العلاقة بين الدين والدولة في ألمانيا

هيمنة العلمنة في"جمهورية ألمانيا البروتستانتية"!

يرى الكاتب والباحث المعروف في العلوم السياسية، عارف حجاج، أن جمهورية ألمانيا الاتحادية باتت علمانية شكلياً وهيكلياً، لكنها ظلت مسيحية فيما يتعلق بالمفاهيم الثقافية والمجتمعية والسياسية السائدة فيها.

توبياس بيكر كاتب ومفكر ألماني لم يشتهر بعد، إلا أنه يتمتع بموهبة فائقة في تحليل الأمور الاجتماعية والدينية الدقيقة. فهو يركز على سبيل المثال على موضوع الانتماء الديني والمذهبي للمجتمع الألماني، إذ يساور مراقبو الساحة السياسية والاجتماعية في هذا البلد قناعة بكون العلمنة تهيمن على أساليب العيش والتفكير والتعامل بين المواطنين بشتى تياراتهم السياسية والحزبية.

بيكر نفسه يخلص إلى نتيجة شبيهة من ذلك حيث يلاحظ بأن الدين لم يعد يلعب دوراً يذكر في المجتمع وبأن تحقيق الوحدة بين شطري البلاد في أواخر ثمانينيات القرن الماضي زاد من نفوذ هذا التيار، نظرا لابتعاد الأغلبية العظمى من سكان شرق ألمانيا بحكم التركيبة الشيوعية للنظام السابق هناك عن الدين.

ومن ناحية أخرى يلاحظ الكاتب أن التشبع بالعادات والتقاليد والأعراف الناجمة في الأصل عن الانتماء الديني ما زال ملموساً في أوساط المجتمع وبأن الأفكار التي نشرتها الكنيسة البروتستانتية أي الإنجيلية أكثر تأثيراً واستدامة مما خلفته الكنيسة الكبرى الأخرى أي الكاثوليكية.

هنا اقتضى الأمر التوقف عند بعض وقائع التاريخ المعاصر. فبعد هزيمة ألمانيا الهتلرية في الحرب العالمية الثانية عام 1945 تأسست عام 1949 دولتان ألمانيتان هما جهورية ألمانيا الاتحادية الأكبر مساحة وتعدادا سكانيا في الغرب وجمهورية ألمانيا الديمقراطية المبنية على قاعدة إشتراكية ماركسية في الشرق. وتقلد المستشار الألماني كونراد اديناور مقاليد الحكم في الغرب وبقي مستشارا لفترة 14 عاما وكان طيلة تلك الفترة  رئيسا للحزب المسيحي الديمقراطي أيضا.

"جمهورية بون"

ويستخدم المؤرخون في سياق شرحهم لعهد أديناور مصطلح "جمهورية بون"، التي بقيت عاصمة مؤقتة للبلاد إلى أن استعادت ألمانيا وحدتها.

تشبعت "جمهورية بون" بروح المناطق الغربية ذات الانتماء الكاثوليكي مثل ولايات راينلاند وبافاريا وبلاتينات والسار، على الرغم من أن الكاثوليك لم يتفوقوا حينها عددا على البروتستانت إلا بنسبة ضئيلة لا تتعدى 10 بالمائة. لكن ذلك لم يمنع المستشار الأول لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية كونراد أديناور من جعل أهم المناصب الحكومية  تتمركز في يد أتباع المذهب الكاثوليكي. ففي بعض الحكومات التي ترأسها اديناور لم يزد عدد البروتستانت عن أربعة وزراء فقط.

الرئيس الالماني شتاينماير مع ممثلي الكنائس
عارف حجاج: رغم أن الكنيسة الكاثوليكية حاربت لعقود طويلة هذه الحركة المنافسة لها إلا أنها حققت هي أيضا عملية إصلاحية نابعة مما سمي "حركة الإصلاح المضادة" التي بدأت مشبعة بروح العودة إلى الجذور لتصبح فيما بعد منفتحة أكثر وأكثر تجاه ما هو تنموي وابتكاري.

مع مرور الزمن بدأت أهمية العامل الديني أو تحديدا المذهبي تضمحل في جمهورية بون ليحل الانتماء الحزبي محلها. رغم ذلك ظل العنصر المذهبي قائماً وإن بصورة خفية فحتى مطلع الستينيات لوحظ بأن أغلب أنصار الحزب المسيحي الديمقراطي الحاكم كانوا ينتمون للكنيسة الكاثوليكية فيما كان أغلب مؤيدي الحزب الاشتراكي الديمقراطي المعارض إما من البروتستانت أو علمانيين أو حتى ملحدين.

ومن أدلة تهميش دور الدين في الحياة السياسية والاجتماعية مقولة ساخرة لأحد أكبر صحافيي ألمانيا المعاصرين أي لمؤسس ورئيس تحرير مجلة "دير شبيغيل" الذائعة الصيت رودولف أوغشتاين. فقد أنكر هذا الكاتب أن تكون ألمانيا ما زالت مسيحية سواء بالمفهوم الكاثوليكي أو البروتستانتي مضيفا أن "انتماء ألمانيا للمسيحية يقتصر على أداء الضرائب الكنسية".  بالطبع فإن هذه المقولة تتسم ببعض الصحة ولكنها ساخرة أكثر منها موضوعية.

نعود إلى الكاتب بيكر، الذي خلص إلى  استنتاجين متناقضين في هذا السياق. فهو يلاحظ من جهة بأن استعادة ألمانيا لوحدتها رجحت كفة البروتستانت، لأن الأغلبية العظمى لسكان شرق ألمانيا من البروتستانت. ودفعه هذا إلى القول من باب الاستفزاز بإمكان تسمية البلاد "جمهورية ألمانيا البروتستانتية"، وإن لم يقصد من وراء ذلك مطابقة الوضع هنا بـ  "جمهورية إيران الإسلامية".

وأوضح ذلك بالإشارة إلى أن هذه التسمية ثقافية وسوسيولوجية أكثر منها دينية أو مذهبية مشددا على أن الملايين من الألمان ولوا الأدبار للكنيستين في العقدين الماضيين فبلغ عدد المنسحبين 3،5 مليون كاثوليكي و أكثر من 5 ملايين بروتستانتي وذلك  لا بدوافع مالية فقط أي الرغبة في الامتناع عن أداء الضرائب الكنسية، بل بحكم قناعتهم بالتيارات العلمانية وحتى  الإلحادية لا سيما في أوساط المتعلمين والمثقفين.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.