الأزمة السياسية في ليبيا

"خطأ جوهري في فهم المسألة الليبية"

يتساءل الكاتب الليبي فرج العشة في تعليقه التالي: هل تفيد معرفة المبعوث الأممي غسان سلامة الفكرية التحليلية العميقة للواقع العربي في إحداث اختراق جوهري في المسألة الليبية يفضي إلى استحقاق توافق سياسي جامع واستقرار أمني مستتب، أم أنه سينضم بعد فترة ما إلى قائمة زملائه المبعوثين السابقين الفاشلة؟!

تم تكليف المثقف الأكاديمي غسان سلامة (ولد سنة 1951) بمهمة مبعوث أممي في ليبيا خلفا للألماني مارتن كوبلر. شغل غسان سلامة منصبه مستشاراً سياسياً لكل من كوفي عنان وبان كي مون ثم للأمين الحالي أنطونيو غوتيرش.

وكان قد تقلد منصب وزير الثقافة في الحكومة اللبنانية بين عامي 2000 و2003 ثم عمل مستشارا سياسيا لبعثة الأمم المتحدة في العراق عام 2003 في فترة إنشاء مجلس الحكم الانتقالي في العراق بعد سقوط نظام صدام حسين.

وحينها نجا من التفجير الإرهابي الهائل الذي دمر مقر بعثة الأمم المتحدة في العراق سنة 2003 والذي قضى فيه مبعوث الأمم المتحدة  إلى العراق البرازيلي سيرجيو فييرا دي ميلو وأسفر عن عشرات القتلى.

مفكِّر سياسي بارز

وزير الثقافة اللبناني السابق غسان سلامة مبعوثا أمميا في ليبيا
وزير الثقافة اللبناني السابق مبعوثا جديدا لليبيا خلفا لكوبلر: بعد خلافات استمرت أربعة أشهر، وافق مجلس الأمن الدولي في يونيو/حزيران 2017 على تعيين وزير الثقافة اللبناني السابق غسان سلامة مبعوثا أمميا في ليبيا، خلفا للألماني مارتن كوبلر الذي قام بهذه المهمة منذ خريف عام 2015.

غسان سلامة في الأصل مفكِّر سياسي بارز في السياسات اليومية وأستاذ العلوم السياسية في جامعة السوربون وعضو في المجلس الأعلى للفرنكوفونية. حاصل على شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة باريس الأولى ودكتوراه في الآداب من جامعة باريس الثالثة. صدر له العديد من المؤلفات بالفرنسية والعربية منها "المجتمع والدولة في المشرق العربي" و"السياسة الخارجية السعودية منذ عام 1945 دراسة في العلاقات الدولية" و"نحو عقد عربي جديد - بحث في الشرعية الدستورية" و"التسوية: الشروط، المضمون، الآثار" و"من الارتباك إلى الفعل التحولات العالمية وآثارها العربية" و"أمريكا والعالم إغراء القوة ومداها".

وعلى هذه الخلفية الأكاديمية الفكرية والتجربة السياسية يأتي سلامة إلى مشهد "الربيع العربي" الخائب في وضعه الليبي المعقد في محاولة للاستفادة من رؤيته السياسية التحليلية الثاقبة لإشكاليات الواقع العربي المأزوم وتأثيرات التحولات العالمية عليه عله وعساه أن ينجح في اجتراح حل أخفق فيه قبله ثلاثة مبعوثين أمميين سابقين. أولهم كان ابن موطنه اللبناني طارق متري وهو أيضاً وزير ثقافة سابق. فما الذي يمكن أن يفعله خلافاً لما فعله الذين سبقوه؟! هل ستفيده معرفته الفكرية التحليلية العميقة للواقع العربي في إحداث اختراق جوهري في المسألة الليبية يفضي إلى استحقاق توافق سياسي جامع واستقرار أمني مستتب. أم أنه سينضم بعد فترة ما إلى قائمة زملائه المبعوثين السابقين الفاشل؟!

