التدرب على المساواة بين الجنسين في المنطقة العربية

تمكين النساء من تحقيق إمكاناتهن لمصلحة الجميع

لا شك في أن تحقيق المساواة بين الجنسين في الشرق الأوسط عملية طويلة الأمد، وتتطلب إصلاحات تعليمية واجتماعية واقتصادية جوهرية. لكن العالم يتغير بسرعة وأصبح الناس أكثر وعيا، لأسباب عديدة، ومنها: مبادرة تدريبية شاركت فيها 230 ألف امرأة في أكثر من 40 دولة. منهن 700 امرأة في سلطنة عُمان في غضون أربع سنوات، كما ترينا العُمانية أريب علي المنذري.

على مدار قرون من الزمن، اضطرت النساء في مختلف أنحاء العالم إلى النضال لنيل حتى أبسط الحقوق الأساسية. وكان الكفاح من أجل المساواة شاقا عسيرا، ولم يقترب هذا النضال من نهايته بعد. هذه هي الحال في الشرق الأوسط بكل تأكيد، حيث تمتد جذور التحديات التي تواجه النساء هناك عادة إلى الأعراف الاجتماعية، والأنظمة الثقافية، والعقائد الدينية، بل وربما تكون مكفولة بالقانون.

العالم يتغير بسرعة وأصبح الناس أكثر وعيا

في بعض بلدان الشرق الأوسط، لا يُسمَح للمرأة بالسفر، أو العمل، أو التسجيل للاقتراع دون الحصول على إذن من رجل من أسرتها. وحتى لو لم يكن ذلك محظورا، فإن انضمام المرأة إلى قوة العمل أمر بالغ الصعوبة عادة، وخاصة بفِعل المقاومة الواسعة الانتشار بين الرجال الذين يهيمنون على هذه المجتمعات. وأي امرأة سعت إلى التقدم بطلب للحصول على وظيفة تعرف تمام المعرفة كيف قد تكون هذه المعارضة شديدة.

وكانت نتيجة هذه القواعد والهياكل إخضاع النساء في الشرق الأوسط غالبا للتمييز، والعزلة، والإحباط. فهن غير قادرات على المشاركة بحرية في مجتمعاتهن أو المساهمة في التنمية الاقتصادية لبلدانهن.

لكن العالم يتغير بسرعة. وفي وقت يتسم بالترابط المتزايد العمق، أصبح الناس أكثر وعيا من أي وقت مضى بما هو ممكن، وأكثر حماسا من أي وقت مضى في ملاحقة الإصلاحات ــالتعليمية أو الاقتصادية أو السياسيةــ الكفيلة بتحسين حياتهم. أي الإصلاحات مطلوبة إذن لتعزيز المساواة بين الجنسين؟

فتيات في تونس يتظاهرن من أجل حماية المساواة بين الجنسين تحت شعار "لا تمس حقوقي!" – تونس عام 2012.
ترى العُمانية أريب علي المنذري أنه من أجل تعزيز المساواة بين الجنسين لابد أن يكون مجال التركيز الرئيسي التعليم، فمن الأهمية بمكان أن نغرس في الفتيات والفتيان فهما واضحا للحاجة إلى المساواة الاجتماعية والاقتصادية. ويتطلب ذلك أيضاً إدخال تغييرات على السياسات والقواعد التنظيمية، فإلى جانب ضمان الحقوق المتساوية بموجب القانون، ينبغي للدول أن تعمل على تعزيز تمثيل المرأة في السياسة والحكم.

لابد أن يكون مجال التركيز الرئيسي التعليم. فأولا وقبل كل شيء، تعطي المدارس الفتيات المعرفة التي يحتجن إليها لتحقيق إمكاناتهن في المستقبل. ولكن من الأهمية بمكان أيضا أن نغرس في الفتيات والفتيان فهما واضحا للحاجة إلى المساواة الاجتماعية والاقتصادية، بما يعكس المساواة الأساسية في الفرصة التي يستحقها الجميع.

