الحجاب الإسلامي في زمن الكولونيالية

حين يجبر الاستعمار المسلمات على خلع الحجاب بدعوى التحرر!

قبل قرن من الزمان طُرحت الحُجج القائلة إن الحجاب يعبِّر عن الاضطهاد الذكوري، الأمر الذي لا يتوافق مع الحضارة الغربية ونظامها القيمي. ثم تمَّ تحويل الكلام إلى أفعال في المستعمرات الفرنسية فأُجبِرت المسلمات على خلع الحجاب. رؤية تاريخية تقدمها الباحثة المختصة في شؤون المغرب العربي سوزانه كايزر لموقع قنطرة.

كان الحدثُ لافتًا بالتأكيد، فقد اجتمعت مجموعةٌ من النساء اللاتي يرتدين الزيَّ التقليديَّ على خشبة المسرح. وأمام أعيُن جمهورٍ متعطشٍ وجمهرةٍ من الصحفيين الدوليين الذين تمت دعوتهم خصيصًا لهذا الغرض خلعت النساء حُجُبَهن بالتزامن بعضهن مع بعض بعدما أُشير إليهنَّ بذلك. ولربما صعدن فرادى إلى المسرح وخلعن الحجاب وأعلنَّ على الملأ تحرُّرهنَّ من التقاليد الذكوريَّة وتأييدهنَّ لتحرر المرأة.

كما كان هناك جنودٌ أُمروا بأنْ ينتشروا بين الجمهور ليصفقوا لغير المحجبات من السكان المحليين معلنين تأييدهم لهنَّ وليحثُّوهنَّ على التجاوب مع الأمر وعلى دعم النساء اللاتي خلعن الحجاب على المسرح. كان كلُّ شيءٍ قد أُعد بدقَّةٍ متناهيةٍ ولم يُترك أيُّ تفصيلٍ للصدفة. لكنْ هل شعرت النساء بعد هذه الوقفة العلنيَّة بالفعل بالتحرُّر من الرجُل؟

قناعُ السيِّدِ المستعمِرِ

تذكَّرت إحدى النساء لاحقًا كيف بكت عندما أُجبِرت على ارتداء ثوبٍ أحمر-أزرق لتظهر به في ذلك المشهد الجماعي على المسرح، حيث كان عليها أنْ تلعب دور "ماريان" الممثلة النسائيَّة للجمهوريَّة الفرنسيَّة.

كانت مونيك أميزيان قد بلغت آنذاك سن 18 عامًا للتو حينما اختيرت لتكون واجهة الحملة الدعائيَّة لقوى الاستعمار الفرنسيَّة في الجزائر. الحملة التي كان لها أنْ تؤثر دعائيًا في سياق مراسم خلع الحجاب في كافة المدن الكبرى، والتي كانت قد وصلت إلى ذروتها في سنة 1958، ويمكن قراءة قصتها في الأرشيف العسكري الخاص بالجيش الفرنسي في باريس. هذه الشابة الجزائريَّة لم تخلع الحجاب بملءِ إرادتها إطلاقًا، إنما قبِلت بالظهور على المسرح بعدما هُدِّدت بتنفيذ حُكم الإعدام بحق شقيقها الذي كان معتقلاً يومئذٍ. أما النساء الأخريات ممن شاركن بتمثيل المشهد فكنَّ يخشين من تسريحهنَّ من العمل في بيوت الفرنسيين.

أراد الضباط الفرنسيون أنْ يجعلوا تلك النسوة مثالاً يُظهروا من خلاله للعالم أجمع كيف أنَّ فرنسا انتصرت على تلك الدول المتخلفة في إفريقيا المسلِمة.

في قصر السراي: لوحة زيتية للرسام فريدريك آرثر بريجمان. Quelle: wikipedia
الحجاب بوصفه سمة "التخلف الثقافي والاجتماعي": بهدف القضاء على "تقاليد الإسلام القروسطيَّة البربريَّة" تمَّ إطلاق مجموعاتٍ كاملةٍ من المنوِّرين أولي النوايا الحسنة على سكان المستعمرات، وغالبًا ما وزَّعوا كتبًا إرشاديَّةً لنزع الحجاب تدريجيًا.

