الباحثون وعلماء الدين الإيرانيون في المنفى

تشكيكات فلسفية في ثوابت إسلامية شيعية

يوجد باحثون وعلماء دين إيرانيون في المنفى يشككون في مبادئ أساسية للإسلام الشيعي، وباتوا الشغل الشاغل للحوزات العلمية في إيران. ورغم ذلك فلا جدل حول مرجعيتهم العلمية. كما أنهم على اتصال وثيق من خلال شبكة الإنترنت بالحوزات العلمية الشيعية في وطنهم. ومن بين أسئلتهم، التي تعتبر بمثابة "كفر وإلحاد": هل تنزلت ألفاظ القرآن الكريم وحياً وكلاماً من الله على النبي أم أن النبي صاغها بوحي من الله؟ علي صدرزاده يسلط الضوء في مقاله التالي على الباحثين وعلماء الدين الإيرانيين في المنفى.

"مملكة من دون ملكوت" هو عنوان مقال مكتوب بشكل مُدوَّنة حول التاريخ الديني وموجَّه إلى جمهور متخصِّص. ولا يعرف القارئ إلاَّ في منتصف النص أين تقع هذه المملكة المعنية ولماذا ضاعت منها السماء. هنا يتحدَّث الكاتب حول لقاء شخصي: فقبل فترة قصيرة زاره عالم دين من مدينة قُمّ الإيرانية المُقدَّسة، وقد ذكر له أنَّ العديدين من رجال الدين في قُمّ أيضًا باتوا يعتقدون الآن أنَّ القرآن هو رؤيا رآها النبي في منامه ورواها.

"هل جاء الآن دور الفقهاء وعلماء الدين أيضًا؟ سألتُ زائري بسخط وأردت أن أعرف منه كيف يعلِّلون ذلك. وبدوره أجاب بكلِّ بساطة: من المعروف أنَّ رؤية أو سماع ما لا يستطيع إحساسه الآخرون يعتبر مرضًا. فإذا ادَّعى شخصٌ ما أنَّه يسمع أو يرى في حالة اليقظة شيئًا لا يمكن للآخرين سماعه، فسنرسله على الأرجح إلى طبيب نفسي. وإذا افترضنا أنَّ النبي محمد - عليه الصلاة والسلام - كان يسمع في حالة اليقظة آيات القرآن الكريم بينما لم يمكن بوسع الآخرين سماعها، فعندئذ تكون لدينا - والعياذ بالله - حالة هلوسة. وبالتالي سيكون النبي مصابًا بمرض عقلي - فما هو نوع الفقهاء وعلماء الدين الذين تتبادر لهم مثل هذه الأفكار المُغفَّلة".

وبعد هذه الحلقة يعود الكاتب إلى الموضوع الأساسي في مقاله، وهو فيلسوف من القرن الثالث عشر. ومن الممكن قراءة هذا المقال على الموقع radiozamaneh.

الوضع مثل نار مشتعلة

وهذا الكاتب الذي يتحدَّث هنا حول لقائه المثير للقلق اسمه نصر الله بورجوادي وهو معروف لدى جميع الفقهاء وعلماء الدين والكتَّاب والناشطين السياسيين في إيران. وهذا الكاتب البالغ من العمر أربعة وسبعين عامًا هو فيلسوف درس في الولايات المتَّحدة الأمريكية وكذلك مؤلِّف لعشرات الكتب حول تاريخ الدين والفلسفة. ونصر الله بورجوادي له لغته وأسلوبه الكتابي الخاصين، وذلك لأنَّه شاعر أيضًا.

وفي الأيَّام الأولى من الثورة الإسلامية في إيران كان يجلس في تلك اللجنة، التي تم تشكيلها بناءً على طلب من مرشد الثورة الإسلامية آية الله روح الله الخميني من أجل تطهير الجامعات من "العناصر غير الإسلامية". وفي وقت لاحق أصبح نصر الله بورجوادي يدير مؤسَّسة تشرف على منشورات الجامعة. وقد أصدرت المؤسسة ما يقرب من نحو ألفي كتاب للجامعات.

بيد أنَّ تلك الأيَّام قد انتهت منذ وقت طويل. فقبل عشرة أعوام تم فصل نصر الله بورجوادي من منصبه، وأُحيل على التقاعد المُبكِّر. ولكنه لا يزال يُبدي رأيه، وخاصة عندما يشتعل الوضع. وحاليًا بات الوضع مثل النار المشتعلة. ونصُّ نصر الله بورجوادي، الذي صدر قبل شهر واحد فقط (من كتابة هذا المقال)، يتناول ذلك الفتيل الذي تم إشعاله قبل ثلاثة أعوام، ومنذ ذلك الحين لا يريد أن ينطفئ. بل على العكس من ذلك: فهذه النار قد وصلت -مثلما يقول الكاتب- منذ فترة طويلة حتى إلى قلب الحوزات العلمية الشيعية في مدينة قُمّ المُقدَّسة.