نجح الدبلوماسي الألماني مارتين كوبلر في التوصل مع الأطراف الليبية في الصخيرات إلى اتفاق سلام يهدف لإنهاء الصراع السياسي والعسكري بينها في الخميس (17 كانون الأول/ ديسمبر 2015).
استقال المبعوث الأممي الأسبق إلى ليبيا برناردينو ليون بعد مفاوضات طويلة وعسيرة بين الأطراف الليبية في منتجع الصخيرات القريب من العاصمة المغربية الرباط. لينجح خلفه الديبلوماسي الألماني مارتين كوبلر في التوصل مع الأطراف الليبية في الصخيرات إلى اتفاق سلام يهدف لإنهاء الصراع السياسي والعسكري بينها في الخميس (17 كانون الأول/ ديسمبر 2015).

هكذا تكوَّن مشهد ليبي فوضوي عنيف

يأتي سلامة إلى المشهد الليبي الفوضوي العنيف بفكرة أن البلاد تعيش حرباً أهلية في ربط ذهني بالحرب الأهلية اللبنانية حسبما غرد على حائط صفحته في موقع تويتر قبل نحو سنتين. وهو بذلك يرتكب خطأ جوهرياً في فهم المسألة الليبية المبعوث للمساعدة في حلها، لأن ما يحدث في ليبيا (التي أعيش فيها وأراقب وأحلل دقائق أحداثها يوم بيوم) ليس به من طبيعة الحرب الأهلية شيئا. ليبيا تعيش حالة فوضى عامة.

فوضى من انتشار الأسلحة والصراع السياسي الإيديولوجي والجهوي على السلطة. فقد كان لدينا لأربعة عقود نظام الشخص الواحد. قُتل الشخص الواحد على يد المتمردين المسلحين بمساعدة حلف الناتو فاندثر نظامه السياسي وانهارت مؤسسات دولته الأحرى شبه دولته التي كانت عبارة عن مؤسسات حكومية ذات وظيفة خدمية لصالح توجيهات وتعليمات "الأخ القائد". اختفى عناصر الجيش والشرطة كأنهم فص ملح وذاب في بحر الناس. وبرز بدلا منهم ما أنزل الفراغ الأمني من مئات الميليشيات المتحاربة التي تتبع إيديولوجية إسلاموية (معتدلة/ متطرفة) أو مصالح جهوية وقبلية وبينها ميليشيات مصغرة لصوصية.

ثم ظهر في شرق ليبيا (إقليم برقة) العام 2014 حركة "الكرامة" العسكرية التي قادها اللواء المتقاعد خليفة حفتر اعتمادا على قوات من الجيش النظامي المنهار ومدعوماً من مجلس النواب المنتخب والحكومة المنبثقة عنه. بينما كانت الميليشيات الإسلامية تسيطر على غرب البلاد (إقليم طرابلس الغرب) حيث أقامت حكومة لها تحظى بتأييد من المؤتمر الوطني العام المنتهية ولايته والمؤسسة الدينية المتمثلة بدار الإفتاء برئاسة المفتى المتشدد الصادق الغرياني المبغوض شعبياً.

فائز السراج
بناء على اتفاق الصخيرات تشكل المجلس الرئاسي الليبي، الذي شكل بدوره حكومة وفاق وطني برئاسة فائز السراج، ونالت الحكومة ثقة برلمان طبرق بالأغلبية قرب نهاية فبراير/ شباط 2016. ووصل السراج الأربعاء (30 آذار/ مارس 2016) إلى طرابلس، لكن خليفة الغويل، رئيس ما يسمى بـ "حكومة الإنقاذ الوطني" طلب منه مغادرة البلاد هو ومن معه.

أما جنوب البلاد (إقليم فزان) فكان مسرحاً للتقاتل القبلي  وتجارة تهريب البشر (الأفارقة) إلى أوروبا عبر البحر. والآن، فيما المبعوث سلامة يبدأ دراسة وقائع الملف الليبي، نجد المشهد العام للمسألة الليبية قائماً على الوضعية التالية: في طرابلس تمكنت الميليشيات التابعة للمجلس الرئاسي (المنبثق عن اتفاق الصخيرات) من طرد ميليشيات حكومة الإنقاذ الإسلامية خارج العاصمة.

بينما تسيطر القوات المسلحة بقيادة الجنرال حفتر على إقليمي برقة وفزان اللذين يشكلان نحو 80 في المئة من مساحة ليبيا وتقع ضمنهما معظم آبار وموانئ النفط.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.