كتبٌ إرشاديَّةٌ لنزع الحجاب تدريجيًا

كان البريطانيون في نهاية القرن التاسع عشر قد رأوا أنَّ النساء هنَّ مفتاح الهيمنة على المستعمرات فدفعوا إلى النقاش العلني بخصوص الحجاب. وقد بيَّنت المثقفة النسويَّة ليلى أحمد كيف أنَّ اللورد كرومر كان قد جعل من غطاء الرأس أداةً ليفضح "الإسلام" بصفته خطأً اجتماعيًا خالصًا، حيث قال بأنَّ المرأة تـُوصَمُ بتدني القيمة والخضوع للرجل من خلال الغطاء الذي يفصل بين الجنسين. وهكذا سعى كرومر لتحريض المصريات على أزواجهن وآبائهن وأشقائهن.

بهدف القضاء على "تقاليد الإسلام القروسطيَّة البربريَّة" تمَّ إطلاق مجموعاتٍ كاملةٍ من المنوِّرين أولي النوايا الحسنة على سكان المستعمرات المدنيين، فكان على المبشرين والنسويين وحتى الأطباء أنْ يساندوا النساء المضطهدات والمهمشات إزاء سلطة الرجال الشرقيين وأنْ ينقذوهنَّ، وغالبًا ما وزَّعوا كتبًا إرشاديَّةً عليهنَّ لنزع الحجاب تدريجيًا.

أما كرومر - الذي كان معنيًا بحريَّة المرأة إلى أبعد الحدود – فقد اشتهر في إنجلترا بنشاطه المعارض لحق المرأة بالانتخاب، وكان قد فرض في مصر منع النساء من تعلَّم مهنة الطب، فالنساء يمكنهنَّ تحقيق ذواتهنَّ بالعمل كممرضات لأنَّ ذلك يتوافق مع خصائصهنَّ الطبيعيَّة بحسب كرومر. وهناك أقاويل مفادها أنَّ كرومر لم يكُن معنيًا بحريَّة المصريات إنما كان لا يطيق أنْ تنظر إليه النساء من خلف الحجاب دون أن يكون هو قادرًا على رؤيتهن.

الحلم بمجتمعٍ متمدنٍ

انتهت مرحلة الاستعمار في مصر قبل أنْ يُثمِر "التحرُّر الإجباري" حقًا، أما في الجزائر فظل حلم تمدُّنِ المجتمعِ التام قائمًا لفترةٍ أخرى، ولأنَّ الأكثرية العظمى من المسلمات لم يرغبن بخلع الحجاب بمحض إرادتهن كان لا بدَّ من إكراههنَّ على "سعادتهنَّ"، ولأنَّ هذا الأمر لم يكُن بالسهل أيضًا، لجأ موظفو الاستعمار إلى أساليب أكثر إبداعًا.

لوحة "التونسية البدوية" للرسام رودولف لينير (رسمها عام 1910 تقريبا). Quelle: Lehnert & Landrock, Kairo
هكذا تخيَّل المستعمِرُ الشرق: ضحايا أُكرِهنَ على خلع الحجاب في مرحلة الاستعمار، بعدما أُلبِسن الثياب التقليديَّة الغرائبيَّة (أو ما ظنَّه الفرنسيون ثيابًا تقليديَّة) خصيصًا للمشهد المسرحي، حسبما جاء في دراسة الحالة التي أعدَّها الكاتب فرنس فانون، الذي يُعتبر اليوم أول مُنظِّرٍ لنظريَّة ما بعد الاستعمار.

مونيك أميزيان التي كان عليها أنْ تلعب دور "مريان" مثالٌ على غنى أفكار الاستعمار، ولكنَّ الخديعة في قصة مونيك هي أنها لمْ تكُن ترتدي الحجاب قبل صعودها المسرح أصلاً، بل هي حُجِّبت خصيصًا للمشهد. فرنس فانون بصفته من المرتينيك وينحدر من مستعمرة فرنسية، ويعتبر اليوم أول مُنظِّر لنظريَّة ما بعد الاستعمار، وصف في دراسته التي أعدَّها في تلك المرحلة ضحايا أخريات أُكرِهنَ على خلع الحجاب، بعدما أُلبِسن الثياب التقليديَّة الغرائبيَّة (أو ما ظنَّه الفرنسيون ثيابًا تقليديَّة) خصيصًا للمشهد المسرحي.