آية الله العظمى مكارم شيرازي في قُم الإيرانية. Foto: IRNA
هل يعتبر محمد مجرَّد حالمٍ والقرآن مجرَّد رؤيا رآها في منامه ورواها؟ لقد تحوَّلت فكرة رؤيا النبي إلى كابوس بالنسبة للفقهاء وعلماء الدين الشيعة. فمنذ ثلاثة أعوام نشأت معها ضجة لا تريد أن تهدأ. ولا أحد يستطيع تجاهلها، سواء فيلسوف أو رجل دين أو فقيه. فعلى سبيل المثال، لقد اضطر آية الله العظمى مكارم شيرازي، وهو رجل الدين الأكثر تأثيرًا في إيران، حتى إلى أن يكتب تقريرًا مفصَّلًا حول هذه الأطروحة "المُرتَدة والمعادية".

مسلمون قلقون

كيف وصل محمد إلى القرآن: هل كان ذلك في الحلم والرؤيا أم من خلال الوحي الإلهي في حالة اليقظة؟ وهل هذا الكتاب المُقدَّس هو كلام الله - مثلما يعتقد المسلمون في جميع أنحاء العالم، أم هو رؤيا رآها محمد في منامه ورواها؟ هذه أسئلة أساسية يجب على المسلم البسيط أيضًا أن يُفكِّر بها بجدية، وذلك لأنَّ لها علاقة بأسس العقيدة. فبالنسبة للمؤمنين يعتبر القرآن ويبقى "کلام الله"، الذي تم إنزاله باللغة العربية بواسطة الملاك جبريل وتلقاه النبي محمد وهو في حالة اليقظة. ولا يوجد أي شكّ في ذلك بالنسبة للمسلمين.

ومع ذلك: فإنَّ السؤال حول الحلم أو الوحي يمثِّل موضوعًا تناوله حتى موقع قناة بي بي سي الفارسية في الصيف الماضي 2016 وبإسهاب في حلقتي نقاش طويلتين. وقناة بي بي سي الفارسية يشاهدها بانتظام سبعون في المائة من الإيرانيين، مثلما اعترف بذلك قبل عام نصرت الله ضرغامي، وهو الرئيس السابق للإذاعة الحكومية الإيرانية. وعلى موقع هيئة الإذاعة البريطانية الإلكتروني من الممكن حاليًا قراءة عشرات المشاركات حول هذا الموضوع.

أوَّلاً الرسول ثم الرسالة

هل يعتبر محمد مجرَّد حالمٍ والقرآن مجرَّد رؤيا رآها في منامه ورواها؟ وإذا تجرَّأ ملحدٌ أو شخص لاأدري أو مستشرق غربي أو أحد المسلمين السَّابقين على نشر مثل هذا الادِّعاء الفظيع في العالم، فإنَّ رجال الدين الشيعة يتجاهلونه ببساطة أو يَطَّلعون عليه من دون مبالاة. وعلى أية حال فإن رجال الدين لا يتوقَّعون من مثل هؤلاء المعارضين شيئًا آخر، وإذا أرادوا تفنيد كلِّ ما يُكتب حاليًا في جميع أنحاء العالم ومن دون انقطاع ضدَّ الإسلام، فعندئذ سيحتاجون إلى جيش من الفقهاء وعلماء الدين والكتَّاب.

غير أنَّ هذه الأطروحة تأتي من طرف لا يمكن تجاهله. ولهذا السبب فإنَّ فكرة رؤيا النبي قد تحوَّلت إلى كابوس بالنسبة للفقهاء وعلماء الدين الشيعة. فمنذ ثلاثة أعوام نشأت معها ضجةٌ لا تريد أن تهدأ. ولا أحد يستطيع تجاهلها، سواء فيلسوف أو رجل دين أو فقيه. على سبيل المثال لقد اضطر آية الله العظمى مكارم شيرازي، وهو رجل الدين الأكثر تأثيرًا في إيران، حتى إلى أن يكتب تقريرًا مفصَّلًا حول هذه الأطروحة "المُرتَدة والمعادية".

وعلى الرغم من ذلك فإنَّ هذا النقاش لا ينتهي. ففي كلِّ يوم يرى أحدٌ ما أنَّه مطالبٌ بأن يقدِّم شيئًا بحجج جديدة، سواء كان ذلك مع أو ضدَّ هذه الأطروحة. وإذا بحث المرء في موقع غوغل عن الكلمتين "رویای رسولانه" (الحلم النبوي)، فيمكنه أن يتوقَّع ما هو حجم الضجة والقلق المنتشرين بصورة خاصة بين رجال الدين الشيعة في إيران.

