الاحتجاجات الاجتماعية في شمال أفريقيا

انفصام النخب العربية عن واقع الشعوب

الاحتجاجات المستمرة منذ شهور في عدة دول شمال إفريقيا على غرار المغرب تكشف عن فشل الدولة في تقديم أبسط احتياجات المواطنين وعن حالة انفصام بين النخب الحاكمة وقطاعات الشعب المحكومة، مثلما يرى المحلل السياسي لؤي المدهون في تعليقه التالي لموقع قنطرة.

عندما انطلقت ثورات الربيع العربي في عام 2011، والتي مثَّلت أكبر تعبئة جماهيرية في التاريخ الحديث للشعوب العربية، اعتقد بعض المراقبين العرب أنَّ العقبة الرئيسية أمام تجاوز الحكم الاستبدادي وإرث الديكتاتورية تكمن في الانفصام الأيديولوجي الكبير بين النُخَب الحاكمة وجماهير الشعوب العربية، وأنَّ هذ الانفصام يتجلى من جهة في علمانية النخب الحاكمة ومن جهة أخرى في تديُّن جماهير الشعب في المجتمعات العربية.

وفي الواقع كان الوضع بعد الانتكسات الأولى في دول الربيع العربي يبدو هكذا: بعد رحيل الطاغتين حسني مبارك وزين العابدين بن علي - اللذين حكما مصر وتونس لفترة طويلة، اختفى العدو المشترك لحركات الاحتجاج العربية غير المتجانسة. وبات داعمو الثورات العربية يدخلون على نحو متزايد في صراعات داخلية أيديولوجية     .

هذا الاستقطاب الاجتماعي بين المعسكر الإسلامي المحافظ من جهة وبين المعسكر العلماني من جهة آخرى، ساهم في نهاية المطاف في فشل الربيع العربي بشكل مؤقت، ففي مصر عادت النُّخبة الحاكمة القديمة العلمانية ظاهريا إلى دفة الحكم بعد الانقلاب العسكري في صيف عام 2013، بينما غرقت كلٌّ من ليبيا وسوريا في حرب أهلية لا ترحم.

جميع السلطات في يدّ القصر

من المثير للدهشة أنَّ دول شمال أفريقيا قد نجت بدون أضرار نسبيًا من اضطرابات الحراك الثوري العربي في بداية 2011. في الجزائر بقي الوضع هادئًا إلى حدّ كبير بسبب الخوف من عودة الحرب الأهلية. وفي المغرب حاول الملك محمد السادس في عام 2011 الخروج من هذا المأزق وتخلى بسبب الخوف من الاحتجاجات الجماهيرية عن بعض سلطاته، ضمن إطار تعديل دستوري كان من المفترض أن يُحوِّل البلاد الى ملكية دستورية.

تسبب مقتل فكري بموجة من الغضب والحزن تحولت إلى احتجاجات ساكنة مدينة الحسيمة، الواقعة في منطقة الريف شمال المغرب. هذه الاحتجاجات باتت تعرف اليوم بحراك الحسيمة.
تسبب مقتل فكري بموجة من الغضب والحزن تحولت إلى احتجاجات ساكنة مدينة الحسيمة، الواقعة في منطقة الريف شمال المغرب. هذه الاحتجاجات باتت تعرف اليوم بحراك الحسيمة.

ولكن على أبعد تقدير منذ أزمة الحكومة، التي أعقبت الانتخابات البرلمانية في شهر آب/أغسطس 2016 وإقالة رئيس الوزراء المحبوب عبد الإله بنكيران، بتنا نعرف أنَّ الأمل في التغيير الحقيقي لم يتحقَّق على ما يبدو، إذ لا تزال استراتيجية القصر وشبكاته تهدف إلى إضعاف كلِّ قوة مستقلة سياسيًا في البلاد مثل "حزب العدالة والتنمية" وخنق تنظيم النقابات العمَّالية المستقلة في مهدها. المغرب أصبح بصدد العودة إلى الحكم السلطوي بطابعه القديم.

