السياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة العربية والإسلامية

ترامب بعكس أسلافه لم يتظاهر بالتسامح مع المسلمين

بدلا من اتباع سياسة أسلافه وإخفاء إخفاقات السياسة الخارجية الأمريكية المستخدِمة للقوة ضد المسلمين في الخارج والتظاهر بالتسامح معهم في الداخل، تسعى سياسة ترامب بصراحة لتحقيق أولويات بلاده. وهذا يشمل دعم الاحتلال الإسرائيلي غير الشرعي لفلسطين ومحاربة "الإرهاب" الذي حل محل الخطر الشيوعي والتحرر من الاعتماد على النفط. ولكن إذا كانت هذه السياسة في جوهرها غير جديدة إطلاقا، فلماذا لم يعارضها الناس في وقت سابق؟ ولماذا يخرجون ضدها الآن فقط؟ الإجابة في تحليل الباحثة ميشانا حسينيون.

أثار قرار حظر دخول رعايا سبع دول إسلامية إلى الولايات المتَّحدة الأمريكية حالة ذعر كبيرة. فبعد المسيرة النسائية التي خرجت ضدَّ تنصيب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، انفجرت بسبب هذا الحظر موجةٌ ثانيةٌ من الغضب، تعكس في الوقت نفسه الوضع الداخلي في الولايات المتَّحدة الأمريكية. وتكشف ليس فقط عن إخفاقات الإدارة الأمريكية الحالية، بل وحتى عن إخفاقات أسلافها في التعامل مع أعراض سياسة الغرب تجاه الشرق الأوسط المعروفة بقصر النظر.

في وسائل الإعلام وفي الخطاب العالمي يُنظر إلى حظر السفر إلى الولايات المتَّحدة الأمريكية باعتباره انحرافًا في السياسة الأمريكية. غير أنَّه ليس نتيجة خاصة لطريقة تفكير دونالد ترامب الانعزالية. وهو ليس مؤشِّرًا يشير إلى أجندة أمريكية جديدة، بل يشير إلى استراتيجية الأمن القومي المكشوفة، التي تُعزِّز موقف "الغرب ضدَّ بقية دول العالم".

ومرسوم ترامب الرئاسي يقضي بمنع دخول مواطني سبع دول ذات غالبية مسلمة في الشرق الأوسط، تم اختيارها من قائمة "الدول الفاشلة" في المنطقة، والتي أصدرها الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما. وهذا المرسوم يأتي كمحاولة من أجل التخلـُّص من فوضى التعدِّيات الغربية في المنطقة.

سياسة ترامب الخارجية الصريحة

بدلاً من اتِّباع سياسة أسلافه في الإدارة الأمريكية وإخفاء إخفاقات سياستهم الخارجية الخاصة مع استخدام القوة ضدَّ المسلمين في الخارج والتظاهر في الوقت نفسه بالتسامح مع المسلمين في داخل البلاد، فإنَّ سياسة ترامب الجديدة تسعى في الواقع وبصراحة إلى تحقيق أولويات الولايات المتَّحدة الأمريكية وأهدافها الجيواستراتيجية القائمة. وهذا يشمل في المقام الأوَّل دعم الاحتلال الإسرائيلي غير الشرعي لفلسطين، وكذلك محاربة "الإرهاب"، الذي حلَّ محل الخطر الشيوعي، والتحرُّر من الاعتماد على النفط.

دونالد ترامب مع باراك أوباما.
نقطة تحوُّل ذات عواقب سياسية لا يمكن توقُّعها بالنسبة للمجتمع الدولي: بعد انتخاب ترامب شعر الكثيرون من الناس للمرة الأولى بأنَّهم معنيون شخصيًا؛ فإمَّا أنَّهم متضرِّرون من قرار حظر السفر أو أنَّهم يعرفون شخصًا ما ينطبق عليه هذا القرار. وحتى الآن كان بإمكان الناس البقاء بمنأى عن العواقب الأخلاقية للحروب ومهماتها الموجَّهة توجيهًا خاطئًا بعد الحادي عشر من أيلول/سبتمبر. ولكن الآن باتت نفسيَّتهم الجماعية تفقد توازنها نظرًا إلى ازدواجية المعايير الأمريكية.

بعد أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر أصبحت أشكال التمييز المطبوعة بطابع مؤسَّساتي في الولايات المتَّحدة الأمريكية السمة الأساسية للسياسة الأمريكية، ويجب النظر إليها على هذا النحو. ولكن إذا كانت هذه السياسة في جوهرها غير جديدة على الإطلاق، فلماذا لم يعارضها الناس في وقت سابق؟ ولماذا يخرجون ضدَّها الآن فقط؟

للمرة الأولى يشعر الكثيرون من الناس بأنَّهم معنيون شخصيًا: فإمَّا أنَّهم متضرِّرون من قرار حظر السفر أو أنَّهم يعرفون شخصًا ما ينطبق عليه هذا القرار. وحتى الآن كان بإمكان الناس البقاء بمنأى عن العواقب الأخلاقية للحروب ومهماتها الموجَّهة توجيهًا خاطئًا بعد الحادي عشر من أيلول/سبتمبر. ولكن الآن باتت نفسيَّتهم الجماعية تفقد توازنها نظرًا إلى ازدواجية المعايير الأمريكية.

