التحقيق حول حرب غزة وإسرائيل في صيف 2014

هل ستتم محاسبة المسؤولين عن جرائم مقتل المدنيين في حرب غزة؟

2205 فلسطينيين قتلوا خلال حرب الـ 52 يوما، بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية بقيادة حركة حماس في غزة، 70% منهم مدنيون، بما في ذلك 521 طفلاً و 238 امرأة. لكن الأرقام وحدها لا تروي الحكاية بأكملها. المنظمات الدولية وغير الحكومية تحقق في الأحداث التي وقعت في صيف 2014. يلينيا غوستولي تستعرض لموقع قنطرة تلك التحقيقات وردود فعل كلا الطرفين عليها.

بعد أن مرت عدة شهور على وقف إطلاق النار الذي شكّل نقطة انتهاء الأعمال العدائية بين إسرائيل وحركة حماس، ما تزال الأنقاض تغطي غزة. وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية  (OCHA)، فإن 2205 فلسطينيين قتلوا خلال الحرب التي دامت 52 يوماً، ما يقرب من 70 في المائة منهم مدنيون، بما في ذلك 521 طفلاً و 238 امرأة. كما قتل 71 إسرائيلياً، بينهم 66 جنديا. لكن الأرقام وحدها لا تروي الحكاية بأكملها، كما أنها لن تحدد نتيجة أي سعي من أجل المحاسبة.

بعد توقيع الرئيس الفلسطيني محمود عباس لمعاهدات روما في نهاية العام الماضي 2014، حصلت فلسطين على العضوية الكاملة في محكمة الجنايات الدولية في الأول من أبريل 2015، ما يمهد الطريق أمامها للنظر في تقديم لائحة اتهام بارتكاب جرائم حرب خلال الحرب الأخيرة في قطاع غزة والضفة الغربية.

وفي يناير من العام الحالي 2015، أطلق المدعي العام في محكمة الجنايات الدولية تحقيقاً أولياً في الأحداث التي جرت بغزة، وأنيطت به مهمة التحقيق في سلوك كل من إسرائيل وحركة حماس. الحكومة الإسرائيلية قيّدت وبشدة حرية الوصول إلى قطاع غزة للخبراء والمحققين المستقلين والخارجيين. وأثناء الحرب، رفضت إسرائيل منح منظمتي حقوق إنسان دوليتين، هما آمنستي وهيومن رايتس ووتش، تصريحاً لدخول القطاع. وفي ما بعد، تم منع وفد من مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان من الدخول بحجة وجود تعارض في المصالح لدى رئيس الوفد، الأمر الذي أدى إلى استقالته.

سيارة إسعاف في غزة تعرضت للهجوم أثناء هجمات الجيش الإسرائيلي. (photo: DW/S. al Farra)
سيارة إسعاف في غزة تعرضت للهجوم أثناء هجمات الجيش الإسرائيلي. بحسب تقرير لمنظمة "أطباء من أجل حقوق الإنسان" في إسرائيل، فإن "الضربة المزدوجة"، أو هجمات متعددة ومتعاقبة، تسببت في إصابات في صفوف المسعفين والطواقم الطبية، بالإضافة إلى الأشخاص الذي كانوا يفرون من بيوتهم.

وربما يكون فرع المنظمة الدولية "أطباء من أجل حقوق الإنسان" في إسرائيل المنظمة الوحيدة التي تمكنت من إرسال خبراء دوليين إلى غزة أثناء الحرب وبعد انتهائها بفترة وجيزة، إذ تم تكليف هؤلاء الخبراء بـ"التحقيق في آثار الأحداث على الصحة وحقوق الإنسان في غزة". وفي هذا الصدد، أجرى فريق من ثمانية خبراء طبيين دوليين، من بينهم أربعة متخصصون في الطب الجنائي، مقابلات وراجعوا أدلة على مدى ثلاث زيارات إلى قطاع غزة بين التاسع عشر من أغسطس والثاني عشر من نوفمبر 2014. لقد تم تسهيل وصولهم من خلال منظمات محلية غير حكومية، مثل مركز الميزان لحقوق الإنسان وبرنامج غزة للصحة النفسية والمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان في غزة.

