انقياد شعبوي لشخصية "القائد الملهم"

ومن أهم أدوات التي تعزز الانقياد الشعبوي لشخصية "القائد الملهم" هي الإنجازات على أرض الواقع. وقد كان بحوزة عبد الناصر من الأرقام ما يجعله يدلل على نجاح سياساته، حيث كان يتحدث باعتزاز عن النمو في المؤسسات الصناعية، والزيادة في إنتاج النسيج، ومضاعفة إنتاج الحديد، وبرنامج الكهرباء، وصناعة أجهزة الراديو، والتجميع الصناعي للشاحنات، ونمو قوة الجيش، وإنجاز السد العالي والمشاريع الزراعية المرتبطة به، والحضور المميز لمصر دولياً، وغير ذلك مما كان له وزن كبير في زمانه، وهو أمر موازن (إذا راعينا الفوارق الزمنية) للنقلة الاقتصادية التي حققتها تركيا إبان حكم حزب العدالة والتنمية، أي عملياً تحت حكم إردوغان، الذي ما ينفك يفاخر بها أمام جمهوره، تلك الإنجازات التي جعلت تركيا تتبوأ مركزا متقدما ضمن أقوى عشرين اقتصاد في العالم، بدايةً من إصلاح النظام النقدي، مروراً بمشاريع البنية التحتية العملاقة، وصولاً إلى إعلان عن مشروع "تركيا الجديدة 2023".

إردوغان يحيي أنصاره
"من أهم أدوات ترسيخ الحكم المطلق هو الاستناد إلى أيديولوجية مناسبة قادرة على شد الجمهور... وفي حالة إردوغان فقد تمثل ذلك في الإسلام السني مع توظيف للإرث العثماني كحاضنة تاريخية للأتراك والأكراد والعرب وقوميات أخرى في زمن تصاعد الخطاب الديني كحل للخراب الذي خلفته سنوات حكم "القوى العلمانية" الطوال في كافة المجالات، جرى ذلك بالتلازم مع صعود إيران-الشيعية وارتفاع حدة الاستقطاب السني-الشيعي".

ويشترك الاثنان في كرههما لوجود شخصية منافسة على الزعامة، أي ينتميان إلى "شخصية الديك" إن جاز التعبير. تلازم ذلك مع حالة عبد الناصر بتهويل المؤامرات على حياته. ويجمع معظم السياسيون السوريون ممن كان لهم حضور سياسي في دولة الوحدة على تأكيد انتهاجه لسياسة إقصائية بحق أي شخص قد يفترض أن يكون منافساً مستقبلياً له، هذا على الجانب السوري.

أما على الجانب المصري فقد تمت العملية على دفعتين رئيستين، الأولى بعد حادثة المنشية 1954 (محاولة اغتيال عبد الناصر)، وقدمت المصوغ لاقتلاع جماعة الإخوان المسلمين من المشهد السياسي والاجتماعي المصري؛ والثانية بعد الهزيمة الكبرى أمام إسرائيل 1967 وما أعقبته من تصفيات وإبعاد، كالتخلص من الرجل الثاني في النظام المصري آنذاك، المشير عبد الحكيم عامر (1967)، ومن ثم اعتزال الرجل الثالث في النظام المصري، زكريا محيي الدين، العمل السياسي (1968). حتى إذا ما توفي عبد الناصر (1970) لم يبقَ من رجال الدولة المصرية شخصية ترتقي لخلافته سوى نائبه محمد أنور السادات، وهو نفسه صاحب شخصية خلقت إشكاليات كبرى أكثر من عبد الناصر نفسه، نتيجة صفقة السلام مع إسرائيل (كامب ديفيد 1978).

وعلى الضفة الأخرى يمكن لمتابع الأوضاع السياسية في تركيا أن يقارب ذلك مع تسلسل خروج بعض القيادات التاريخية لتركيا أو لحزب العدالة والتنمية في تركيا-إردوغان من المشهد السياسي بطريقة مشابهة لتجربة مصر-عبد الناصر، فكان خروج عبد الله غل (شريك إردوغان في تأسيس حزب العدالة والتنمية ورئيس تركيا السابق) من الواجهة السياسية، ومن ثم إعلان أحمد داود أوغلو اعتزاله عالم السياسة، أقوى الأمثلة على صحة هذه المقاربة. وقدمت المحاولة الانقلابية الفاشلة ضد إردوغان (صيف 2016) "المبرر الدستوري" له للتخلص دفعة واحدة ممن يستشعر خطرهم على النظام التركي، وطالت حملة المداهمات المؤسسات كافة.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.