الباحث الفرنسي المرموق أوليفييه روا

الحركات الجهادية العنيفة ولدت من العولمة... وليس من الإسلام السياسي

الباحث الفرنسي المرموق أوليفييه روا: على رغم أن الإسلام ينسب «القاعدة» و «داعش» إلى الإسلام السياسي أو الإسلاموية، إلّا أنهما ليسا من نسل «الإخوان المسلمين» ولا من ذريتهم. والاستثناء الوحيد هو جماعة صغيرة من المصريين لحقت ببن لادن إلى أفغانستان في أواخر ثمانينات القرن الماضي بعد أن صرمت علاقتها بالجمعية.

ما هو موضوع كتابي، "إخفاق الإسلام السياسي"، الصادر قبل 25 سنة؟ الإسلاميون الذين أسسوا حركاتهم السياسية منذ ثلاثينات القرن الماضي بمصر ( أي جمعية «الإخوان المسلمين» التي أنشأها حسن البنا)، والهند («جماعتي إسلامي» الأم المولودة عن يدي أبو الأعلى المودودي)، وبعد ذلك في العالم الشيعي الاثني عشري حول محمد باقر الصدر بالعراق وروح الله الخميني بإيران، وأخيراً بتركيا مع نجم الدين أربكان.

وباستثناء الشيعة، لم تكن الأوساط الأصولية التقليدية هي مصدر المؤسسين. فهؤلاء يتحدرون من منابت اجتماعية حديثة (المدرسين والمهندسين والصحافيين)، ويرون في الإسلام أيديولوجية سياسية تحضن مجتمعَ دولة معاصراً. ويقرون بتعقيد الفروق الاجتماعية، ويخاطبون فئات وجماعات متمايزة مثل الشباب والطلاب والنساء والمثقفين. وتظهر حداثتهم في مرآة مصطلح مترجم ومستحدث: «أيديولوجي (زي)» بالفارسية، أو «مفكورة» نظير «رؤيا العالم»، و «حاكمية» أو «سيادة» و «ثورة» في العربية... وهم يحملون الشريعة على جزء من أجزاء الدولة الإسلامية. وقد يحلمون بالخلافة، إلا أن الدولة – الأمة الحديثة هي إطار عملهم المباشر.

فلا صحة للقول، بهذه الحال، أنهم يُحشرون حشراً في أبواب علم السياسة الغربي الذي لا يناسب عالم معانيهم وتصوراتهم. فالإسلاميون يبتكرون أشكال التنظيم والتعبئة الاجتماعية الجديدة (الحزب السياسي والمركزية والنشاطية) أو يستعيرونها ويقتبسونها. وهم مدركون حداثتهم وتجديدهم، ويقولون أنه لم يكن ثمة دولة إسلامية ناجزة قبل مباشرتهم خططهم، ولا يستثنون إلا حكومة المدينة في عهد الرسول. ولكنهم ينتسبون، من ناحية أخرى، إلى تقاليد دعوية وإحيائية لم تنقطع. فيرعى «الإخوان المسلمون» نسكاً فردياً في إطار تدين صوفي.

تيار إحيائي ديني

وهذه الحركات تنخرط من غير شك في تيار إحيائي ديني هو سمة من سمات النصف الثاني من القرن العشرين، لكن نهجها السياسي هو علامتها الفارقة والخاصة. وبناء على هذا، ليس الإسلام السياسي من بنات أفكار باحثين غربيين ولا من ابتداعهم. والدليل على هذا أن بعض الحركات التي تحفظت عن استعمال العبارة في ثمانينات القرن العشرين، شأن حركة «النهضة» التونسية، عادت اليوم إلى تبنيها وتعريف نفسها بها.

يعرِّف روا الحركات الإسلاموية بأنها "فصائل الملتزمين الناشطين الذين يرون في الإسلام أيدويولوجية سياسية بقدر ما يرون فيه دينًا"، ويصفها أنها "تلك الحركات التي حملت لواء الاحتجاج ضد الغرب، وناهضت الأنظمة القائمة في الشرق الأوسط".
يعرِّف روا الحركات الإسلاموية بأنها "فصائل الملتزمين الناشطين الذين يرون في الإسلام أيدويولوجية سياسية بقدر ما يرون فيه دينًا"، ويصفها أنها "تلك الحركات التي حملت لواء الاحتجاج ضد الغرب، وناهضت الأنظمة القائمة في الشرق الأوسط".

وليس انتساب حركات الإسلام السياسي إلى الإسلام ظرفياً. فهي كلها تجمع بين العمل السياسي، أو "السياسة" وبين التوجه الديني أو «الدعوة»، وتشترط على أعضائها التزام الفرائض والإيمان، واعتقادها بمرجعية الكتاب والشريعة يحملها على تحديث تناولهما السياسي: «القرآن هو دستورنا»، و «لا قانون غير الشريعة»، و «دولة إسلامية» و «الديموقراطية هي الشورى»، هي شعاراتهم المعروفة.

وتنشأ عن هذا الجمع بين المرجعية الدينية وبين تأويلها وتحديثها السياسيين، منازعات وتجاذبات هي موضوع الكتاب («إخفاق الإسلام السياسي»). ولا يصح القول أن مرجعية الإسلام تقتصر على مسألة الهوية، أو على طريقة في القول وفي صوغ المطاليب زمنية خالصة وتعني مناهضة الكولونيالية، والعدالة الاجتماعية، والكرامة، في نهاية المطاف: فعلاقة «السياسة» بـ «الدعوة» هي بمنزلة القلب من فكر الحركات الإسلامية. ويؤدي التناقض بين الأمرين إلى انفجار الإسلاموية. وعلى نحو ما توقعت في كتابي، ولدت أزمة الإسلاموية نمو حركات سميتها «أصولية جديدة»، ويسميها بعضهم «سلفية (مقاتلة)»، وبعضهم الآخر يسميها «إسلاموية» من غير تدقيق أو تمحيص، بعد أن دلت اللفظة في الإعلام على الغلو والتطرف.

وما تؤدي إليه الملاحظة طوال الـ25 سنة الماضية، يؤيد موضوعة الكتاب وفكرته المركزية: أي أن الحركات الإسلامية التي انخرطت في العمل السياسي انتهى بها الأمر إلى قبول الصيغة الزمنية، شأن «النهضة» التونسية وحزب «العدالة والتنمية» التركي، والصيغة الوطنية (أو القومية). وهذا ما سميته الإسلاميةالوطنية التي تمثل عليها «حماس» خير تمثيل. وثمة صنفان من هذه الصيغة: صنف أول يقود إلى الديموقراطية، على شاكلة تونس وتركيا، وصنف آخر يقود إلى الديكتاتورية، على شاكلة إيران. وينجم عن الصنف الثاني ظهور حيز غلو ديني يخرج من الدائرة السياسية الوطنية، وهو يدعو إما إلى انتهاج مثال حياة وليس إلى إنشاء نظام سياسي (وهو حال الحركات السلفية التي أسميها في الكتاب أصولية جديدة)، وإما إلى الجهاد العالمي الذي يعلو المجتمعات الفعلية والدول - الأمم. وهذا النهج أمسى الشكل الحاد الذي يتصور فيه عنف الغلاة الإسلاميين اليوم على رؤوس الأشهاد.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.