اللباس مرآة لمدى التنوع

يتضح ظاهرياً من لباس أهل المنطقة مدى الاختلاف والتنوع الذي تزخر به المنطقة، ملحفة سوداء على الرأس تدل على أن المرأة أمازيغية، وملحفة ملّونة تدلّ على أنها عربيّة، وكلمة "لِهيه" تلك الجهة أو الطرف تعني أن الأمر مختلف عمّا هو سائد لدينا بالقرية أو "الدوّار"، عادة ما نلتقي بأناس في طاطا يشيّرون على أناس أو مناطق أخرى تشتهر بشكل فني إبداعي معيّن.

ثمّة ثلاث أدوات تعبيرية ساعدت على إرساء الثقافات المتحركة في قالب ثقافي عربي-إفريقي-أمازيغي لا يمكن للنزعات القومية أو الشوفينية أن تهدمها، يقول أوبّلا إنّ: "الشعر (الكلمة)، والحركة، والصوت (الغناء) ساهمت في إرساء ثقافة مشتركة، فتحت باب التبادل حتى للأدوات الموسيقيّة، كما انتقلت أداتا"تالّونت والطارة" الأمازيغيتان إلى الأفارقة، وأخذ الجلاليون الركبة أو الحركة المعتمدة على ركبة القدم من عند الأمازيغ الرّحل وأضافوها إلى غنائهم الشعريّ".

فلسطين في الشعر العربي الأمازيغي

الشعر هو أساس الغناء والرقص بالمنطقة، والتفت شعراء المنطقة على اختلاف لغاتهم إلى القضايا العالمية المشتركة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وقد تمكّن الكاتب الأمازيغيّ محمد مستوي من جمع القصائد التي تخصّ الهمّ الفلسطيني لدى الشعراء بمنطقة سوس، وفي كتاب الباحث حسن عبيلات "خبايا من التراث الشعبي عند أولاد جلّال" الذي جمع "شديات" شعراءها نجد أن قصائدهم قيلت باللسان الدارج الجلّالي وتتغنى بالغزل أو المفاخرة بالتاريخ، إذ سجلوا بـ"شدياتهم" تاريخ قبيلتهم وحروبها وأخبارها ورحلاتها، ففي "شدية" للشاعر حمّاد عليلي يؤرخ إحدى الوقائع الحربية التي عرفتها القبيلة سنة (1980) يقول: "عني أولاد جلّال مشات اللولين بالظلام كحالو

كنا مالفين في البلاد مهنيين ما كان حد غير جار

كام البلا من الشرك أجا كيف الغدير والواد هيلم عربان

لم الغزي في الساحل زاز بلا ندير ولا يا وافي المحاسر غار".

أما في "الطبلية" في الشعر القومي للشاعر باز المبارك يقول:

 

سمعت في بيروت أفلسطين                        لرواح لمزدية

سمعت في بيروت القتلى                          كل نهار  يموت شلا

واليهود يديرو حفلة                               مع حزاب الشيوعية

شعبهم مسكين  التلا                               وأعادوا نيرانوا

 

شوف فلسطين تشتتات                            فركَوها على لبلادات

......               ..............

واليهود في الطيارات اضربوا                    في كل عشية

سمعت في بيروت أفلسطين                       لرواح لمزدية

قليل من شعراء ما قبل القرن العشرين تمّ إدراكهم أو معرفة منتوجهم الأدبي، فقد سقطوا في دوامة النسيان. ما بعد القرن العشرين برز في شعر أولاد جلال الشاعر عبد الله بن حيموت الذي نظم الشعر حتى بالأمازيغية، كذلك عبد الله بلحاج وأحمد بن علّال وسالم أحمورو الذي ما زال يقول الشعر.

وتمكن بعض الباحثين الأنثربولوجيين المحليين من إنقاذ المنظومة الشعرية بتوثيقها وإخراجها في كتب أمثال حسن عبيلات والباحث إبراهيم أوبّلا الذي جمع بدوره التراث الشعري الأمازيغي بالمنطقة في عدة كتب.

الصورة من تصوير وصال الشيخ وتعود لمنطقة طاطا وناسها في المغرب
قالب ثقافي عربي-إفريقي-أمازيغي: ثمّة ثلاث أدوات تعبيرية ساعدت على إرساء الثقافات المتحركة في قالب ثقافي عربي-إفريقي-أمازيغي في منطقة طاطا المغربية لا يمكن للنزعات القومية أو الشوفينية أن تهدمها، يقول الباحث أوبّلا إنّ: "الشعر (الكلمة)، والحركة، والصوت (الغناء) ساهمت في إرساء ثقافة مشتركة، فتحت باب التبادل حتى للأدوات الموسيقيّة".

ويتسم الشعر الأمازيغيّ وفق أوبّلا "بالغنائية والوضوح والمباشرة، ويمتاز بالرمزية لأسباب أخلاقية، وله ضوابط وأوزان شعرية تعادل سبعة وثلاثين وزناً وله أيضا بحوره الرئيسية والفرعية".

من أمزار الجزائرية إلى طاطا..."نحن نشبه بعضنا"

يقول الأهالي المحليون إذا انطوى الشيء على شيء آخر قد يشتركان ويتشابهان، والحقيقة أن سكان المنطقة تحللوا من لغاتهم الأصل وبدأوا يتحدثون لغة مشتركة أو لهجات مشتركة. ففي منطقة طاطا تشيع اللهجة العربية الخاصة بعرب دوبلال والجلاليين، ورغم "أنهم ينتمون لشجرة المعقلين إلّا أنّ لكناتهم مختلفة، وتختلف أيضا عن اللهجة الحسّانية الصحراوية، وقد فرض احتكاكهم بالأمازيغ لهجة عربية موشحة بالأمازيغيّة، في حين يتحدث الأمازيغ بلغة واحدة وهي الأمازيغية وتُعرّف بلهجة "أهل سوس" أو "المصمودية" نسبة لقبائل مصمود".

تعرّض الموروث الواحيّ الهائل هذا لإشكالية الانعزال عن الثقافات الأخرى الموجودة بالمغرب، لا يعلم أهل الشمال ثقافة أهل الجنوب حتى وقت قريب بدأ مع التسعينيات، فقد مارست الدولة إقصاءً قاتلاً ضد موروث أهل الجنوب وفق أوبّلا، لكن "في 1995 بدأت أحواشنا تفرض وجودها في مكناس وفاس والرباط وغيرها، إلّا أن ثقافة "ولاد جلّال" وشعرها النبطي العربي دمغت كثقافة مقهورة لم يهتمّ أحد بأن ينشرها خارج حدود طاطا أو ورزازات".

لم يخضع هذا التراث الهائل للتوثيق عند الباحثين والأكاديميين المغاربة إلّا مؤخراً، في وقت تقاطر على المغرب أنثربولوجيون غربيون درسوا المغرب ما قبل الاستعمار، لكن مع "ظهور الحركة الأمازيغية في الستينيات ظهرت بعض الدراسات في المكتبات العامة".

 

 

وصال الشيخ - طاطا - المغرب

حقوق النشر: موقع قنطرة 2017

ar.Qantara.de

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : تناغم فني عربي أمازيغي إفريقي في طاطا المغربية

السلام عليكم.

أخي ابراهيم أبلا، من فضلك بيِّن لي المصدر الذي يقول بأن قبيلة دوبلال قبيلة حسانية معقلية، و شكرا.

دوبلالي03.02.2017 | 04:06 Uhr