"الضربة المزدوجة" ضد فرق الإنقاذ

ويكشف تقرير هؤلاء الخبراء، الذي هدف إلى تحليل أنماط الإصابات وطبيعة الهجمات، عن "صورة ثابتة لأشخاص جرحوا وقتلوا أثناء مكوثهم في منازلهم أو بالقرب منها". كما راجع أخصائيو الطب الجنائي 370 صورة رقمية من أرشيف مستشفى الشفاء في مدينة غزة وأجروا مقابلات مع 68 مصاباً، وتوصلوا إلى خلاصة مفادها أن غالبية الإصابات نجمت عن انفجارات أو سحق. لكن إحدى أهم نتائج التقرير هي أن استراتيجية "الضربة المزدوجة" أو الهجمات المتعددة (ضربتان أو أكثر بالتتابع على نفس المكان) أدت إلى زيادة عدد الإصابات بين فرق الإنقاذ والطواقم الطبية، إضافة إلى الذين كانوا يفرون من منازلهم.

أحد المسعفين الذين أجريت معهم مقابلات، وهو أكرم العاوور، اقتبس في التقرير وهو يقول: "حرب عام 2014 كانت الأصعب من بين ثلاث حروب مررت بها ضمن عملي كمسعف في جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني. لقد كان هناك عبء هائل من الإصابات، بالإضافة إلى استهداف المسعفين وسيارات الإسعاف. الضربة الأولى تبعتها ضربة ثانية عندما كان الناس يتجمعون لمساعدة ضحايا الضربة الأولى".

وفي إحدى حالات الدراسة، يعود أحد المسعفين بذاكرته إلى حادثة تعرضه لإطلاق نار مباشر أثناء قيام فريقه بإجلاء الجرحى بعد هجوم خلف عدداً كبيراً من الإصابات في حي الشجاعية، شرقي مدينة غزة، يوم العشرين من يوليو 2014، ما أدى إلى مقتل أحد المسعفين. ويمكن التأكد من هذه الحادثة بمقارنتها مع التقارير الإعلامية وشهادات العيان الأخرى في نفس اليوم.

صاروخ M75 تم إطلاقه من غزة على يد مسلحي كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، في العاشر من يوليو 2014. (photo: picture-alliance/dpa)
اعتبر جيش الدفاع الإسرائيلي تقرير منظمة "أطباء من أجل حقوق الإنسان" في إسرائيل "مبنياً على بيانات أحادية الجانب ومغلوطة من مصادر متحيزة". ويضيف الجيش أن "حماس استخدمت بشكل ممنهج ومتعمد مرافق مدنية، مثل المنشآت الطبية وسيارات الإسعاف وبنى تحتية مدنية أخرى، لتنفيذ نطاق واسع من عملياتها العسكرية". في الصورة: صاروخ M75 تم إطلاقه من غزة على يد مسلحي كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، في العاشر من يوليو 2014.

وبحسب تقييم للآثار أجرته منظمة الصحة العالمية، فإن 23 عاملاً في القطاع الصحي قتلوا كنتيجة مباشرة للصراع، من بينهم 16 قتلوا أثناء تأدية واجبهم. كما أصيب 83 آخرون. هذا وتم تدمير أو التسبب بأضرار لـ17 مستشفى و56 مركزاً للرعاية الصحية الأولية أثناء الحرب.

من جانبه، انتقد الجيش الإسرائيلي التقرير لكونه "مبنياً على بيانات أحادية الجانب ومغلوطة ومن مصادر متحيزة". وفي تصريح له، قال ناطق باسم جيش الدفاع الإسرائيلي إن التقرير "يبدو وأنه يهمل السياق الأكبر للقتال العنيف الذي دار على الأرض طوال العملية"، والذي قامت خلاله "حركة حماس بشكل منهجي ومتعمد باستخدام مواقع مدنية، مثل المنشآت الطبية وسيارات الإسعاف وبنى تحتية مدنية أخرى من أجل القيام بنطاق واسع من عملياتها العسكرية".