كانت الحيلة الإعلاميَّة عبر استخدام الزي الفلكلوري التنكري قد نجحت في سنة 1890، وانتشرت في فرنسا الصورُ الصغيرة والبطاقات البريدية التي زعمت عرض نساءٍ مسلماتٍ عادياتٍ بصفتهنَّ حريمًا يرتدين ثيابًا مبهرجةً ويتخذن أوضاعًا ماجنة أمام الكاميرا، نساء محجبات لكن عاريات الصدور، وقد تبيَّن لاحقًا أنَّ اللقطات مُمثَّلةٌ من قِبَلِ مومساتٍ دُفعَ لهنَّ مبالغ طائلةً لقاء ذلك.

رغم ذلك، حققت الصُور أهدافها واستجابت لتصوُّرات الرجال الفرنسيين عن الشرق، الذين لم تكُن لديهم أيَّة صلةٍ بنساءٍ مسلماتٍ باستثناء المومسات. كما تمكَّن مَن لم يأتوا إلى المستعمرات مِن أنْ يكوِّنوا صورةً عن الاحتلال. وقد جمع الكاتب الجزائري مالك علّولة مجموعةً قيِّمة من "صور الحريم الفرنسي".

فلكلور استعماري لصالح مقاومة الاستعمار

بيَّن فرنس فانون شيئًا آخرَ أيضًا، وهذا هو الدرس الفعلي من كتاباته التي قلما يُلتفت إليها في النقاشات الدائرة اليوم: النساء يدافعن عن أنفسهنَّ. عندما استوعبت النساء هاجس المُحتل بالحجاب والإمكانات المترتبة على ذلك لم يترددن طويلاً، إنما سخَّرن الملبس لأهدافهن الخاصة. فالمناضلات اللاتي كنَّ إلى حينه محجبات خلعن الحجاب ولبسن الثياب الغربيَّة وسرَّحن شعورهنَّ بشكلٍ لافتٍ وانتعلن أحذيةً عاليةَ الكعب وبالتالي لم يعُد الحرس الفرنسي للمدينة الجديدة كالجزائر مثلاً يأخذهن على محمل الجد، فهرَّبن السلاح في حقائبهنَّ للمقاتلين الذين كانوا يقاومون الاستعمار.

لا تدافع النساء المسلمات عن أنفسهنَّ اليوم في أوروبا بالسلاح، وهنَّ يفضِّلن التوجُّه للمحكمة الدستوريَّة العُليا أو أنْ يكتبن الكتب. بينما توجد ناشطة نسويَّة ألمانية مثل أليس شفارتسر لا تزال تغزل بنفس المنوال كما قبل قرنٍ من الزمن قائلةً إنَّ مكانة المرأة مفتاحُ تحرُّر المجتمعات العربية وإن الحجاب عَلَمُ الإسلامويَّة، ويجعل المرأة إنسانًا من الدرجة الثانية، والحجاب والبرقع يعيقان الحركة والتواصل في الواقع ويحدَّانهما.

لا تعي النسويات الأوروبيات إلى أية معضلةٍ يدفعنَ بالنساء المحجبات، إذ بهذا لا يبقى خيارٌ أمام المحجبات سوى القبول بهيمنة الرجال أو بهيمنة الناشطات النسويات الوهميات. وبالنظر إلى ذلك، يكون ارتداء الحجاب أفضل بالطبع!

 

 

سوزانه كايزر

ترجمة: يوسف حجازي

حقوق النشر: قنطرة 2015 ar.qantara.de

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : حين يجبر الاستعمار المسلمات على خلع الحجاب بدعوى التحرر!