التعتيم والنفاق المنهجيَّين

لقد حرَّك هذا المرسوم الناس أيضًا بسبب طريقة إصداره الخالية من الحدِّ الأدنى من اللياقة السياسية. فحتى الآن كانوا معتادين على تكتيكات التضليل الأكثر دقة من جانب إدارة ذات ميول أقرب إلى اليسارية. وعلى الرغم من جرس الإنذار، الذي انطلق بسبب ما يعرف باسم "حظر المسلمين" وردَّة الفعل المضادة من جانب القضاء الأمريكي، التي حاولت الحدَّ من سلطة الرئيس دونالد ترامب التنفيذية، لكن مع ذلك لا أحد تقريبًا يريد رؤية المشكلات في سياق أوسع.

لماذا لا يحتجُّ الناس على استهداف المسلمين وقتلهم في الخارج من قِبَل القوَّات الغربية، أو على انتهاك الحقوق المدنية في داخل بلادهم؟ هنا يظهر العمى الانتقائي الناجم عن التعتيم والنفاق المنهجيَّين. وهنا نظريَّات "التفاحة السيئة"، التي تحمِّل المسؤولية عن الأخطاء والإخفاقات للفرد، على سبيل المثال دونالد ترامب، تُبرِّئ النظام ومكوِّناته من المشاركة في هذا الفشل الذريع.

رؤساء الدول الأجنبية - بمن فيهم رئيسة الوزراء البريطانية والعديد من رؤساء حكومات دول الاتِّحاد الأوروبي، الذين أدانوا مرسوم ترامب، يغسلون أيديهم مع مثل هذه الممارسات التمييزية في الطهارة والبراءة. فالاتِّحاد الأوروبي خاصة غارق في مستنقع أزمة اللاجئين الإقليمية، التي يريد دائمًا التهرُّب من تحمُّل المسؤولية عنها. إذ إنَّ انسحاب بريطانيا من الاتِّحاد الأوروبي يرمز في الوقت نفسه إلى هذا التهرُّب. وأوروبا تضع سياستها الخاصة بالهجرة تحت أجندة مشتركة لمكافحة الإرهاب. وهكذا يتم تجريم الناس، الذين يحاولون الهرب من الأزمات والصراعات، التي توجد للفاعلين الأوروبيين يدٌ فيها.

مواطنون أمريكيون ضد حظر الهجرة الذي تبناه ترامب.
مقاومة ضدَّ "ترامبية" الولايات المتَّحدة الأمريكية: "لقد حرَّكت الناس طريقة إصدار مرسوم ترامب لحظر السفر على المسلمين، الخالية من الحدِّ الأدنى من اللياقة السياسية. فحتى الآن كانوا معتادين على تكتيكات التضليل الأكثر دقة من جانب إدارة ذات ميول أقرب إلى اليسارية. وعلى الرغم من جرس الإنذار، الذي انطلق بسبب ما يعرف باسم "حظر المسلمين" وردة الفعل المضادة من جانب القضاء الأمريكي، التي حاولت الحدَّ من سلطة الرئيس دونالد ترامب التنفيذية، لكن مع ذلك لا أحد تقريبًا يريد رؤية المشكلات في سياق أوسع"، بحسب انتقاد ميشانا حسينيون.

ترسيخ العداء بين الشرق والغرب

وكندا باعتبارها الجار المباشر للولايات المتَّحدة الأمريكية تستغل الفرصة لتصدر دعوة لجميع اللاجئين المرفوضين من أمريكا. وهذا مناسب تمامًا للشعار الذي رفعه الديمقراطيون الأمريكيون أثناء الحملة الانتخابية معلنين من خلاله عن أنَّهم سيهاجرون -في حالة انتخاب ترامب- إلى كندا. وهذه اللفتة الكندية السخية في الظاهر تُعطي فكرة خاطئة عن ثغرة أمنية داخلية، يتم بموجبها استبعاد "بعض اللاجئين الذكور" من دعوة اللاجئين، مما يجعل هذا العرض الكندي ليس ذا قيمة.

صحيح أنَّ دعوة المخرج الإيراني الحائز على جائزة الأوسكار، أصغر فرهادي، إلى مقاطعة حفل توزيع جوائز الأوسكار لهذا العام  2017 حتى لو تم إلغاء حظر السفر إلى الولايات المتَّحدة الأمريكية، قد جاءت بنية حسنة، بيد أنَّها تعمل فقط على ترسيخ العداء بين الشرق والغرب. واستجابةً منها لنداءات أخرى من هذا القبيل مثل دعوة المخرج أصغر فرهادي، المتضرِّر شخصيًا من قرار حظر السفر، فقد أعلنت "أكاديمية الفنون وعلوم الصور المتحرِّكة" عن ​​"دعمها للمخرجين السينمائيين ولحقوق جميع الناس في جميع أنحاء العالم".

ومع أنَّ مثل هذه التصريحات المقاومة -من حيث المبدأ- يمكن فهمها كإشارة تشير لنمو روح عابرة للحدود ومناهضة للتمييز؛ ولكنها في الوقت الراهن لا تزال مجرَّد فكرة مبتذلة.

 

ميشانا حسينيون

عن الألمانية ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: أوبن ديموكراسي/  موقع قنطرة 2017

ar.Qantara.de

 

ميشانا حسينيون هي عضو مشارك في قسم العلوم السياسة والعلاقات الدولية وكذلك في كلية سانت أنتوني في جامعة أكسفورد، حيث حصلت على درجة الدكتوراه في عام 2014 من كلية الجامعة. وتعمل رئيسة لشركة المجموعة الدولية للاستشارات MH. وصادر لها عن دار نشر بالغريف ماكميلان كتابها "قبل مطلع النهار - مفارقة التقدُّم في الشرق الأوسط".

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.