على وادي درعة...جلست الثقافات وغنت

على ضفاف وادي درعة، تلاقى هؤلاء الناس وشربوا من ذات النهر، فتمازجت الأفكار والثقافات ونتجت ثقافة واحدة مركبة ومعقدة، وأنتجت أشكالاً جديدة من الفنون والتراث، بعضها حافظ على أصوله وظلّ يستحضرها حتى اليوم، مما ينفي مقولة أن هناك ثقافة واحدة فقط تجمع الناس في منطقة طاطا، ظلّ التنوع سيّد الموقف، وظلّ تأثير الثقافات ببعضها هو العامل الرئيسي في إنتاج ثقافة مركبة تدلل على المنطقة وتعبّر عن هويتها.

من بعض هذا التركيب أو التأثير، ما زلنا ننبهر اليوم بسماع شعر عربي نبطي تقوله قبيلة "أولاد جلّال" ويُلقى بأشكال فنيّة مختلفة بعد امتزاجه بالتراث الأمازيغيّ، فقد أبدعت القبيلة بغناء "الركبة" وهي في مضمونها شعر عربي ولكن أداؤها (الرقص) أمازيغيّ، فضلاً عن الأشكال الفنية التي تنتمي إلى الجنوب الأمازيغيّ الصحراويّ أي الطوارق كـ"الشمرة والكدرة" أخذها الدوبلاليون وأضافوها إلى فنونهم.

فنون أمازيغية وإفريقية

الصورة من تصوير وصال الشيخ وتعود لمنطقة طاطا وناسها في المغرب
لهجات مشتركة في منطقة طاطا المغربية: يقول الأهالي المحليون إنه إذا انطوى الشيء على شيء آخر قد يشتركان ويتشابهان، والحقيقة أن سكان المنطقة تحللوا من لغاتهم الأصل وبدأوا يتحدثون لغة مشتركة أو لهجات مشتركة.

يضاف إلى هذه الأشكال فنون أمازيغية وإفريقية زخمة في أصنافها تعكس حالة الانقسام الصعبة التي تعرضت لها هذه الفنون، أو تعكس حالة الإبداع الفني الفريد الذي تشهده المنطقة، وظهرت صوتا وجسدا فيما يسُمى "أحواش".

تُعرّف أحواش بأنها لفظة "تجمع الممارسات الفنية الأمازيغية المنتشرة في الأطلس الصغير (سوس)، وفيها تتناغم الفنون أو تختلف بحسب الأداة المستخدمة. ويسرد أوبّلا بعض الفنون والاختلافات بينها، "فن "أهناقار" الذي يؤديه جماعة من الرجال في " أسايس " بزي موحد (الجلباب الأبيض والعمامة السوداء والحذاء الأبيض والخابوس أو الجراب)، يتميز بأوزانه الشعرية ونغماته وإيقاعاته وحركاته، ويتخلله حوار شعري طفيف غالبا ما تسيطر عليه الغزليات والهزليات، مع إعطاء أغلب الوقت للغناء والحركة والإيقاع، ويكاد هذا الفن يسيطر على الكثير من القبائل في الأطلس الصغير.

 وفيما مضى تعتبر قبيلة تاكَموت شمال إقليم طاطا أهم منابعه"، وفنّ " درست" أي الحوار الشعري الغنائي بين الشعراء الذي تناقش فيه مختلف القضايا الاجتماعية والسياسية، ويمتاز بوحدة الوزن (وزن واحد) وطول الحوار مع تنويعات من الإيقاع والحركة من حين لآخر، ومما هو متواتر في منطقة طاطا أن هذا الفن يخصص له يوم الثلاثاء ويعتبر هدية من العريس إلى العروس في ليلة الزفاف ، ولهذا الفن تنويعات بإقليم طاطا منها "درست طاطا" التي تنتشر في قبيلة طاطا "درست تازناكَت" التي تنتشر في مناطق الفايجة والجيوب الجبلية المرتبطة بها"درست تاحربيلت" ،التي تنتشر في غرب باني.

وكل نموذج من هذه النماذج له سماته الفنية في الإيقاع والحركة والغناء"، أما فنّ "أكَوال" فيمتاز بمشاركة النساء أو الفتيات فيه بالغناء والإبداع الشعري والحركة، في حين يشترك فيه الرجال بالإيقاع والإنشاد الشعري، وهو مفتوح على جميع الأوزان الشعرية المتآلفة مع ايقاعاته.

