العمل من أجل المهمَّشين

كيف يتعيَّن على المسلمين الشباب أن يتصرَّفوا بدلاً عن ذلك؟ "أريد أن تكرِّسوا جزءًا من وقتكم من أجل الموجودين على هامش المجتمع"، مثلما يكتب المؤلف. وهذا يتخلَّل كتابه كمحور واحد: عمر سيف غباش يحُثُّ المسلمين على تحمُّل المسؤولية عن دينهم وحياتهم. ويناشد جميع المسلمين الشباب بالقول: "تسلَّقوا الجبال، وتطوَّعوا من أجل مساعدة الأطفال الفقراء. ساعدوا صديقكم لإخراجه من متاعبه. قِفُوا مع الشخص الأقل حظًا منكم. علِّموا شخصًا القراءة والكتابة".

وهو يوصي المسلمين الشباب باتِّخاذ خطوات عملية، ويؤكِّد في ذلك من جديد على دور الفردانية في الإسلام: "انظروا حولكم. مَنْ الذي يظهر بالقرب منكم جائعًا أو ضعيفًا أو محرومًا في الحياة؟ فكِّروا كيف يمكنكم مساعدته". ورسالته هي  تحمُّل المسؤولية تجاه التحدِّيات التي تواجه المجتمعات الإسلامية.

ثم يفعل عمر سيف غباش شيئًا في غاية البساطة ولكنه نادر للغاية: حيث يطرح أسئلة لا تزال من المحرَّمات في أجزاء كثيرة من العالم الإسلامي: هل يمكن أن يؤثِّر الفصل بين الجنسين على تطوُّرنا العقلي والروحي؟ وماذا لو لم تكن المثلية الجنسية اختيارية، بل محدَّدة وراثيًا؟ وكيف يجب علينا أن نتصرَّف عندما يتَّضح أنَّ الأفكار المزعوم أنَّها إسلامية هي مجرَّد هراء؟

وعمر سيف غباش يقول لابنه: "هذه هي أسئلة جيلكم. لا تدعوا أحدًا يقنعكم بأنَّ السؤال المكبوت هو سؤال مُجابٌ عليه". وفي هذا السياق يتذكَّر الكاتب فرقة المعتزلة، وهي فرقة إسلامية فقهية تأثَّرت بالفلسفة اليونانية، وازدهرت في القرن العاشر الميلادي، وكان مفكروها يتبنون خاصة في البصرة وبغداد العقل والمنطق في النقاشات الدينية.

وهذه الأفكار تم قمعها من قبل الذين تبنوا وجهة نظر مُتزمِّتة في الإسلام واعتمدوا بشكل حصري الوحي المُنزل على النبي محمد. والمؤلف يأمل في أن تعتمد في القرن الحادي والعشرين أجيال العلماء المستقبلية، أي علماء الدين الإسلامي، على المنطق والعقل من أجل الرد على الأسئلة الفقهية المفتوحة.

تحذير من المستغلين

وعمر سيف غباش يدعو أيضًا إلى الاستمرار في تجديد أو مواصلة التطوير الأخلاقي للإسلام: "في ضوء المعلومات أو الأفكار الجديدة يجب علينا أن نراجع أفكارنا السابقة ونعمل إذا اقتضت الضرورة على تنقيحها". وبحسب رأيه فإنَّ الكثير من المسلمين في العالم العربي لا يزالون لا يعترفون بأهمية العلاقة مع الغرب ودينامياتها، وبأنَّ حياتنا بسبب هذه العلاقة "ليست فقط جديرة بالعيش على نحو متزايد، بل وحتى ممتعة".

ويرى مثالاً على هذا الانفصام في المتطرِّفين الإسلاميين، الذين يحتقرون الثقافة الغربية، ولكنهم على الرغم من ذلك يستفيدون من تقنيات الغرب وابتكاراته ويحسبون صفقاتهم وأموالهم بالدولار. وهؤلاء المتطرِّفون يلجؤون إلى العنف، الذي يصفه بأنَّه "أداة السذاجة".

وبالفكاهة الإنكليزية الجافة يشير عمر سيف غباش إلى أنَّ "اللجوء إلى العنف هو بشكل خاص وسيلة ساذجة وعديمة الخيال لحلِّ المشاكل". ويضيف أنَّ "العنف هو الطريق الأقصر من أجل التمكين الفوري والارتياح". وهذه الفكرة يتبناها أيضًا علماء آخرون وهي تشير إلى أنَّ المسلمين الشباب يشعرون بالتهميش من قبل حكومتهم ومجتمعهم.

وفي نهاية كتابه يتناول عمر سيف غباش جانبًا مذكورًا في البداية ويؤكِّد أطروحته بقوله إنَّ: "... فكرة الفرد المسلم (هي) الوسيلة الأبسط والأكثر فعالية من أجل تجديد العالم الإسلامي". ويقول موجِّهًا كلامه لابنه سيف: "فقط إذا استطعت قبول التنوُّع الفردي لزملائك المسلمين، فعلى الأرجح أيضًا أنَّك ستفعل الشيء نفسه مع أبناء الديانات الأخرى".

عمر سيف غباش، الذي تم حرمانه وهو في سن السادسة فقط من نموذج فكري منير إثر مقتل والده، أصبح بحدِّ ذاته نموذجًا فكريًا منيرًا.

 

سلطان سعود القاسمي

ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: موقع قنطرة 2017

ar.Qantara.de

 

كتاب عمر سيف غباش: "لا يوجد سبب للكراهية - الإسلام الليبرالي ممكن" Es gibt keinen Grund zu hassen. Ein liberaler Islam ist möglich، صادر بتاريخ 22 نيسان/أبريل 2017 في صيغته الألمانية عن دار نشر روفولت.

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.