الإسلاموفوبيا في النمسا والرئيس فان دير بيلين

تضامن نمساوي مع المسلمات بدل التغاضي عن التمييز

قال الرئيس النمساوي ألكسندر فان دير بيلين إنه قد يأتي يوم يطلب فيه من النمساويات ارتداء الحجاب تضامنا مع المسلمات، إذا استمرت حملة الإسلاموفوبيا في بلاده. بتصريحاته الناقدة للخوف المستشري من الإسلام في النمسا فإنه يرسل إشارة مهمة من أجل مكافحة التمييز والعنصرية ضد المسلمين، التي أصبحت مقبولة اجتماعيا في أوروبا، مثلما يرى الباحث النمساوي فريد حافظ في تعليقه التالي لموقع قنطرة.

عندما تم في عام 2009 تلطيخ الجدران الخارجية لمعسكر الاعتقال النازي السابق في ماوتهاوزن بهذه الجملة: "ماذا كان اليهود بالنسبة لآبائنا، يُمثِّله اليوم المسلمون بالنسبة لنا. الحرب العالمية الثالثة، والحملة الصليبية الثامنة"، كانت ردود الفعل قليلة جدًا من قبل الممثِّلين السياسيين.

ولكن الرئيس الاتِّحادي النمساوي في تلك الفترة هاينز فيشر بادر بالحديث. ومع ذلك فقد كان حديثه متناقضًا. ففي تصريحه هذا انتقد في المقام الأوَّل معاداة السامية وكراهية الأجانب بشدة. وهذا حيّرني. فقد أظهرت هذه الجملة توجُّهًا سياسيًا خاصًا للغاية، يستهدف المسلمين باعتباهم "الآخرين" الجديد الداخليين. وهؤلاء الآخرون يمثِّلون استمرارية من "الآخر" اليهودي إلى "الآخر" المسلم.

لقد كانت سنة 2009 السنة التي أظهر فيها الخطاب العنصري لحزب الحرِّية النمساوي FPÖ اليميني الشعبوي تجاه المسلمين تأثيره الاجتماعي الواسع والذي يصل إلى دوائر القيادة السياسية في النمسا، وذلك عندما تم حينها تنفيذ قرار يقضي بحظر بناء مسجد ومئذنة بموجب تعديل في قانون البناء في ولاية فورارلبيرغ النمساوية وبغالبية من حزب الشعب النمساوي ÖVP (قبل أن يفعل ذلك السياسي يورغ هايدر وحزبه، حزب التحالف من أجل مستقبل النمسا BZÖ في ولاية كارينتيا النمساوية).

نظرة ثابتة إلى الماضي

أرى أنَّ تناقض الرئيس النمساوي السابق، المُتمثِّل في عدم تسمية الأشياء بأسمائها، يثير الريبة والشك. وخير دليل على ذلك أيضًا أنَّ العنصرية المنتشرة حاليًا لا تتم تسميتها باسمها. ومثلما يحدث كثيرًا حتى في ألمانيا فإنَّ نظرة السياسيين عندما يردِّدون عبارتهم "هذا لن يتكرَّر أبدًا" تكون موجَّهة إلى الماضي أكثر منها في الواقع إلى الوقت الحاضر.

رسم رمزيّ امرأة محجبة. Quelle: dpa/picture-alliance
غضب عام بعد تصريحات الرئيس النمساوي فان دير بيلين حول الحجاب: قال الرئيس النمساوي في حلقة نقاش داخل البيت الأوروبي أواخر شهر نيسان/أبريل 2017: "إذا استمرت حملة الإسلاموفوبيا بهذا الشكل فسيأتي اليوم الذي نضطر فيه إلى أن نطلب من جميع النساء ارتداء الحجاب -منهن جميعًا- للتضامن مع النساء اللواتي يفعلن ذلك لأسباب دينية".

إنَّ ما حدث منذ الحملات الانتخابية المعادية بشدة للمسلمين والخاصة بحزب الحرِّية النمساوي -وابتداءً منذ عام 2005 في بقية الأحزاب النمساوية- لا يحتاج هنا إلى المزيد من التوضح. يكفي أن نشير إلى التطوُّرات الأخيرة. فقانون الإسلام الصادر في عام 2015 وقانون الاندماج الصادر في شهر آذار/مارس يمثِّلان الانتشار الواسع للآراء -التي كانت موجودة في السابق لدى حزب الحرِّية النمساوي FPÖ فقط- والداعية إلى عدم مساواة المسلمين في المعاملة.

فالقانون الأوَّل يُحدِّد عدم مساواة قانونية في معاملة المسلمين بالمقارنة مع الأديان الأخرى ويُنهي بذلك النموذج الليبرالي الذي يعود إلى مَلَكية هابسبورغ. والثاني يُفضي إلى قرار يقضي بحظر النقاب.

وفي مثل هذه الأوقات لا يجني السياسيون أية فائدة من خلال وقوفهم خلف المساواة في الحقوق ومعارضتهم التمييز بحقِّ المسلمين، الذين يُنظر إليهم وتتم معاملتهم على أنَّهم "مختلفون". والرئيس النمساوي كان يعلم ذلك، حتى وإن لم تتم قبل ذلك دراسة تصريحه وتحضيره بدقة من قبل خبير في العلاقات العامة.

الشجاعة المدنية بدلًا من التغاضي وغض الطرف!

