الحرب في سوريا

الأسد يُجوِّع المدنيين - ولا أحد يوقفه عند حدِّه

يرتكب الديكتاتور السوري بشار الأسد جرائم حرب ممنهجة، من دون أن يتم إيقافه عند حدِّه. وفي الوقت نفسه لا يتضح فشل المجتمع الدولي في أي مكان آخر مثلما هي الحال في سوريا. الصحفي الألماني باول-أنطون كروغر يسلط الضوء في تعليقه التالي على فشل المجتمع الدولي إزاء جرائم النظام السوري.

تنصُّ اتِّفاقيات جنيف بكلِّ هذا الوضوح والصراحة على أنَّ تجويع المدنيين كوسيلة في إدارة الحرب يعتبر أمرًا محظورًا. والإخلال بذلك يمثِّل جريمة حرب، حتى في الصراعات الداخلية. غير أنَّ هذا الأمر يعتبر في سوريا ممارسة شائعة، منذ عدة أعوام. وفي هذه الأثناء أيضًا بات ينطبق هذا على جميع الأطراف المشاركة في الحرب السورية. يتم استخدام هذه السياسة الوحشية وغير الإنسانية بشدة من قبل المتمرِّدين وكذلك من قبل ميليشيات تنظيم "الدولة الإسلامية" الإرهابي.

  ولكن لا يوجد أي طرف يستخدم حصار المناطق المدنية والقصف العشوائي والتجويع بمثل هذا الشكل الممنهج كسلاح مثلما يستخدمه نظام بشار الأسد والميليشيات المتحالفة معه، مثل حزب الله الذي يتم توجيهه من قبل إيران. فعندما يفقدون السيطرة على منطقة ما، فعندئذ يحاولون وبجميع الوسائل تحويل حياة الناس هناك إلى جحيم.

وصلت يوم الإثنين 11 / 01 / 2016  أربعٌ وأربعون شاحنة من اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى مدينة مضايا، التي يسيطر عليها معارضو النظام والواقعة عند الحدود مع لبنان. وهنا لم يحصل الأهالي البالغ عددهم اثنين وأربعين ألف نسمة على أية مساعدات إنسانية منذ شهر تشرين الأوَّل/أكتوبر 2015. مما اضطرهم إلى أن يأكلوا العشب وأوراق الشجر ولحم الكلاب والحمير.

 من الصعب التَّحَقُّق مما إذا كانت الصور المروِّعة للأطفال الضعفاء المُجَوَّعين، التي يتم تناقلها على شبكة الإنترنت وفي قنوات التلفزة العربية، جميعها في الحقيقة من مدينة مضايا. ومع ذلك فإنَّ منظمة الإغاثة "أطبَّاء بلا حدود" قد سجَّلت منذ الأوَّل من شهر كانون الأوَّل/ديسمبر 2015 ما لا يقل عن ثمانٍ وعشرين حالة، توفي فيها أشخاص هناك بسبب الجوع أو سوء التغذية.

 جريمة حرب

 لا يهم إن كان المتمرِّدون حقًا يخزنون المواد الغذائية لمقاتليهم، مثلما يدَّعي النظام. لا شيء يمكن أن يُبَرِّر هذا الحصار المستمر منذ عدة أشهر. وكذلك لا شيء يُبَرِّر قيام متمرِّدي حركة "أحرار الشام" الأصوليين، المدعومة من قبل المملكة العربية السعودية، بفعل الشيء نفسه في القرى الشيعية التي يحتفظ بها النظام. وذلك لأنَّ الضحايا هم دائمًا من المدنيين العُزَّل، الذين لم يكن لديهم أي خيار لاختيار الطرف الذي يعيشون تحت حكمه. وفي البداية يموت دائمًا الأشخاص الأكثر ضعفًا: أي الأطفال والأمَّهات والشيوخ والمرضى.

Einwohner von Madaja warten auf die Ankunft internationaler Hilfskonvois; Foto: Getty Images/AFP/Stringer
في انتظار شحنات المساعدات الإنسانية الدولية - نظرًا إلى المجاعة في مدينة مضايا تريد الأمم المتَّحدة إنقاذ مئات الأهالي من الموت في هذه المدينة السورية المحاصرة. يوجد نحو أربعمائة مصاب مهدَّدين "بخطر الموت"، ويجب "على الفور" إخراجهم من المدينة ورعايتهم، مثلما قال وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية ومنسِّق الإغاثة في حالات الطوارئ ستيفن أوبراين. ولكن - مثلما أضاف - المفاوضات مع أطراف النزاع صعبة. وكذلك وصف ممثِّلٌ للمفوَّض السامي لشؤون اللاجئين التابع للأمم المتَّحدة حالة البؤس في مضايا بأنَّها غير مسبوقة.

يعيش حاليًا بحسب معلومات الأمم المتَّحدة أربعمائة ألف شخص سوري تحت الحصار، أي بمعدَّل مائة وستين ألف شخص أكثر مما كانت عليه الحال قبل عام. والنصف تقريبًا محاصرون من قبل قوَّات النظام، وهناك أيضًا نحو مئتي ألف شخص محاصرين من قبل تنظيم "الدولة الإسلامية" في مناطق النظام بالقرب من مدينة دير الزور، بالإضافة إلى نحو عشرين ألف شحص محاصرين من قبل المتمرِّدين. لا يظهر فشل المجتمع الدولي في أي مكان آخر بمثل هذا الوضوح مثلما يظهر في مصائر هؤلاء المحاصرين.

 الأسد لا يخاف من مجلس الأمن الدولي

 صحيح أنَّ مضايا أدَّت إلى صرخات دولية، مثلما كانت الحال من قبل مع حصار مخيم اليرموك أو حمص. إلاَّ أنَّ هذا لم يساعد في تطبيق قرارات مجلس الأمن الدولي، الداعية إلى وصول منظمات الإغاثة من دون عوائق. روسيا وإيران لا تفعلان أي شيء من أجل إجبار النظام على الالتزام بهذه القرارات. وبحسب الأمم المتَّحدة لا تتم الموافقة إلاَّ على عُشْر طلباتها من أجل إيصال المساعدات إلى المناطق المحاصرة. وكذلك لا يمارس السعوديون الضغط الضروري من أجل ضبط المتمرِّدين.

 الهدن وعمليات وقف إطلاق النار المحلية التي تتم بوساطة من الأمم المتَّحدة، وغالبًا ما تكون الفرصة الوحيدة لمساعدة الناس المحتاجين، هي في العادة ليست سوى تنازلات من المتمرِّدين يتم فرضها بفعل الحصار. والنظام يسجلها على أنَّها نجاحات مثلما كانت الحال في حمص؛ وينتابه شعور بالشجاعة ليضع المحاصرين في أي مكان آخر أمام هذا الخيار: "إمَّا أن تستسلموا - أو أن تتم إبادتكم".

 الأسد لا يخاف من مجلس الأمن الدولي. ففي حين تصل شاحنات الصليب الأحمر إلى مضايا، يقوم الأسد بتشديد الخناق على المعضمية، وهي ضاحية من ضواحي ريف دمشق، وقد قام النظام بضربها في عام 2013 بأسلحة كيماوية. غير أنَّ المحاصرين لا يُسعفهم الأمل الواهي المعقود على أنَّ المحكمة الجنائية الدولية يمكن في يوم ما أن تُحاسب مُعَذِّبيهم.

 

باول-أنطون كروغر

ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: زود دويتشه تسايتونغ / موقع قنطرة ar.qantara.de 2016

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.