الغرب وأنظمة الحكم في العالم الإسلامي

نقد تجميل الديكتاتورية العلمانية وشيطنة السلطوية الدينية

أحد أسباب التهوين الغربي المُزمِن من القمع العلماني في العالم الإسلامي هو قلة التعاطف مع ضحايا هذا القمع. فمثلا: لاسم الإخوان المسلمين مفعول مثبِّط للتعاطف الغربي معهم حتى لو كانوا هم الضحايا، ويتمتع البعض في إيران حتى لو كانوا تجار مخدرات بثقة الغرب لأنهم ضحايا نظام إسلامي. وما زال الغرب كما كان قبل الربيع العربي يرى النظام القمعي العلماني شريكا، وفق تقييم الكاتبة الألمانية شارلوته فيديمان التالي لموقع قنطرة.

من يطرح نظرية يرى فيها أن الإسلام يحمل في جيناته الدينية قرباً من الفاشية يضمن لنفسه اهتماماً منقطع النظير. هذا الاهتمام يزداد أكثر حين يكون صاحب النظرية نفسه ذا خلفية مُسلِمة. لكن الحياة ما بين الانتخابات الرئاسية في الجزائر وتلك في مصر، تطرح مقابل ذلك سؤالاً آخر: متى تتعدى معاداة الإسلاموية، المسماة أيضاً محاربة الإرهاب، حدود الفاشية؟

إن قلب الطاولة بهذه الطريقة ليس استفزازاً لغرض الاستفزاز وحسب. فما يحدث في مصر، التي تحول فيها الإخوان المسلمون إلى صورة العدو النمطي، يتطلب التحليل والبحث عن مصطلحات مناسبة. فطالما تعلق الأمر بجرائم ذات دوافع دينية، فإن اللهجة في ألمانيا تتعاظم لتصل إلى حد مسعور. لكن هذه اللهجة قلما تصل إلى هذا الحد المحموم عندما يُشار إلى القمع العلماني في الدول الإسلامية.

ما الذي يمكن إطلاقه، إذاً، على قانون محاربة الإرهاب في مصر؟ هذا القانون يعمل طبقاً لتعريف عريض للغاية لم يسبق له مثيل: فهو يعاقب أي إزعاج لـ"النظام العام"، أي أن الكتابة على تمثال قد تتحول إلى عمل إرهابي. هذا القانون عبارة عن إجراء اعتباطي لدولة عسكر قمعية، كان ضحاياه حتى الآن 16 ألف معتقل وصحفيون في قفص الاتهام وأكثر من 500 حكم بالإعدام بعد جلسة محاكمة دامت ساعتين فقط (كما حصل من أحكام بالإعدام على 683 إسلامي)، وأيضاً سحب حق الاقتراع لعناصر تنظيم الإخوان المسلمين.

تجاهل الصدمة الجزائرية

إن جنرالات النيل يتجاهلون بذلك كافة الدروس المستقاة من الصدمة الجزائرية، التي بدأت قبل أكثر من ربع قرن عندما قرار جناح من الجيش الجزائري إيقاف العملية الانتخابية بالقوة من أجل منع فوز الإسلاميين بها. واليوم يبدو الرئيس السقيم بوتفليقة رمزاً صامتاً لاستمرار هذه التراجيديا. المؤسسة العسكرية المصرية باتت تدمج النفوذ السياسي بشكل واضح مع نفوذها الاقتصادي، فهي تتحكم بـ40 في المائة من الاقتصاد المصري، فيما تبقى ميزانية الدفاع سراً لا يخضع للرقابة ولا تُفرض عليه أي ضرائب.

عبد الفتاح السيسي في تاريخ 14 يناير/ كانون الأول 2014 أثناء التصويت على الدستور المصري الجديد في مركز اقتراع في القاهرة. Foto: dpa/picture-alliance
تكتب فيديمان أن "التهوين من شأن إرهاب الأنظمة العلمانية كان نمطاً سائداً في الغرب قبل انطلاق الثورات العربية. لكن بعد سقوط نظامي مبارك وبن علي، بدا وكأن ذلك على وشك أن يتغير. إلا أن التغيير، كما يرى المرء اليوم، لم يدم طويلاً".

أما عن كيفة وصول الحال بمصر إلى سلطة قمعية عسكرية، فيبقى ذلك أمراً محاطاً بالأساطير. خبيرا الشرق الأوسط الأمريكيان، شادي حمدي وميريديث ويلر، قاما بإجراء بحث حول فترة رئاسة محمد مرسي وذلك طبقاً لمعايير شائعة الاستخدام في العلوم السياسية، وذلك بهدف دراسة تطور المجتمعات الانتقالية بعد سقوط الأنظمة القمعية. والنتيجة؟ على المستوى العالمي، فإن مرسي، بالرغم من قلة أهليته وتكبّره، كان وسطياً. أما على مقياس الديمقراطية، فإن مصر في عهد مرسي كانت بعيدة للغاية عن أن توصف بالقمعية. أما الانقلاب، بحسب الباحثين، فقد استمد شرعيته من "تفسير خاطئ ومبالغة في الأحداث التي سبقته".

إن التقليل من إرهاب الأنظمة العلمانية كان في الغرب إجراءاً معهوداً في بداية الثورات العربية. ولكن بعد سقوط نظامي مبارك وبن علي، بدا وأن ذلك على وشك التغير. لكن هذا التغيير، كما يرى المرء الآن، لم يدم طويلاً.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.