المحاكمة بهذا المنطق في هذا الموضوع، سيجعل الموضوعية تهتز فلو قلنا: ما الذي فعله الاستعمار العربي الإسلامي للأمازيغ من إلغاء حضارة ولغة، ولهذا فإني أرى المسألة لا تتجاوز روح استعمارية تطرح ما تظنه فعلاً شكل من أشكال التخلف، ولهذا ما زلت بتتبعي التاريخي أغضب على بعض المستشرقين التبريريين لواقع التخلف، كالمستشرق الهولندي سنوك هوروخرنيه الذين كانوا يبررون وجود العبيد في الجزيرة العربية وأنه جزء من الثقافة العربية الإسلامية، ويستنكرون رغبة الدول العظمى آنذاك في محاربة الرق في البلاد العربية، وكان دفاع هؤلاء المستشرقين أن العبيد جزء من الثقافة الإسلامية الأصيلة، ولها فقهها الخاص، الذي يعطي العبيد حقوقاً لا يجدونها في أوروبا.... الخ من مبررات لا أحد يقبل أن يسمعها الآن بعد أن تم تحرير العبيد نهائياً وأقفلت أسواق النخاسة.
إنه نفس رأي المستشرقين الذين يستخدموننا كأداه ضد أزمات الحداثة التي يعيشونها شخصياً ويطرحونها علينا كمدافعين عن أزماتنا وعقدنا، ليقنعوننا أن ما نحن فيه خير، الحداثة لها عيوبها لكن ليس مبرر أبداً أن يبقى العرب في حالة ما قبل الحداثة.

مجاهد ع01.06.2015 | 19:21 Uhr

المحاكمة بهذا المنطق، سيجعل الموضوعية تهتز فلو قلنا: ما الذي فعله الاستعمار العربي للأمازيغ من إلغاء حضارة ولغة، ولهذا فإني أرى المسألة لا تتجاوز روح استعمارية تطرح ما تظنه فعلاً شكل من أشكال التخلف، ولهذا ما زلت بتتبعي التاريخي أغضب على بعض المستشرقين التبريريين لواقع التخلف، كالمستشرق الهولندي سنوك هوروخرنيه الذين كانوا يبررون وجود العبيد في الجزيرة العربية وأنه جزء من الثقافة العربية الإسلامية، ويستنكرون رغبة الدول العظمى آنذاك في محاربة الرق في البلاد العربية، وكان دفاع هؤلاء المستشرقين أن العبيد جزء من الثقافة الإسلامية الأصيلة، ولها فقهها الخاص، الذي يعطي العبيد حقوقاً لا يجدونها في أوروبا.... الخ من مبررات لا أحد يقبل أن يسمعها الآن بعد أن تم تحرير العبيد نهائياً وأقفلت أسواق النخاسة.
إنه نفس رأي المستشرقين الذين يستخدموننا كأداه ضد أزمات الحداثة التي يعيشونها شخصياً ويطرحونها علينا كمدافعين عن أزماتنا وعقدنا، ليقنعوننا أن ما نحن فيه خير، الحداثة لها عيوبها لكن ليس مبرر أبداً أن يبقى العرب في حالة ما قبل الحداثة.

مجاهد ع01.06.2015 | 19:22 Uhr

المقال أعلاه يطرح موضوعا في غاية الأهمية ، فللكاتبة مشكورة الامتنان على طرحه.

ونتساءل معها : أين حرية الأنثى الشرقية في الغرب اليوم ؟ وهي لا تزال تعاني ألوانا عديدة وليس لونا واحدا من التمييز ضدها ؛ عدم حريتها بانتقائها ما تراه مناسبا لها في الملبس، عدم تكافؤ الفرص المتاحة لها أمام الأعين الزرقاء والشعر الأشقر ، نظرة المخلص الذي يريد حمايتها التي تسيطر على من يتعامل معها وإن كانت لا تحتاج هذه النظرة بل تتساءل عن أسبابها ودواعيها سوى طبقية الذي يتعامل بهذا المنطلق وشعوره بالفوقية فقط بميزة اللون والعرق.

وفي مجالات التنمية الدولية والتطوير لا يزال النموذج النسوي الغربي يستخدم على أنه "النموذج" الأوحد والأفضل ، مع أن الحال حقيقة ليس كذلك، وقد حان الوقت للأوروبية أن تنظر لنماذج أخواتها في كل من أفريقيا و أمريكيا اللاتينية والشرق الأدنى والشرق الأقصى نظرة التساوي في نضالهن و ربما أن تتعلم منهن أيضا فلكل منهن تفوقها في جانب كما أن للاوروبية ضعف في جوانب و هكذا.