 ما الذي يشكل هدفاً عسكرياً مشروعاً؟

يخلص تقرير منظمة "أطباء من أجل حقوق الإنسان" إلى أن "الهجمات اتسمت بقصف عنيف لا يمكن التنبؤ به للأحياء السكنية، بأسلوب فشل في التفريق بين الأهداف المشروعة والتجمعات البشرية التي ينبغي حمايتها"، وأن تلك الهجمات "لم تكن على الأغلب قرارات فردية اتخذها الجنود أو القادة. لا بد وأنها خضعت للموافقة من قبل أعلى مستويات صناعة القرار في المؤسسة العسكرية أو الحكومة الإسرائيليتين".

 من جهته، قام فرع الشرطة العسكرية في الجيش الإسرائيلي بإطلاق تحقيقات في بعض الحوادث، بقيادة المدعي العسكري العام. ولكن حتى لو وضعنا جانباً صراع المصالح القائم مسبقاً وعدم الكفاءة التي يتمتع بها هذا النظام، فإن أي تحقيق تقوم به الشرطة العسكرية لا يتمتع بالصلاحية اللازمة للنظر في هذه المستويات، لأنه يختص بالنظر في سلوك الجنود.

وتقول ساريت ميخائيلي من منظمة "بتسيلم" الحقوقية الإسرائيلية: "للأسف، لا توجد حالياً أية آلية إسرائيلية يمكنها النظر في المسألة الكامنة في قلب هذه القضية". وكانت "بتسيلم" قد نشرت تقريراً في يناير مبني على التحقيق في 70 حادثة منفصلة، قتل في كل منها على الأقل ثلاثة أشخاص داخل منازلهم بضربة واحدة.

وتضيف ميخائيلي: "ما نتحدث عنه ليس خطأ غير مقصود أو تبعات قرار خاطئ لجندي، بل إنها نتيجة لسياسة رسمية تعتبر هذه المنازل أهدافاً عسكرية مشروعة".

إسرائيليون يحتمون بالقرب من سياراتهم بعد انطلاق صافرات الإنذار بمدينة تل أبيب في التاسع من يوليو 2014. (photo: picture-alliance//Landov)
إسرائيليون يحتمون بالقرب من سياراتهم بعد انطلاق صافرات الإنذار بمدينة تل أبيب في التاسع من يوليو 2014. وبحسب ما تكتب إيلينيا غوستولي، فإن عدداً قليلاً من الخبراء مستعد للتعليق على ما تقوم به لجنة محكمة الجنايات الدولية. ولكن من الواضح أن القضية ضد حماس "قد تكون أكثر سهولة بسبب استهدافها المتعمد للبنى التحتية المدنية".

 ما هي جريمة الحرب؟

بحسب القانون الإنساني الدولي، فإن قتل المدنيين وحده لا يؤدي بالضرورة إلى الاتهام بارتكاب جرائم حرب. الفقرة الثانية (ب)(IV) من المادة الثامنة للقانون تعرف جريمة الحرب على أنها

"المهاجمة عمداً مع معرفة مسبقة بأن هذا الهجوم سيتسبب في خسائر بالأرواح أو إصابة مدنيين أو الإضرار بمرافق مدنية أو التسبب بضرر على نطاق واسع وطويل الأمد وشديد للبيئة، بشكل يكون زائداً عن الحد بالنظر إلى النتائج العسكرية المباشرة والإجمالية المتوقعة".

المشكلة، كما تراها ميخائيلي، تكمن في أنه، ومن أجل إثبات ما إذا كان هجوم ما متناسباً مع المكاسب العسكرية المتوقعة له، يجب "معرفة الهدف الحقيقي للعملية العسكرية ونوع الهدف، والجيش الإسرائيلي ليس مستعداً لتوفير أية معلومات".

 قلة من الخبراء مستعدة للتعليق على العمل الذي تجريه لجنة محكمة الجنايات الدولية. ولكن، يبدو من الواضح أن القضية التي ستُرفع على قادة حركة حماس أكثر مباشرة وذلك لاستهدافهم المتعمد للبنى التحتية المدنية. كما أن هناك قضية المصداقية والتحيّز، بحسب ما تقول ميخائيلي: "إن الهدف من وراء هذه التحقيقات هي أنها لا يجب أن تكون حيادية، وإنما يجب أن تبدو أيضاً كذلك".

 

 

يلينيا غوستولي

ترجمة: ياسر أبو معيلق

حقوق النشر: قنطرة 2015  ar.qantara.de

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.