ولذلك تزداد أهمية الإشارة التي أطلقها مؤخرًا الرئيس النمساوي ألكسندر فان دير بيلين، أولاً من أجل معالجة ظاهرة الإسلاموفوبيا بكلِّ وضوح، وثانيًا من أجل مواجهتها من خلال دعوته إلى التضامن مع النساء المتضرِّرات جراء التمييز على أساس الجنس والإسلاموفوبيا. بإمكان المرء مناقشة الاختلافات الدقيقة. ولكن هذه الشجاعة بالذات كان لا بدَّ من أن تتم بلورتها أكثر.

لا عجب أن يتم في الأيَّام التالية للنقاش تناقل أعنف آراء التبسيط والمؤامرات والاتِّهامات من أجل التقليل من شأن هذه العنصرية في وسط المجتمع، والتي نسميها إسلاموفوبيا.

لقد ذكر أحد الأطراف أنَّ الإسلاموفوبيا هي من اختراع الإسلامويين، مُتناسيًا ومُتجاهلاً أنَّ الإسلاموفوبيا قد تم استخدامها للمرة الأولى من قبل كاتب فرنسي في عام 1910، بغية وصف التصوير المشحون بالأحكام المسبقة ضدَّ الجزائريين المُسْتعمَرين من جانب المُسْتعمِرين الفرنسيين.

وادَّعى الطرف الآخر أنَّ الإسلاموفوبيا هي مصطلح عدائي، وكأنَّما هذا المصطلح يمكن أن ينتقل من تلقاء ذاته ومن دون فاعلين. وكأنَّما مصطلح الديمقراطية سيفقد أهليَّته، لأنَّ الأمريكيين قد غزوا العراق بذريعة أنَّهم يريدون نشر الديمقراطية هناك. وكلتا الحُجَّتين المقدَّمتين من أجل إلغاء أهلية تصريحات الرئيس النمساوي تُظهران بوضوح عدم صلاحيَّتهما من الناحية العلمية، والأهم من ذلك أنَّ دوافعهما مشكوك فيها من الناحية السياسية.

وفي المقابل فإنَّ ما فعله الرئيس ألكسندر فان دير بيلين يمثِّل دليلاً مهمًا، نادرًا ما كان يتم حتى الآن تقديمه من قبل القادة السياسيين على أعلى المستويات أي إظهار الشجاعة المدنية لمواجهة: العنصرية تجاه المسلمين التي باتت مقبولة اجتماعيًا.

ملصقات انتخابية خلال الحملة الانتخابية الرئاسية في النمسا عام 2016. Foto: Reuters
"العقلانية بدل التطرُّف": رئيس النمسا الجديد، ألكسندر فان دير بيلين حذَّر الأوروبيين أكثر من مرة بإلحاح من "العودة إلى الدول الصغيرة السابقة". والرئيس فان دير بيلين البالغ من العمر ثلاثة وسبعين عامًا وقد كان في السابق سياسيًا في حزب الخضر، فاز في انتخابات الإعادة في شهر كانون الأول/ديسمبر 2016 ضدَّ المرَّشح اليميني الشعبوي نوربرت هوفر، قال مُحذِّرًا: "بالجدران الجديدة والقوميين الجدد نحن لا نحلُّ أية مشكلة - بل نخلق على العكس من ذلك مشكلات جديدة".

فان دير بيلين - رئيس تصالحي

وبالإضافة إلى ذلك فقد وضَّح الرئيس فان دير بيلين ما يشار إليه ضمنيًا في الغالب. حيث قال إنَّه قلق من "كوننا نُركِّز منذ فترة طويلة مرارًا وتكرارًا على الجرائم النهائية، على المحرقة وعلى معسكرات الاعتقال النازية، ونفكِّر قليلاً جدًا فقط بما حدث بالفعل في العشرينيات والثلاثينيات".

في الديمقراطية البرلمانية في النمسا يُنظر بصفة عامة إلى مكتب الرئيس النمساوي على أنَّه تصالحي وتوافقي ويسعى إلى التهدئة. وهذا شيء جيِّد. ولكن قد يكون أقل أهمية في أوقات زيادة الاستقطاب الاجتماعي - ليس من أجل الدخول في "موقف مُحْرِج" يُقلـِّل من مستوى شعبيَّته، بل من أجل تسمية الأشياء بأسمائها.

إذا نظرنا إلى ردود الفعل المُنافقة التي جاءت ردًا على تصريحات الرئيس ألكسندر فان دير بيلين، فعندئذ يمكننا القول على أية حال وبكلِّ حرِّية بحسب الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر، إنَّ "الحُكم المُسبق يخدع الإدراك" عند خصوم فان دير بيلين. والأعمال الشجاعة تؤدِّي إلى إثارة ضجة. ولكن ربما يحتاج الأمر بالذات لمثل هذه الضجة من أجل لفت النظر إلى تأثير العنصرية الواسع النطاق في مجتمعنا (النمساوي).

 

فريد حافظ

ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: موقع قنطرة 2017

ar.Qantara.de

 

فريد حافظ يعمل حاليًا ضمن برنامج فولبرايت أستاذًا في جامعة كاليفورنيا في بيركلي. وهو يُدرِّس ويبحث في جامعة سالتسبورغ، وينشر سنويًا تقرير الإسلاموفوبيا الأوروبي منذ عام 2015:

www.islamophobiaeurope.com

وكذلك الكتاب السنوي بحوث الإسلاموفوبيا منذ عام 2010:

www.jahrbuch-islamophobie.de

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.