أمان عيد12.03.2016 | 12:08 Uhr

ما المقصود بالحجاب المخلوع تحت الضغط؟ إن قصد به الحجاب الإسلامي فنحن لا نعرف عبر الوثائق ولا الصور كيف كان لباس المسلمات في عصر الرسول، اللهم ما تصوره التأويلات.وإم كان الأمر يتعلق بحجاب العقل فلم يتفتح عقل المرأة العربية إلا بولوج المدارس العصرية التي أنشأها المستعمر. يقول المؤرخ المغربي عبد الله العروي في هذا الإطار:" الاستعمار هو الحدث بامتياز، فيه تتجمع محركات التاريخ. لم يعد في وسع أحد تجاهل آثاره. يحل الاستعمار ما عقدته السنة/ التقليد، ينثر ما نظمته، يضيء ما ألحت على طمسه. يقوم بعمليتين متناقضتين؛ يعيد إلى النور ما ليس بسنة، وفي الوقت نفسه يمنعه من أن يتطور إلى سنة مضادة، إلى بديل. الإصلاح مثل السنة عمل ينفذ بواعز من الحدث وفي ظله الملازم."بمعنى أن التنوير لم ينبعث من داخل الواقع المغربي والعربي، نتيجة اكتشاف تقني وإبداع إيديولوجي أو انتصار عسكري أو سياسي، بل اتخذ شكل الضغط الخارجي للعالم الأوربي، وكان التبرير المتخذ كوسيلة للسير نحو التحديث معززا بتقدم علمي وتكنولوجي و:" المؤرخ الموضوعي لا يسعه إلا الاعتراف بأن ما فعله الاستعمار أصبح جزءا من الواقع وأنه لم يعد في قدرة أحد إحياء ما كان إلا إذا كان مستعدا لأن يؤدي على ذلك ثمنا باهظا قد يصل حد الانتحار الجماعي." لم يدخل العرب في علاقتهم بالعصر من باب التطور الداخلي (اختراع تقني أو ابتكار فكري أو نصر عسكري وكسب سياسي)، بل بسبب الضغط الخارجي الذي جسدته الصدمة اة، منذ التحدي الغربي الحديث وحملاته ومعارك تدخله. ولم يخرجوا بعد من هذا الوضع، ولا من طرح السؤال نفسه كلما استشعروا أزمة الحاضر، وعجزوا عن مواجهة المتغيرات الحديثة للعالم الخارجي المؤثرة في واقعهم الداخلي. لم ينبثق سؤال العرب النهضوي من الداخل بل فرض عليهم من الخارج.
بدأت النهضة العربية الأولى في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، وكانت نهضة شملت الميادين الدينية والسياسية والاجتماعية والثقافية؛ دينبيا ظهرت دعوات سلفية و تجديدية.سياسيا تمثلت على المستوى الرسمي بالتنظيمات العثمانية، شملت الجيش والإدارة والبنية التحتية بإصلاحات محمد علي في مصر، شملت مختلف الميادين حتى مطلع القرن التاسع عشر، ثم تونس خير الدين باشا، حتي سقوطها تحت الاحتلال 1881. فكريا أعجب النهضويون العرب بالتجربة السياسية الأوربية، وبالفكر الليبرالي الغربي، وتبنوه بنهج التوفيقية ،الجمع بين الأصالة والمعاصرة، الماضي والمعاصرة بكل حضورها التاريخي. اجتماعيا تيقنوا من تخلف مجتمعاتهم وبحثوا عن الأسباب. طغى على مفكري النهضة في المرحلة الثانية الخوف على الهوية بسبب الغزو العسكري وفرض الحماية الأوربية في معظم الأقطار، بالضم والإلحاق والتغلغل على مختلف الأصعدة، انعكس على الحركات الدينية التي تبنت سلفية جديدة، ليتوقف تيار التجديد الإسلامي.
