​​​​​​وهذا كله يأخذنا إلى عالم ساحر، فيه ثقافة وتاريخ كثيرًا ما يلفهما ضباب الخرافات والأساطير، خاصة حينما يتَّضح أنَّ شمال المغرب يشكِّل الفناء الخلفي الأفريقي لجنوب الأندلس، أو بصيغة أفضل: الامتداد الأفريقي المغربي للأندلس، مثلما تشكِّل الأندلس الامتداد الأوروبي لشمال المغرب.

لنعد إلى جوهر الموضوع: بالنسبة للشرقيين فإنَّ الأندلس بمدنها الموريسكية التي نذكر أهمها فقط كمدينة قرطبة وإشبيلية وغرناطة، ليست مجرَّد عودة حنينية إلى الوطن، إلى أمجاد العرب في شبه الجزيرة الإيبيرية في أوروبا، بل هي أيضًا بوَّابة العرب إلى الغرب، إلى أوروبا.

لا تزال في نفوس الأندلسيين وكذلك المغاربة الشماليين ذاكرة في اللاوعي لمجتمع ممتد عدة قرون - من الإمبراطورية الرومانية إلى العصر الإسلامي وحتى فترة الحماية الإسبانية (1912-1956)؛ شعورٌ لا نريد وصفه على أنَّه هوية مشتركة، بل هو احترام وتقدير للتراث المغربي-الإسباني في الأندلس، أعيد إحياؤه من جديد خلال العقود الأخيرة في "النزعة الأندلسية"، أي القومية الأندلسية.

إطلالة على قصر الحمراء في غرناطة. Foto: picture-alliance/Lou Avers
إرث الحضارة الموريسكية الحيّ: لا تزال في نفوس الأندلسيين وكذلك المغاربة الشماليين ذاكرة في اللاوعي لمجتمع ممتد عدة قرون - من الإمبراطورية الرومانية إلى العصر الإسلامي وحتى فترة الحماية الإسبانية (1912-1956)؛ شعورٌ لا نريد وصفه على أنَّه هوية مشتركة، بل هو احترام وقدير للتراث المغربي-الإسباني في الأندلس.

مغاربة حاربوا في صفوف الجنرال فرانكو

تمتاز العلاقات المغربية الإسبانية بنوع خاص لا علاقة به لبقية العالم العربي. لقد تركت الأشواط الواسعة التي قطعها كلا الشعبين عبر التاريخ، الذي كانا يسيران خلاله أحيانًا وهما مجتمعان وأحيانًا على حِدَة، ويتحاربان ومن ثم يساندان بعضهما مرة أخرى - على سبيل المثال حارب الكثيرون من المغاربة في صفوف الجنرال فرانكو في الحرب الأهلية الإسبانية 1936-1939 - وخلَّفوا أساسًا صلبًا تستند عليه العلاقات الإسبانية المغربية، على الرغم من جميع الاضطرابات. 

ولكن المغرب - وبالرغم من كونه دولة عربية إسلامية - لم يرفض بتاتًا التوجُّه الثقافي نحو "الثقافة الإسبانية" كإثراء ثقافي إضافي. إذ إنَّ الدم الأندلسي كان ولا يزال له تأثير قوي جدًا في عروق المغاربة الشماليين، الذين نمت لديهم في نهاية المطاف عاطفة واضحة للغة الإسبانية، التي يتحدث بها مثلما هو معروف أكثر من ثلاثمائة مليون شخص. تمثِّل اللغة الإسبانية بالإضافة إلى الفرنسية بالنسبة للمغرب نافذة إضافية على العالم الخارجي، وهي حاضرة في وسائل الإعلام وكذلك في المدارس والجامعات المغربية، وفي الإدارة والجيش والحياة اليومية.

أصاب المؤرِّخ المغربي عبد العلي الوزاني جوهر هذه العلاقة المغربية-الإسبانية الوثيقة من خلال وصفه تقارب المغرب مع الأندلس، بقوله: "صحيح أنَّنا خرجنا من الأندلس، ولكننا لم نخرج من تاريخها".

 

 

مراد كوسيروف 
ترجمة: رائد الباش
حقوق النشر: موقع قنطرة 2018
ar.Qantara.de

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.