وإذا كانت للقبيلة عشائرها وفصائلها وبطونها وأفخاذها إلى غيرها من تسميات فارغة من المضمون الاجتماعي الطبقي، فإن للمدينة طبقاتها ومؤسساتها وعلاقات إنتاجها ووسائل اتصالاتها وثقافتها وأخلاقياته.
 
وإذا كانت المدينة تفرز الأجيال المتحولة والمتغيرة التي تكون قيمها المتقاطعة ـ المتصارعة في أتون حراك اقتصاد اجتماعي تجاري ـ صناعي متحول، إنتاجا وعلاقات، فإن القبيلة تفرز مراتب اجتماعية بدوية ثابتة ومكرورة في دورة اقتصاد كفاف مكرور، يعتمد على الأرض الزراعية والمرعى، أو نشاط تجاري أولي، عليه وإليه تنبني المفاهيم والأعراف والتقاليد والعادات الدارجة وتورث الثقافة الشفوية النقلية السكونية خلفا عن سلف وتستمر طرائق العيش نفسها والأعراف الثابتة نفسها التي تنظم أحوال الحياة: الزواج والطلاق وأحكام الثأر والغزو والشرف والعار والسبي وأحكام تقسيم الغنائم والنفي عن القبيلة والتبرؤ من العاق.
 
 
وإذا كانت مقتضيات شروط العيش في اجتماع المدينة ـ الدولة تفرض بالضرورة تفكك الاجتماع القبلي المألوف، فإن ثقافة القبيلة لم تكن تقبل بسهولة التسليم بثقافة المدينة، لأن الأولى لا يمكن لها بأي حال أن تندثر لمجرد أن الاجتماع الذي أنتجها عبر القرون انتقل ذات صدفة جولوجية (النفط بواسطة الحفّار الفرنجي) إلى مدن مستحدثة.
 
والحال أنه بعد موجة الاستقلالات الوطنية، لاسيما منذ مطلع الستينيات، تحزمت المدن العربية الرئيسة بأحزمة النازحين من البوادي والأرياف، الذين شكلوا عماد الطبقة العاملة الرخيصة وأجناد الجيوش الناشئة.
 
 
لذلك وجد القادة الانقلابيون في ذلك المكون البدوي ـ الريفي، المعوز، جيبا ووعيا، خزان الجماهير التي لا ينضب معين وعيها الزائف. وهكذا كانت الثقافة القطيعية (راعيا ورعية) عماد استراتيجيات التسلط الانقلابي "الثوري" الذي جاء مرفوعا على شعارات الحرية والاشتراكية والوحدة العربية التي انتهت إلى مجرد يافطات دعائية لا مصداق له في الواقع العملي. وإذا استثنينا اجتهاد تجربة الانقلاب العسكري الناصري لتأسيس مشروع قومي عروبي نهضوي متصل بأصول النهضة العربية أنهزم فكرياً بهزيمة 5 يونيو 1967 العسكرية فإن غيره من الانقلابات العربية لم تسفر سوى عن إعادة إنتاج مفهوم التسلط (الفردي ـ العائلي ـ القبلي ـ الطائفي) بأشكال حكم متباينة شكليا من حيث الشعارات الآيديولوجية.
 
ونتوقف هنا، على سبيل المثال، عند نموذج التسلط الانقلابي على طريقة صدام حسين، الذي آل إليه حكم مجتمع آخذا في التنور حضاريا منذ عشرينيات القرن العشرين، فإذ به، وفق آليات مخابراتية جهنمية ينحو منهجية مركزة النفوذ السلطوي في صلة الرحم العائلي المباشر ثم العشيرة فالطائفة. وهي المنهجية التي التي جعلت صدام حسين، الطالع من حزب علماني ـ اشتراكي، يعمد، بعدما أزاح الرئيس البكر بالسم، إلى بعث العصبية القبلية في إدارة سلطانه وحمايته عبر الحزب الأوحد والحرس الجمهوري (جيش النخبة) والمخابرات والنفط.
اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.