الشعبوية واليمين المتطرف في أوروبا وأمريكا

كيف نتحدث لليمين المتطرف دون أن نصاب بالجنون؟

في السابق لم يكن اليمينيون المتطرفون يتمتعون بأي مكانة في المجتمعات الغربية، بل كانت هذه تدفعهم إلى هوامشها بحكم الذاكرة الجمعية لفظائع النازية والفاشية. الباحث إيان بوروما يرى أن ذلك تغير. فكثيرا ما نجد يمينيين متطرفين، خصوصا في أوروبا، يرتدون حللا أنيقة، ولا يصرخون أمام حشود غوغائية، بل يتحدثون ببراعة في التلفزيون والإذاعة، ويستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي بمهارة، بل ويتمتع بعضهم بحس الدعابة.

يشترك العديد من الشعبويين اليمينيين في شكل غريب من أشكال رثاء الذات: الشعور بكونهم ضحية وسائل الإعلام الليبرالية، والأكاديميين، والمفكرين، والخبراء ــ باختصار من قِبَل ما يسمى بالنخب. ويعلن الشعبويون أن النخب الليبرالية تحكم العالم وتهمين على الوطنيين العاديين وسط أجواء من الازدراء المتغطرس.

وهذه في نواح ٍ كثيرة رؤية عتيقة. فلم يَعُد الليبراليون أو اليساريون يهيمنون على السياسة. وقبل فترة طويلة توارى النفوذ الذي كانت تتمتع به ذات يوم صحف يسار الوسط الكبرى، مثل نيويورك تايمز، وذلك بفِعل مضيفي الحوارات الإذاعية، ومحطات تلفزيون الكابل اليمينية، وصحف التابلويد، التي يملكها إلى حد كبير روبرت مردوخ في العالم الناطق باللغة الإنجليزية)، ووسائط التواصل الاجتماعي.

إيان بوروما أستاذ في شؤون الديمقراطية وحقوق الإنسان والصحافة.  (photo: Merlijn Doomernik; source: ianburuma.com)
إيان بوروما أستاذ جامعي في شؤون الديمقراطية وحقوق الإنسان والصحافة. وهو مؤلف العديد من الكتب، بما في ذلك كتاب "قتل في أمستردام: مقتل تيو فان جوخ وحدود التسامح"، وصدر له أيضا كتاب: "السنة صفر: تأريخ لعام 1945".

عصرنا الشعبوي

ولكن النفوذ ليس كمثل الحظوة والمكانة. فلا تزال الصحف الكبرى، مثلها في ذلك كمثل الجامعات الكبرى، تتمتع بمكانة أعلى من الصحافة الأكثر شعبية، وينطبق الشيء نفسه على التعليم العالي. وتفتقر صحيفة "صن" أو صحيفة "بيلد" إلى الاحترام الذي تحظى به صحف مثل فاينانشال تايمز أو فرانكفورتر العامة، ولا تستطيع الكليات الإنجيلية في المناطق الريفية في الولايات المتحدة أن تنافس هارفارد أو ييل.

في عصرنا الشعبوي، تثير المكانة الاجتماعية قدرا من الحسد والسخط أكبر من ذلك الذي يثيره المال أو الشهرة. فالرئيس دونالد ترمب، على سبيل المثال، رجل فاحش الثراء، وكان أكثر شهرة من أي من منافسيه على منصب الرئاسة في الولايات المتحدة، بما في ذلك هيلاري كلينتون. ولكنه يبدو رغم ذلك وكأنه في غضب دائم تقريبا ضد الناس الذين يتمتعون بمكانة فكرية أو اجتماعية أكبر من مكانته. والواقع أن حقيقة اشتراكه في هذا السخط مع الملايين من الناس الذين هم أقل حظا تقطع شوطا طويلا نحو تفسير نجاحه السياسي.

اليمين المتطرف...من الهامش إلى الصدارة

حتى وقت قريب، لم تكن الشخصيات المنتمية إلى اليمين المتطرف تتمتع بأي هيبة أو مكانة على الإطلاق. بل كانت أغلب المجتمعات تدفعهم إلى هوامشها بسبب الذكريات الجمعية لفظائع النازية والفاشية، وكان مثل هؤلاء الرجال (لم يكن بينهم أي نساء تقريبا) تحيط بهم أجواء قذرة كتلك التي تحيط برعاة السينما الإباحية في الشوارع الخلفية. ويبدو ستيفن بانون، الذي لا يزال يُعَد شخصية مؤثرة في عالَم ترمب، أشبه بذلك النمط بعض الشيء ــ فهو شخص مهووس يرتدي معطف مطر قذرا.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.