لم يبقَ إلاَّ تونس كمنارة الأمل الوحيد للربيع العربي. فعلى الرغم من المشكلات الاقتصادية الكبرى ومحاولات زعزعة الاستقرار من خلال الهجمات الإرهابية الجهادية، فإنَّ تونس لا تزال تملك أفضل المقوِّمات من أجل نجاح التحوِّل الديمقراطي الناجح في العالم العربي.

ابتعاد النُخَب عن الواقع الاجتماعي

وبطبيعة الحال كان من غير الواقعي الاعتقاد بأنَّ إرث الدكتاتورية الثقيل من الممكن التغلـُّب عليه من دون مواجهة عنيفة داخل المجتمعات العربية. فهذه المواجهات كانت بالتأكيد حتميةً من أجل اكتشاف الذات وإعادة توجيه بوصلة المجتمعات العربية ومنظومة القيم فيها بعد نصف قرن من الحكم المستبد.

بيد أنَّ المواجهة الإيديولوجية بين العلمانيين والإسلاميين تعمل على تضليل الأسباب الحقيقية لحالة البؤس والشقاء العربية. وبالطبع لقد تعلـَّق الأمر بعد ثورات الربيع العربي بتطوير مفهوم جديد للدولة، ولكن قبل كلِّ شيء بصياغة عقد اجتماعي جديد كان من المفترض أن يتم من خلاله تجاوز الفجوة الكبيرة بين المحكومين والحاكمين.

انفجار اجتماعي

تكشف الاحتجاجات المستمرة في شمال أفريقيا وخاصة في المغرب عن حجم فشل الدولة القومية. إذ إنَّ الانفصام بين النُخَب (الفاسدة) والواقع الاجتماعي للناس العاديين لم يكن أبدًا كبيرًا إلى هذا الحدّ. كما أنَّ الاختلافات بين الأغنياء والفقراء، بين المدن والأرياف، لم تكن أبدًا كبيرة إلى هذا الحدّ.

إنَّ أكثر من خمس سكَّان المغرب يعيشون تحت خط الفقر، حيث تعاني مناطق مثل منطقة "الريف" في شمال المغرب منذ عقود من الزمن من الإهمال الحكومي ومن نقص الاستثمارات وارتفاع معدَّلات البطالة. ويزداد الأمر سوءً بسبب تعسُّف السلطات الإدارية وتفشِّي الفساد على نطاق واسع في البلاد.

ميركل خلال زيارتها الأخيرة للسعودية
وهم الإستقرار: "التعاون غير المشروط مع ديكتاتوريات عربية من المفترض أنَّها "مستقرة" سيثبت أنَّه مجرَّد مغامرة في غاية الخطورة".

ومن دون شكِّ: نحن نشهد أزمة اجتماعية-اقتصادية كبرى في شمال أفريقيا وفي الشرق الأوسط. فثلث العرب اليوم دون سنِّ الثالثة والعشرين، كما أنَّ العالم العربي يحتاج خلال العشرين سنة القادمية إلى ما لا يقل عن خمسين مليون فرصة عمل جديدة لا أحد يعرف كيف سيتم خلقها.

ومع مرور الوقت لم تُلغي الأنظمة العربية المستبدة العقد الاجتماعي وحسب. بل إنَّ النُخَب (العسكرية) الحكمة تستخدم موارد الدولة من أجل مصالحها الخاصة وتحول الدولة إلى مزارع عائلية - وتزيد بالتالي من حدّة أزمة الدولة الهشة في المنطقة.

ما الذي يتعيَّن على أوروبا فعله؟

الاتِّحاد الأوروبي لا يملك خيارًا آخر سوى العمل على تقوية ما تبقى من كيان الدولة. ولهذا السبب فإنَّ أي شكل من أشكال التعاون مع دول شمال أفريقيا والشرق الأوسط يجب أن يهدف إلى جعل مؤسِّسات الدولة والإدارات والبنى التحتية أكثر فعالية وأكثر للمواطنين وأقل فسادًا. وفي ذلك يجب حتمًا أن تتم مراعاة الالتزام بمعايير الحكم الرشيد المعروفة دوليا.

وفي المقابل فإنَّ التعاون غير المشروط مع ديكتاتوريات عربية من المفترض أنَّها "مستقرة" سيثبت أنَّه مجرَّد مغامرة في غاية الخطورة.

 

لؤي المدهون

ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: قنطرة 2017

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.