فن الأعراس والمواسم

أما الفنّ المخصص للتعبير عن العواطف في الأعراس أو المواسم ويجري كحوار غنائي بين النساء والرجال وله أوزانه ونغماته. أما ما يمكن أن يكون وسيلة لزرع القيم على موائد الأعراس فهو فنّ "تازرارت"، في حين يُغنّى فن "تاماووشت" في ليالي الحصاد والربيع وهو أهم فنّ مرتبط بالعمل الجماعي "التويزة" ويحدث على شكل حوار بين الرجال والنساء.

أما فنّ "يسمكَان" هو الفنّ الوحيد الذي يعبر عن أصول إفريقية ولا يزال يؤدى باللغة الإفريقية (تاكَناوت)، وتعتبر القراقب والطبل من أهم أدواته وتشتهر به قرية تيزونين التي تؤدى بها الأشعار بالأمازيغية ذات النزعة الدينية، ويبدع في غنائها ورقصها مولود السوداني الذي يعيش في تيزونين.

عند زيارتنا للسودانيّ في منزله لإجراء مقابلة حول "تاكناوت" جلب ورقة كُتب عليها أسماء العائلات الإفريقية الأصلية التي تعيش بتيزونين وحوّلت أسماءها إلى أسماء أمازيغية، ودوّنت حوالي عشرة أسماء لعائلات مثل "آيت خيرو" التي كانت "فوتا" قديما، و"آيت مزيوا" هي "بَيْلا" بالأصل، "ادمبارك/ بامبرا"، "آيت الكابوس/ خبّاش"، و"آيت يدر هي تاركو" و"آيت بلخير هي موسي...".

موسم المولد النبويّ ودعاء للتخلص من القمع

يقول أوبّلا: "احتفظ الأفارقة الطاطاويون بشعرهم ولغتهم الإفريقية "تادّوني" التي تنتمي للسودان الغربي (مالي، السنيغال، النيجر) ويستخدمها بعض أهل تيزونين ولكن لا أحد يعلم معانيها".

الصورة من تصوير وصال الشيخ وتعود لمنطقة طاطا وناسها في المغرب
شعر أمازيغي بضوابط وأوزان شعرية: تمكن بعض الباحثين الأنثربولوجيين المحليين في منطقة طاطا المغربية من إنقاذ المنظومة الشعرية بتوثيقها وإخراجها في كتب أمثال حسن عبيلات والباحث إبراهيم أوبّلا الذي جمع بدوره التراث الشعري الأمازيغي بالمنطقة في عدة كتب. ويتسم الشعر الأمازيغيّ وفق أوبّلا "بالغنائية والوضوح والمباشرة، ويمتاز بالرمزية لأسباب أخلاقية، وله ضوابط وأوزان شعرية تعادل سبعة وثلاثين وزناً وله أيضا بحوره الرئيسية والفرعية".

ظلت كناوة محصورة بحدود القرية الصغيرة وتناقلها الأفراد بينهم عن طريق المصاهرة، وبهدف حمايتها أسس السودانيّ فرقة وجمعية تؤدي عروضاً ثقافية بمناسبات مختلفة، في حين يفد الناس من كل صوب إلى تيزونين طلباً للتبرك والشفاء في موسم المولد النبويّ الذي يحافظ على أعضاء كناوة على إحيائه سنوياً، ويُعرف بموسم "سيدي بلال" وتجمع فيه الصدقات. "لم تعد العائلات ذات الأصول السودانية الغربية التي توزعت بالمنطقة وصولاً إلى أكادير تمارس هذا الموروث، بل تركته يضيع" كما يقول السودانيّ.

لماذا كان العبيد يغنون "كناوة"؟ يجيب السودانيّ "طلباً للعفو من الله" وهي في الأصل دعاء للتخلص من الأصفاد والقمع الممارس ضدهم، فكانت نداءات حارقة باتجاه السماء تحوّلت في الوقت الحاضر إلى مقاطع صغيرة مُغنّاة، فيقولون: "يا ربي العفو يا مولانا...يا ربي العفو يا مولانا"، وتوجد في كناوة تيزونين اثنتان وعشرين أغنية، وتقتصر الأغنية على بيت شعري واحد فقط يردد على الدوام، وتختلف الأغاني بالإيقاع واللحن، فمثلاً "زويد المال هيه، زويد المال هيه كانكا والله"، ليست مشابهة لـ"ها يا كوّارة ها لعبي... ها لعبي كوّارة ها لعبي"، أو "سوري بينا يا لاّلا سوري بينا"، ويقول السوداني بأنّ "جميع القطع تُغنّى على مقام كناوة".