كانت الإجابة الثقافية لرواد الحركة النهضوية موزعة بين الوفاء للتقليد والانخراط في المشروع الثقافي الغربي. أسلوب تفكير بمنطق التعليل الثنائي الذي يبعد الوقائع عن صيرورتها التاريخية والحضارية، لغياب منطق التطور التاريخي، كما ارتبط هذا التفكير كذلك بمحاولة تأسيس الدولة الحديثة، وظهور الشيخ المستنير الذي كان مستعدا لمواكبتها، للخروج من المفهوم التقليدي للحكم، متخذا من نموذج الدولة المدنية الأوربية مثالا في الحقوق والواجبات، لأنه كان يهدف أساسا إلى تقوية الدولة إزاء تحديات الدول الأوربية الاستعمارية. ولم يكن تحرك العرب سوى استجابة شرطية لبؤس الذات في علاقتها بالآخر، جذور هذا الوضع تمتد لعمق التاريخ الحديث، تاريخ الأزمة الواقعية للمدنية العربية، بما هو تاريخ إزاحة الجماعة من ساحة المبادرة والفعل والمشاركة العالمية. وفي هذا الوضع بالذات ما يحول وطرح السؤال الصحيح، سؤال الانطلاق للتأسيس لبداية ومعرفة جديدين يحطمان صورة الاتباع قصد التأسيس لوعي تاريخي بالمستقبل. بدأ الاحتلال المباشر بعد أن نشأت ظروف ومعطيات جديدة في العصر الحديث، حين بلغت التكنولوجية الرأسمالية وأساليبها التنظيمية درجة عالية من التقدم مع نشوء الكولونيالية والإمبريالية وقانونية هذه الأخيرة القائمة على إعادة بناء العالم، بما في ذلك البقعة العربية، وفق احتياجاتها الاقتصادية والسياسية والإيديولوجية، بمعنى أن المسألة تتعلق بإدماج الاقتصاد بكيفية تراعى فيها حاجيات الدولة المستعمرة، ويخضع لمقاييس المردودية الناتجة عن الثروات القابلة للاستغلال. الإطار الذي يطرح فيه عبد الله العروي إشكالية الاستعمار إطار جماعي وعملي غير تجريدي، يتجاوز منطق القرن التاسع عشر حيث أضحت الأنا خارج التاريخ، أمام زحف المدنية الغربية وما رافقها من علم وعقل وحرية وتنظيم وإنتاج، بحثا عن حل فكري للمشكلات العملية باللجوء إلى التاريخ الباطني، كتحليل مفروض على الأنا في إطار وضعها. يتسبب حكم الاستعمار المباشر في مشكلات أخرى. يجلب إلى البلاد جالية أجنبية لا تلبث أن تطلب بحكم ذاتي ثم بمقاسمة السيادة، يدخل نظاما علمانيا منافيا للأعراف وتقاليد الأغلبية الأصلية، ينهب الشعوب ويحولها إلى مصدر أساسي للمواد الأولية وللقوى العاملة، ويفتح آفاقا بعيدة وشاملة أمام حركة تسويق البضائع، وما لا يجب نسيانه هو أنه يفوت المناسبات ويضيع الفرص، لكنه في نفس الوقت:" يحطم التنظيمات التي من طبيعتها عرقلة كل تغيير، ويحرر، رغما عنه، قوى جديدة تستطيع وحدها مصارعته والتفوق عليه." الحداثة كمفهوم لم يعرف إلا مع نظام الحماية:" إن الاحتلال الاستعماري يشكل نقطة الانفصام الحقيقية بين العصر الوسيط والأزمنة الحديثة في التاريخ العربيأسهم الاستعمار في عمران البلدان العربية على غير مستوى، فالأوضاع التاريخية وأنماط الإنتاج وطرق العيش، لم يلحقها أي تغيير بصفة جذرية حتى هذا العصر، حيث وضع المجتمعات الموسومة بالعجز الذاتي والقصور الفكري على قاطرة الانخراط. وعلى أنقاضها سوف ينطلق مسلسل قواعد التحديث السياسي في التجربة التاريخية العربية، في القرن العشرين الذي شهد ولادة دول عربية مستقلة، تبحث عن هويتها وسبل تطورها.

خديجة صبار03.07.2016 | 17:09 Uhr