ولكن لماذا لا يزال هذا الجدل يدور منذ ثلاثة أعوام مثل دوَّامة تأخذ دائمًا انعطافات جديدة؟ والجواب هو: لأنَّ صاحب الأطروحة التي يقوم عليها هذا الجدل اسمه عبد الكريم سروش - ومؤسَّسة. فبالنسبة للفقيه أو لعالم الدين الشيعي يُعْتَبر الشخصُ دائمًا أكثر أهمية من الموضوع. وقبل أن يتَّجه المرء إلى محتويات أية مُسَلَّمة، يجب عليه أن يسأل مَنْ الذي وضعها. ولذلك فإنَّ "علم الرجال" يُعَدُّ إلزاميًا بالنسبة لكلِّ رجل دين: أوَّلاً الرسول ثم الرسالة.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : تشكيكات فلسفية في ثوابت إسلامية شيعية

مقال مهم يكشف عن حقائق ساطعة، لكن ونحن في عصر الطائفية والتمذهب، لابد من موازنته بالرأي الاخر، رأي يتحدث عن خرافات الوهابية والسلفية وفتوى ارضاع الكبير، وزواج المسفار والمسيار، وجهاد المناكحة الذي شاع في سوريا الجهاديين. .(المثيل لزواج المتعة الشيعي).
المقال فيه جوانب مضيئة جدا ويقدم للقارئ صورة عن الوضع الإيراني كما هو ، لا كما يعرضه الاعلام الغربي الجاهل. عبارته" ومعظم هؤلاء المنفيين الفريدين كانوا في إيران رجال دين مُعَمَّمين. واليوم باتوا يصفون أنفسهم بأنَّهم "مفكِّرون جدد" أو مصلحون، كما أنَّهم قد خلعوا عمائم الملالي التقليدية منذ فترة طويلة. ولكن على الرغم من ذلك فمن الممكن لكلٍّ منهم أن يصبح بحسب التعريف السائد آيةَ الله العظمى، أي ما يعرف في إيران باسم "مرجع التقليد" الديني. ومن المؤكَّد كذلك أنَّهم يمتلكون المعرفة الضرورية من أجل ذلك." معبّرة جدا عن الانشقاقات المستمرة في الدولة العميقة بإيران.

علي بابير15.01.2017 | 14:47 Uhr

الجواب على هذا السؤال بسيط جدا...
فقط انظر الى افتتاحيات بعض السور كقوله ...الم...او... ن.. او ...كهيعص...الخ....فاي معنى محتمل دفعه صلى الله عليه واله لاختيار هذه الحروف التي من الواضح انها لا معنى متداول لها!!!
بل ان هذه الحروف بحد ذاتها مخاطرة في رسالته لانها مما لا يتعقل اصلا...الا ان كان صلى الله عليه واله ناقل حرفي لما يلقى اليه...مودتي للجميع وبلا اي استثناء.

عباس محمد22.02.2017 | 19:18 Uhr

لنفترض اانا في مكان محمد ص واله ...واننا اناس مدعين...اليس من المنطق حينها ان نتجنب بعض العبارات القرانية؟ مثلا الاحرف المقطعة في مطلع بعض السور...مثلا هجومه على عمه ابو لهب بالاسم في بيئة قبلية بحته وقد نحتاج له فيما بعد...التملق لبعض قادات الراي في قريش ...استخدام لهجة ارق مع الناس حال دعوتهم وبعكس ما نراه في القران...كقوله...من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر...كذلك تجنب تحريم بعض الاشياء...فما علاقتنا مثلا بالخمر لنؤلب المدمنين عليها في المجتمع ضدنا؟ ما علاقتنا بتحريم الميسر مثلا. الخ

عباس محمد22.02.2017 | 19:32 Uhr

لنفترض اننا في مكان محمد ص واله ...واننا اناس مدعين...اليس من المنطق حينها ان نتجنب بعض العبارات القرانية؟ مثلا الاحرف المقطعة في مطلع بعض السور...مثلا هجومه على عمه ابو لهب بالاسم في بيئة قبلية بحته وقد نحتاج له فيما بعد...التملق لبعض قادات الراي في قريش ...استخدام لهجة ارق مع الناس حال دعوتهم وبعكس ما نراه في القران...كقوله...من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر...كذلك تجنب تحريم بعض الاشياء...فما علاقتنا مثلا بالخمر لنؤلب المدمنين عليها في المجتمع ضدنا؟ ما علاقتنا بتحريم الميسر مثلا. الخ

عباس محمد22.02.2017 | 20:30 Uhr

من المستغرب ان يشار الى امثال هذه المباحث بعناوين تشير لمذهب بعينه...وهو هنا المذهب الشيعي...فهذه المباحث تتعلق بكافة المسلمين سنة وشيعه ومحمد صلى الله عليه واله رسول المسلمين جميعا...لا الشيعة فقط...بل لو تجردتم لرايتم انه رسول للانسانية...وليس للمسلمين فحسب...كما اود الاشارة الى ان اخر من يحتاج الى العنف لاثبات متبنياته هو المذهب الشيعي..فالفلسفة والمنطق وعقائد المختلفين معنا ابتداءا من الملحدين هي من اوائل ما يدرس في الحوزات العلميه...في مرحلة المقدمات...ومنها ينطلق لتاسيس الفكر العقدي الشيعي...فلا خير في ايمان لم يبتني على اسس عقلية صلبه....الحوار نقطة القوة لدينا...بل لا بديل لنا عنها اصلا....

عباس محمد24.02.2017 | 20:05 Uhr