ولندرة هذه المقاطع التي ما زالت تستخدم لغة أهل السودان الغربيّ مع توشيحها بالعربية والأمازيغية لم يعد أحد يعلم معانيها أو مرادفاتها. ويقول السودانيّ بأن هذا الغناء جاء على مرحلتين "مرحلة السيبة التي جاءت بالعبيد قسراً لبيعهم واستغلالهم، ومرحلة رحل فيها أهل السودان الغربي إلى جنوب المغرب طواعية واستقرّوا فيه".

السودانيّ الذي يصرّ على تزيين شماغه بالحبق عندما يؤدي رقصاته وغنائه فوق الخشبة؛ يحتفظ مع فرقته (15 شخصا) بهذا التراث النادر، ولم يخضع بعد للتوثيق أو الدراسات الموسيقيّة الأكاديميّة.

إضافةً إلى ذلك يوجد فنّ "تارحالت" أو "تاحواشت" تمارسه قبائل الأمازيغ الرحل في غرب باني في أفراحها، وهو فن تشترك فيه النساء ويكاد يتطابق مع فن الركبة عند أولاد جلال، وربما كان من بين الفنون التي نتجت عن التمازج الثقافي بين الرحل العرب والأمازيغ.

أما الفنون التعبيرية العربية ظهرت في فنّ " الهرمة" ويؤديه الرجال على ثلاث وصلات وهي : لوكَف، والشد (الحوار الشعري المتعدد الأغراض) والنهيم، وللهرمة نغماتها ولا تستعمل فيها أية أداة، إذ يعتمد على الشعر والغناء والحركة.

وفن "الركبة" وهو "من أجمل الرقصات لدى عرب أولاد جلال" كما يقول أوبّلا، و"يؤديه الرجال والنساء في صفين متوازيين، يبدأ أولا بوصلة "تلاولا" يليها "لوكَف" ومن حين لآخر تتخللها حركات الركبة  وفقرات من الحوار الشعري ( الشد)".

الصورة من تصوير وصال الشيخ وتعود لمنطقة طاطا وناسها في المغرب
اللباس مرآة لمدى التنوع: يتضح ظاهرياً من لباس أهل في طاطا المغربية مدى الاختلاف والتنوع الذي تزخر به المنطقة، ملحفة سوداء على الرأس تدل على أن المرأة أمازيغية، وملحفة ملّونة تدلّ على أنها عربيّة، وكلمة "لِهيه" تلك الجهة أو الطرف تعني أن الأمر مختلف عمّا هو سائد لدينا بالقرية أو "الدوّار"، عادة ما نلتقي بأناس في طاطا يشيرون على أناس أو مناطق أخرى تشتهر بشكل فني إبداعي معيّن.

فن سياسي واجتماعي

كذلك يوجد فن "الطبل" عبارة عن حوار شعري غنائي على إيقاع الطبل يخصص للمواضيع السياسية والاجتماعية يؤديه الرجال بمشاركة النساء في ليالي الأعراس وهم جالسون. في حين يختلف فن "الرسم" الذي يؤديه الرجال فقط أثناء شربهم للشاي وبدون أداة موسيقية وتنشد فيه قصائد دينية.

أما فنّ "الكدرة" يؤديه الرجال والنساء جلوسا في دائرة مغلقة يتم خلاله اعتماد آلة "الكَدرة" للإيقاع ويواكبه تصفيق وتغنى به أشعارٌ غزلية وعاطفية، وتؤدي فيه النساء رقصاً وسط دائرة تسمى بـ"كاسه" وهو فنّ شبيه لما يُسمى "الشمرة" عند الدوبلاليين.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : تناغم فني عربي أمازيغي إفريقي في طاطا المغربية

السلام عليكم.

أخي ابراهيم أبلا، من فضلك بيِّن لي المصدر الذي يقول بأن قبيلة دوبلال قبيلة حسانية معقلية، و شكرا.

دوبلالي03.02.2017 | 04:06 Uhr