الاحتجاجات الشعبية في العراق

البصرة الشجاعة والغاضبة...البصرة المنتفضة!

البصرة الشجاعة، البصرة الغاضبة، البصرة المنتفضة ستنتصر على الحكام السيئين لا محالة، وإن طال الزمن، لأنها سنة الحياة ولأن الشعب قد أدرك الأخطاء التي ارتكبها. على أهل الجنوب والوسط تقع مسؤولية فتح أبصارهم وبصائرهم أمام الدخلاء على بلادهم، كما يرى الكاتب كاظم حبيب، مضيفاً: "فنحن نريد أن يبقى العراق للعراقيات والعراقيين وأن تكون قراراته مستقلة وغير خاضعة لأي أجنبي دخيل".

بتاريخ 30 / 09 / 2005 نشرت مقالاً بثلاث حلقات تحت عنوان "البصرة الحزينة... البصرة المستباحة!"، تطرقت فيه إلى أوضاع أهالي البصرة وعيشهم النكد تحت وطأة نظام سياسي طائفي مقيت، حيث تتحكم فيهم ميليشيات طائفية مسلحة ودولة جارة هي إيران تتدخل في مجرى الحياة اليومية لأهل البصرة وتحصي أنفاسهم وحركاتهم ليلاً ونهارا، وتخطف من تشاء وتنقله إلى إيران ليلقى نهايته في سجن إيفين (زندان اِوین) في شمال غرب طهران، كما تغتال من تشاء، وتعتقل من تشاء بغير حساب بواسطة جواسيسها وعملائها وعيونها وميليشياتها الطائفية المسلحة التي شكلتها في إيران والعراق قبل وبعد إسقاط الدكتاتورية البعثية الغاشمة.

البصرة المستباحة

وأوردت وقائع كثيرة عن دور الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية في التنسيق والتبعية الفعلية لإيران، والعواقب المترتبة عن ذلك وعليه. وكنت أتوقع أن أهل البصرة، وعموم سكان جنوب العراق، لطبيعتهم السمحة والمرحة، الذين كانوا يعانون أوضاعاً مذلة تبدأ بالبطالة الواسعة للشبيبة وتدهور الخدمات الأساسية وفقر مدقع ومطاردة من جانب قوى الأمن والأحزاب الإسلامية وميليشياتها، لا يمكنهم أن يرتضوا هذا الواقع المرير، وأن لصبرهم حدوداً.

وفي 30 / 05 / 2006 نشرتُ مقالاً تحت عنوان: "هل ما تزال البصرة حزينة.. هل ما تزال مستباحة؟"، أكدت فيه استمرار وضعها السابق، بل تفاقم الوضع. وبعد هذا كتبت الكثير من المقالات عن أوضاع الجنوب عموماً. ودوماً كنت أتوقع نهوض أهل البصرة وكل الجنوب والوسط ضد الأوضاع المزرية والرثة وضد الحكام السيئين!

البصرة المنتفضة

وفي المقابل كان الحكام في المركز وفي المحافظات الجنوبية والوسط عموما، ولاسيما في البصرة، ثغر العراق الحزين!، يوغلون بسياساتهم التي تميزت بالتمييز المفرط إزاء المواطنات والمواطنين من أتباع ديانات أو مذاهب أخرى، وبالفساد الذي كان يلتهم ما يصل إلى المحافظات من موارد مالية، إضافة إلى سرقة نفط البصرة بمختلف السبل الممكنة، وعدم الاستجابة لمطالب الناس في الحصول على العمل أو الخدمات الأساسية، ولاسيما الكهرباء والماء والنقل والصحة (وكلنا يعرف حجم الأمراض السرطانية المنتشرة في البصرة وأنواعها الجديدة)، والتعليم المتدهور وعدم تعمير المدارس المخربة أو بناء مدارس جديدة للتلاميذ والطلبة ...الخ، إضافة إلى استمرار الإرهاب والاختطاف والتغييب والقتل والاعتقال والتعذيب وابتزاز العائلات.

مما أدى إلى نزوح عائلات كثيرة من البصرة أو مدن جنوبية إلى بغداد وإقليم كردستان العراق، أو الخارج، ولاسيما أتباع الديانة المسيحية والديانة المندائية، وكذلك عائلات سنية تعرضت للمضايقة من جانب الميليشيات الطائفية الشيعية المسلحة. واليوم أكتب وأنشر مقالاً آخر عن البصرة ذاتها، عن بصرة الفيحاء، ولكن تحت عنوان أخر هو: "البصرة الشجاعة، الغاضبة ... البصرة المنتفضة!!!". 

احتجاجات قرب منشآت استراتيجية في البصرة جنوب العراق
سنوات من الإهمال: تعد البصرة ميناء العراق الوحيد وثالث أكبر مدنه بعد بغداد والموصل. تقع جنوبا على شط العرب بين إيران والكويت وتملك ثروة بترولية ضخمة. لكن البنية التحتية تعاني في مدينة البصرة العراقية بسبب سنوات من الإهمال وضعف الاستثمار، وهو ما أثار استياء واسعا، حيث يقارن السكان أحوالهم بالثروة النفطية التي تمد بها المحافظة خزائن الحكومة الاتحادية. البصرة مدينة قديمة كانت جزءا من مملكة سومر البائدة، ارتبط اسمها بتاريخ العرب والعراق وما قبلهم، ومنها انطلقت رحلات عدد كبير من الرحالة العرب الى ما عرف ببحر الظلمات. ومنها "انطلق أيضا السندباد البحري في مغامراته". احتوت البصرة على 16 مليون نخلة تمر، غير أن غالبيتها تلفت نتيجة الحروب المتعاقبة بين أعوام 1980 و2003.

حراك مدني اجتماعي شعبي

لقد أدى تراكم مفردات هذه الحالة إلى انفجارات عدة في فترات مختلفة قوبلت بالحديد والنار من جانب رئيس الوزراء السابق وأدى إلى استشهاد وجرح وتعويق الكثير من المواطنين. ولكن الانفجار المدوي في البصرة وبقية مدن جنوب العراق ووسطه وبغداد العاصمة، انطلق في أوائل الشهر السابع، شهر تموز من هذا العام (2018) بعد حراك مدني اجتماعي شعبي بدأ منذ عام 2015 في بغداد وغيرها، وهزَّ سكان المنطقة الخضراء من المسؤولين عن السلطات الثلاث.

حراك هزّ العروش الخربة المناهضة لمطالب الشعب والمعادية فعلياً لمصالحه ومستقبل أبنائهم، هزّ مقرات قادة الأحزاب الإسلامية السياسية وقادة ميليشياتها الطائفية المسلحة في مختلف مدن الوسط والجنوب. وقد امتدت تلك الأيدي الخبيثة، أيدي المليشيات الطائفية المسلحة، لتوجه نيرانها وضرباتها ضد المتظاهرين بدعوى ممارستهم العنف ووجود مندسين في صفوف المتظاهرين!!! ونسوا أنهم هم المندسون وليس غيرهم!

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.