انتفاضة "المحرومين"

وأخيرًا الفقراء في المناطق النائية غاضبون أيضًا من حكومة روحاني. وبحسب البيانات الرسمية يعيش نحو عشرة ملايين مواطن إيراني من الإيرانيين البالغ عددهم نحو ثلاثة وثمانين مليون نسمة تحت خط الفقر - ​​وهذا في بلد من المحتمل أن يكون غنيًا جدًا. وبالإضافة إلى ذلك تأتي الكارثة المناخية وعواقبها التي باتت واضحة بالفعل: إذ إنَّ شحة المياه وحالة الجفاف في القرى والمدن الصغيرة أصبحت كذلك جزءًا من الحياة اليومية بالنسبة للكثيرين من الإيرانيين، تمامًا مثل تلوُّث الهواء غير المسبوق، والذي يعاني منه ملايين المواطنين في المدن الإيرانية.

أثبتت حكومة روحاني أنَّها غير قادرة على حلّ جميع هذه المشكلات. وعندما هزَّ قبل خمسة أسابيع زلزالٌ قويٌ محافظةَ كردستان، سادت حالة من الفوضى التامة وكان يبدو أنَّ الدولة غائبة تمامًا في الأيَّام القليلة الأولى بعد وقوع الكارثة، وقد وصلت المساعدات متأخرة جدًا.

تعتبر وصفات روحاني السياسية غير فعَّالة من أجل مواجهة جبال المشكلات التي يجب عليه إزالتها. وحكومته في نظر ناخبيه وكذلك في نظر منافسيه حكومة عاجزة. وبالنسبة للمتشددين يبدو أنَّ هذا الاستياء الشامل كان بمثابة فصل لا يمكن تقديره بثمن، وذلك لأنَّ من خلاله بالإمكان إسقاط حكومة روحاني البغيضة.

بعد أسابيع من المظاهرات والاحتجاجات الصغيرة في مختلف المدن الإيرانية، أراد المتشدِّدون يوم الخميس (الموافق 28 / 12 / 2017) إرسال أكبر إشارة ممكنة من مشهد، أي من مدينة منافسي روحاني. وكان من المخطط له في الأصل أن يتجمَّع عدة مئات من الأشخاص أمام مبنى بلدية المدينة ويحتجُّوا ضدَّ روحاني. ولكن هذه المرة أخطأ المتشدِّدون في حساباتهم.

خروج كلِّ شيء عن السيطرة

لقد تحوَّلت هذه الاحتجاجات إلى سحر انقلب على ساحره - إلى أزمة حكومية. وفجأة لم يأتِ في ذلك اليوم بضع مئات فقط من الأشخاص، بل عدة آلاف -وقد كانوا في الواقع مستائين للغاية- ليس فقط من حكومة روحاني، بل وحتى من الجمهورية الإسلامية ككل. وبسرعة البرق انتشرت على شبكات التواصل الاجتماعي الكثير من الشعارات المناهضة لمرشد الثورة علي خامنئي. وكان المتظاهرون يردِّدون: "اتركوا سوريا واهتموا بنا!"، "الموت للدكتاتور!" أو "الموت لخامنئي!".

وبعد ساعة من انتهاء المظاهرة، ظهر نائب الرئيس إسحق جاهانجيري أمام الصحافة وحذَّر منافسيه في مشهد، قائلاً: "ربما تدعون إلى المظاهرات، ولكنكم لن تكونوا أيضًا المسيطرين عليها في النهاية". وكان نائب الرئيس مُحقًا في رأيه. فمدينة مشهد لم تكن سوى بداية وإشارة لبقية البلاد. فمنذ ذلك الحين والناس يخرجون إلى الشوارع كلَّ يوم في عشرات من المدن وفي جميع المحافظات الإيرانية، ويهتفون ضدَّ الجمهورية الإسلامية. وهؤلاء هم "المحرومون"، أي الذين كانوا سابقا القاعدة الجماهيرية للثورة الإسلامية.

الرئيس الإيراني حسن روحاني. Foto: picture-alliance
الرئيس الإيراني تحت ضغط العمل الإجباري: "حسن روحاني يخشى حاليًا من تزايد الضغط من الخارج أكثر من خشيته من تزايده في المحافظات الإيرانية. وذلك لأنَّ نجاح سياسته الداخلية يتوقَّف على تطبيع علاقات إيران مع العالم الخارجي. بيد أنَّ سياساته الخارجية، وخاصة الإقليمية، يُحدِّدها خصومُه ومنافسوه: مرشد الثورة والحرس الثوري، بالإضافة إلى القوى ذات الطبيعة المافيوية المتحالفة معهم"، مثلما يرى علي صدرزاده.

وفي هذه الأثناء تزداد الاحتجاجات عنفًا باستمرار. وبحسب البيانات الرسمية فقد قُتل عشرات الأشخاص وتم اعتقال المئات خلال أيام تضمنت مطلع عام 2018. وجميعهم حتى الآن ضحايا الشرطة التابعة لوزارة الداخلية. أمَّا قوَّات الحرس الثوري فما تزال تنتظر في الثكنات، بحسب تصريح أدلى به متحدِّثٌ باسم الحرس الثوري الإيراني ليلة الإثنين 01 / 01 / 2018.

وأضاف: صحيح أنَّه كان لا بدّ من تنشيط ميليشيات الباسيج شبه العسكرية في مناطق متفرِّقة، ولكن الوقت لم يحن بعد من أجل تدخُّل الحرس الثوري. ولكن هذا الوقت سيأتي عندما تأخذ أعمال الشغب أبعادًا تُعرِّض النظام للخطر.

من المعروف أنَّ أفراد الحرس الثوري لن يخجلوا من استخدام الوحشية، مثلما أثبتوا ذلك في ما عرف باسم "الثورة الخضراء" قبل ثمانية أعوام. غير أنَّ ضبط النفس الذي يتحلى به الحرس الثوري في الوقت الراهن له أيضًا سبب آخر: لقد كان الحرس الثوري موافقًا في البداية - مثل جميع المتشدِّدين - على المظاهرات طالما كانت موجَّهه ضمن نطاق محدود ضدَّ الرئيس حسن روحاني. كذلك كانت أجهزتهم الإعلامية تتحدَّث يوميًا في الأسابيع الأخيرة حول أوضاع الشعب الاقتصادية السيِّئة، وقد أبدت تفهُّمها للمظاهرات الصغيرة والكبيرة، المنظمة من قِبَل المتقاعدين والعاطلين عن العمل والمُدَّخرين المخدوعين.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : انقلاب سحر الملالي على عمائمهم الحاكمة

بعض ما قاله صحيح، لكن التظاهرات خمدت دون دخان. الملالي قوة ضاربة صادرت فكر الناس، وحولتهم الى آلات قتل إسلامية كما تفعل الأنظمة الاخوانية والوهابية والقطرية التي تدعم داعش والقاعدة. الحكومات الثيوقراطية لعنة على البشرية .

السيد محمد الحسيني09.01.2018 | 13:07 Uhr