ الرئيس حسن روحاني. كذلك كانت أجهزتهم الإعلامية تتحدَّث يوميًا في الأسابيع الأخيرة حول أوضاع الشعب الاقتصادية السيِّئة، وقد أبدت تفهُّمها للمظاهرات الصغيرة والكبيرة، المنظمة من قِبَل المتقاعدين والعاطلين عن العمل والمُدَّخرين المخدوعين.

شماتة التحالف المناهض لإيران

قد لا يكون هناك ما هو أكثر خطورة من الوقت والظروف التي يحدث في ظلها كلُّ هذا. الدول الأجنبية وخاصة الإدارة الأمريكية تنظر عن كثب إلى ما يجري حاليًا في إيران. "أوَّل ما أعلنه اليوم الرئيس ترامب للعالم كان تغريدة على موقع تويتر حول أعمال الشغب في إيران"، مثلما ذكر مراسل في قناة بي بي سي الفارسية مساء يوم الأحد.

 

 

وتقريبًا جميع السياسيين الأمريكيين يتحدَّثون - على غير عادتهم - في كلِّ ساعة تقريبًا حول الأحداث في إيران. فقد نشر يوم الثلاثاء مع بداية أوَّل يوم عمل في العام الجديد نائبُ الرئيس الأمريكي على موقع تويتر: "أنا والرئيس لن نُكرِّر أخطاء الماضي المُخجلة، عندما وقف الآخرون وأهملوا مقاومة الشعب الإيراني البطولية ضدَّ هذا النظام الوحشي".

وبالتالي فإنَّ روحاني يخشى من تزايد الضغط من الخارج أكثر من خشيته من تزايده في المحافظات الإيرانية. وذلك لأنَّ نجاح سياسته الداخلية يتوقَّف على تطبيع علاقات إيران مع العالم الخارجي. بيد أنَّ سياساته الخارجية، وخاصة الإقليمية، يُحدِّدها خصومُه ومنافسوه: مرشد الثورة والحرس الثوري، بالإضافة إلى القوى ذات الطبيعة المافيوية المتحالفة معهم.

إنَّ نشاطات الحرس الثوري في المنطقة، وخاصة في العراق وسوريا واليمن ولبنان، لا تشكِّل تهديدًا وجوديًا بالنسبة للرئيس حسن روحاني وحده، بل وحتى للنظام الإيراني برمَّته. هناك تحالف قوي مكوَّن من المملكة العربية السعودية وإسرائيل والولايات المتَّحدة الأمريكية، يبذل كلَّ شيء من أجل دحر إيران من هذه الدول.

وباتت شبكة الإنترنت شبه مغلقة تقريبًا في وجه الإيرانيين منذ يوم الأحد. لذلك فقد سارع الرئيس الأمريكي ترامب في الرد عبر موقع تويتر، حيث كتب: إيران هي: "الدولة الأولى الراعية للإرهاب وفيها الكثير من انتهاك حقوق الإنسان، أغلقت الإنترنت لمنع المتظاهرين السلميين من التواصل، وهذا ليس أمرًا جيِّدًا".

 

 

علي صدرزاده

ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: ايران ژورنال / موقع قنطرة 2017

ar.Qantara.de

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : انقلاب سحر الملالي على عمائمهم الحاكمة

بعض ما قاله صحيح، لكن التظاهرات خمدت دون دخان. الملالي قوة ضاربة صادرت فكر الناس، وحولتهم الى آلات قتل إسلامية كما تفعل الأنظمة الاخوانية والوهابية والقطرية التي تدعم داعش والقاعدة. الحكومات الثيوقراطية لعنة على البشرية .

السيد محمد الحسيني09.01.2018 | 13:07 Uhr