كما يتطلب تعزيز المساواة بين الجنسين إدخال تغييرات على السياسات والقواعد التنظيمية. فإلى جانب ضمان الحقوق المتساوية بموجب القانون، ينبغي للدول أن تعمل على تعزيز تمثيل المرأة في السياسة والحكم. وينبغي للنساء أن يعلمن أنهن قادرات على الوصول إلى مواقع السلطة الحقيقية، حتى في المجالات التي كن مستبعدات فيها تاريخيا ــ وهن في احتياج إلى التشجيع لبلوغ هذه الغاية.

ويصدق نفس الشيء عندما يتعلق الأمر بالاقتصاد. فالنساء يحتجن إلى الفرص والدعم لتنمية وإدارة أعمالهن، والإبداع، واكتساب الاستقلال المالي. ولن تعود الفوائد الناجمة عن هذا على النساء فحسب، بل وأيضا على أسرهن، ومجتمعاتهن، والاقتصاد ككل. وحتى النساء اللاتي لا يمتلكن أو يدرن أعمالا أو مشاريع يمكنهن تقديم الكثير، إذا أتيحت لهن الفرصة لدخول قوة العمل وكسب معايشهن من عمل أيديهن.

تمكين النساء من تحقيق إمكاناتهن

 والتدريب عنصر بالغ الأهمية لتحقيق هذه الغاية. فالنساء يحتجن إلى القدرة على الوصول إلى التوجيه، وورش العمل، وبرامج التدريب الأطول أمدا التي تعدهن للمشاركة في سوق العمل، في حين تضمن تعريفهن بحقوقهن، وتمكينهن من الدفاع عنها.

من المبادرات المهمة التي قد توفر نموذجا مفيدا لمثل هذه الجهود برنامج منصة القفز لتنمية المرأة Springboard Women’s Development Programme، الذي أعده المجلس الثقافي البريطاني. ويهدف البرنامج إلى إعطاء النساء الثقة والقدرات التي يحتجن إليها لتحسين حياتهن، على المستويين المهني والشخصي؛ وتوسيع دورهن ونفوذهن في الحياة العامة؛ والمساعدة في دعم المجتمعات المفتوحة المستقرة الشاملة في مختلف أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

يكمن المفتاح إلى نجاح هذا البرنامج في التركيز على تمكين النساء من تحقيق إمكاناتهن. وهو يساعد المشاركات في استكشاف قدراتهن وتطويرها، ثم توظيف هذه القدرات في سياقات عملية، مثل الحصول على التمويل لبدء أو توسيع مشاريعهن الخاصة. كما يعمل البرنامج على إعداد النساء لمواجهة -والتغلب على- العقبات التي سوف تواجههن حتما على الطريق نحو اكتساب الاستقلال والنفوذ.

تتولى تنفيذ البرنامج شبكة من المدربين المجازين، وقد استُخدِم بالفعل من قِبَل أكثر من 230 ألف امرأة في أكثر من 40 دولة. وفي غضون أربع سنوات فقط، قام البرنامج بتدريب أكثر من 700 امرأة في بلدي عُمان، من خلال وزارة التربية والتعليم. ويطالب عدد أكبر كثيرا من النساء بالمشاركة في البرنامج.

لا شك أن تحقيق المساواة بين الجنسين في الشرق الأوسط عملية طويلة الأمد، وتتطلب إصلاحات تعليمية واجتماعية واقتصادية جوهرية. ولكن توفير التدريب المناسب للنساء الآن من الممكن أن يُعطي هذه العملية انطلاقة قوية، وهو ما من شأنه أن يمكن نصف السكان أخيرا من تحقيق إمكاناتهن - لمصلحة الجميع.

 

أريب علي المنذري

ترجمة: إبراهيم محمد علي         

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت 2017

ar.Qantara.de

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.