نوعية من الرجال محيطة بالقائد من فئة "أمرك مولاي"

وتدريجياً، أصبحت نوعية الرجال المحيطة به من فئة "أمرك مولاي"، ينفذون الأوامر دون تردد أو نقاش، وتلاشت عند بعضهم الحدود المعقولة بين إظهار الطاعة وبين المبالغة في التملق، فيطيلون شواربهم إذا سمعوا أنه قد امتدح الشارب العثماني. هذه النوعية بالذات أوصلت عبد الناصر إلى حتفه، كما قادت مصر إلى الحضيض الذي تعيشه حالياً. إذا يحضر سؤال: من سيتولى مقادير البلاد حال أصاب "الزعيم" حادث طارئ، سيما وأن معاييره لانتقاء الرجال المحيطين به قد اعتمدت أساساً على ضعف الشخصية وانتفاء الصفات القيادية؟

صورة بالألوان لجنازة عبد الناصر 1970- تصوير برونو باربي
"من أهم أدوات التي تعزز الانقياد الشعبوي لشخصية "القائد الملهم" هي الإنجازات على أرض الواقع. وقد كان بحوزة عبد الناصر من الأرقام ما يجعله يدلل على نجاح سياساته، حيث كان يتحدث باعتزاز عن النمو في المؤسسات الصناعية، والزيادة في إنتاج النسيج، ومضاعفة إنتاج الحديد، وبرنامج الكهرباء، وصناعة أجهزة الراديو، والتجميع الصناعي للشاحنات، ونمو قوة الجيش، وإنجاز السد العالي والمشاريع الزراعية المرتبطة به، والحضور المميز لمصر دولياً، وغير ذلك مما كان له وزن كبير في زمانه".

تنبؤ بمسارات الرياح الدولية

ويقدم تعامل الرجلين مع الوضع الدولي جانباً مفيداً لمقارنة أوجه الشبه بينهما. فقد كان عبد الناصر بارعاً إلى حد ما في الإفادة من تغير موازين القوى عقب نهاية الحرب العالمية الثانية 1945، فاستغل بدايةً التنافس الأمريكي-البريطاني لضمان موقف أمريكي مؤيد (أو صامت في الحد الأدنى) للحركة العسكرية التي أطاحت بالملكية المصرية المدعومة من بريطانيا 1952، ومن ثم تقديره صائباً في أن أمريكا ستعارض أي عدوان على مصر جراء تأميم قناة السويس، وتجسد ذلك في موقفها إزاء العدوان الثلاثي 1956، كما أمكن له أن يفلت من الوقوع مباشرة تحت رحمة الأمريكي في مواجهة السوفيتي عن طريق المفاوضة والمساومة بينهما. ولم تكن سياسته هذه خافية على الإدارة الأمريكية، إذا تكشف الوثائق أنها قد حاولت بدورها استغلال لجوئه إليها لتركب موجة الثورة المصرية، ومن ثم الاستفادة منها لإقصاء النفوذ البريطاني والفرنسي، وبعدها محاولة إبعاده عن السوفييت للانفراد به والمزايدة عليه في مواضيع متعددة مصرية وإقليمية.

أما تركيا التي استفادت بصورة كبيرة من التنافسات الدولية في القرن العشرين ونالت مساعدات كثيرة من الغرب جراء اشتراكها في عضوية أحلافه العديدة، فقد تغيرت الأوضاع بصورة متسارعة في زمن إردوغان. وأكدت الأزمة السورية للسياسيين الأتراك أن التحالف طويل الأمد مع الغرب قابل بدوره للتعديل، لا سيما مع استمرار الرفض غير المعلن لقبول عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي. وهنا يمكن القول إن السياسيين الأتراك قد تفوقوا على نظرائهم العرب والإيرانيين في التنبؤ بمسارات الرياح الدولية.

ففي الوقت الذي كانت فيه أنظمة الخليج العربي مطمئنة لتحالفها مع أمريكا، وقّعت الأخيرة الاتفاقية النووية مع خصمهم إيران. حتى إيران ذاتها، تنازلت عن مشروعها النووي في مفاوضات مع الغرب في أيام ليست أحسن أيامه. وفي المحصلة قدمت الأزمة السورية خدمة جليلة للسياسة التركية لإعادة ترتيب توجهاتها السياسية الخارجية والمنافع المحتملة، فناورت ورمت أوراقها على طاولة المفاوضات مع الغرب للموافقة على الانضمام للاتحاد الأوروبي، ومنها ورقة اللاجئين وتحكمها بمرورهم إلى أوروبا، وكان اختبار الشد على الأعصاب إثر إسقاط الطائرة الروسية، تلك الحادثة التي أفضت إلى تأكيد وجهة نظر الأتراك القائلين بأن الغرب بات في مرحلة يجيد فيها التنديد والقلق فقط، وأن زمن توجيه الأشرعة في اتجاه جديد قد آن.

أنصار إردوغان
"من أهم أدوات التي تعزز الانقياد الشعبوي لشخصية "القائد الملهم" هي الإنجازات على أرض الواقع...وإذا راعينا الفوارق الزمنية للنقلة الاقتصادية التي حققتها تركيا إبان حكم حزب العدالة والتنمية، أي عملياً تحت حكم إردوغان، فإن الأخير ما ينفك يفاخر بها أمام جمهوره، تلك الإنجازات التي جعلت تركيا تتبوأ مركزا متقدما ضمن أقوى عشرين اقتصاد في العالم، بدايةً من إصلاح النظام النقدي، مروراً بمشاريع البنية التحتية العملاقة، وصولاً إلى إعلان عن مشروع "تركيا الجديدة 2023"".

وجرى توظيف محاولة الانقلاب الفاشلة كمبرر قوي لتنفيذ السياسة الجديدة، فخرجت بعض وسائل الإعلام التركية باتهامات للغرب بضلوعه في الانقلاب، وبأن أوروبا تستضيف كوادر حزب العمال الإرهابي في حين تستضيف أمريكا فتح الله غولن المتهم الرئيس بمحاولة الانقلاب، وسرعان ما أدار إردوغان دفة سفينة السياسة التركية لتسير في مسار يتناسب مع رياح الشمال التي هبت من روسيا، وأمكن له استغلال الخلافات الدولية لإصلاح العلاقات التركية-الروسية المتدهورة، وبدأ إردوغان بتقديم بعض التنازلات لروسيا في الملف السوري، في حلب تارة، وعلى حساب دعم المعارضة السورية تارة أخرى، مقابل مساعدتها في الملف الكردي السوري والأمني التركي.

ونذكر هنا أن هذا النوع من "اللعب" خطير ويحتمل مواجهة أحد أنداد الصراع الدولي بشكل منفرد حال مالت كفة لصالحه، فيفتح "الحليف" المفترض دفتر الحسابات القديم. هي حالة واجهها عبد الناصر في ظرف تاريخي أفضى إلى أكبر هزيمة عسكرية حلت بمصر عام 1967.

أخيراً، استمر عبد الناصر في السلطة مدة 18 عاماً حتى موته 1970، أنفق منها 16 كرئيس جمهورية محتفظاً لنفسه بكرسي رئاسة الوزراء أيضاً. يبدو أن إردوغان ماضٍ في الطريق ذاتها.

 

 

حسام الحسون

حقوق النشر: موقع قنطرة 2017

ar.Qantara.de

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.