المسلمون في ألمانيا

"ألمنة الإسلام"...شرط مساواة الإسلام ببقية أديان ألمانيا؟

يعتقد خبراء بضرورة بذل المزيد في سبيل الاعتراف القانوني بالإسلام كدين ينتمي إلى ألمانيا واعتبار المسلمين جالية دينية ألمانية، ورغم بعض التقدم الذي حصل في السنوات الأخيرة، إلا أن الطوائف الإسلامية لا تزال بعيدة جدا عن أنْ تكون متساوية مع الطوائف الأخرى. فالتفاوض بين السلطات والمسلمين في ألمانيا بخصوص الأعياد الإسلامية مثلا وغيرها من الممارسات الدينية يمتد لسنوات ويتم بشكل منفصل مع كل ولاية ومجلس محلي. سوزانه كايزر تتناول - في عرضها التالي لموقع قنطرة - مَواطن التقصير والخلل.

هل ينتمي الإسلام إلى ألمانيا؟ قلما تجد سؤالاً يجري نقاشه في ألمانيا بشكل خلافي وانفعالي كهذا السؤال. وتقع هذه القضية منذ سنوات في محور النقاش العام، حيث يجري البحث عن شتى أنواع الإجابات، بينما يبذل المسلمون جهودهم للحصول على الاعتراف. ولكن ماذا تعني في الواقع عبارة "ينتمي إلى ألمانيا" أو "الحصول على الاعتراف"؟ هل يعني هذا توافق الدين الإسلامي مع القوانين والقيم الألمانيَّة؟ أم يعني إمكانيَّة أنْ تقوم مسلمةٌ عاديَّةٌ بممارسة عقيدتها وثقافتها في الفضاء العام دائمًا وبحريَّة.

صعوبة هذه المسألة تتجلى في حالاتٍ كثيرةٍ في الحياة اليوميَّة، على سبيل المثال فيما يخص موضوع الأعياد. الكاتبة مونيكا مارون على قناعة تامة بوجود "حريَّةٍ دينيَّةٍ كاملةٍ" في ألمانيا، وبأنَّ كلَّ مؤمنٍ لديه الحق في أخذ إجازةٍ في الأعياد الدينيَّة الخاصة بمعتقده، ولذا تهاجم، بانفعالٍ بعيدٍ عن الموضوعيَّة، سياسة دمج الإسلام الألمانيَّة ومطلب الجمعيات الإسلاميَّة بتحديد يوم عطلةٍ للجميع في أحد أيام الأعياد الإسلاميَّة.

بيد أنَّ الجمعيات بعيدةٌ كلَّ البعد عن هذا الهدف فعليًا. وقد طالبت في الواقع بحق المسلمين بأخذ إجازة في الأعياد الهامة وهي عيد الأضحى، وعيد الفطر، وعاشوراء. وجدير بالذكر أنهم يريدون ذلك متخلين عن الراتب في أيام العُطَل. لكن يستطيع ربُّ العمل أو المدرسةُ رفض مثل هذا الطلب إلى اليوم. الحريَّة الدينيَّة المنصوص عليها في الدستور الألماني لا تعني أنها تـُمنح بالتالي تلقائيًا، لذا تقتصر مطالب المنظمات الإسلاميَّة حتى الآن على الحد الأدنى.

لا مفرَّ من الاعتراف القانوني

الدكتورة ريم شبيلهاوس. Foto: privat
لا تزال الطريق نحو معاملة الإسلام بمساواة طويلةً في ألمانيا، فبحسب ما تقول ريم شبيلهاوس الأمر غير متوفر فيما يخص ممارسة الطقوس الدينيَّة ولا في مجالات التعليم، أو في المساهمة الاجتماعيَّة أو في الحصول على التمويل لضمان ممارسة الدين الإسلامي. وترى شبيلهاوس أنَّ الإجراءات المؤقتة المعتمدة حاليًا والمشاريع النموذجيَّة يمكن أنْ تكون "أدوات مساعدة على الطريق" نحو الاعتراف بالإسلام، ولكنها تحذر من "أنْ تصبح مؤقتة بشكلٍ دائم".

أما مدى أهميَّة هذا الأمر بناء على هذه الخلفيَّة، فلا تكمن في الناحية الاجتماعيَّة وحسب، بل أيضًا في الاعتراف القانوني بالإسلام في ألمانيا، كما يرِد في التقييم الاختصاصي الجديد الذي وضعته الباحثة في الشؤون الإسلاميَّة الدكتورة ريم شبيلهاوس سوية مع الحقوقي مارتين هرتسوغ بتكليف من مؤسسة فريدريش إيبرت. وبحسب هذا التقييم يتعلق الأمر أصلًا بمنح المسلمين مدخلاً مماثلاً للموارد كما هي الحال لدى الطوائف الدينيَّة الأخرى، أي تمويل المشاريع، والحماية من المعاملة غير المتساوية والحق في ممارسة الشعائر الدينيَّة، وكذلك إمكانيَّة ممارستها فعليًا. وهذا بالذات ما يجري التفاوض عليه بين الأطراف السياسيَّة الفاعلة والأطراف المعنيَّة في الجمعيات الإسلاميَّة.

لا تزال الطريق نحو معاملة الإسلام بمساواة طويلةً في ألمانيا، فبحسب ما تقول ريم شبيلهاوس الأمر غير متوفر فيما يخص ممارسة الطقوس الدينيَّة ولا في مجالات التعليم، أو في المساهمة الاجتماعيَّة أو في الحصول على التمويل لضمان ممارسة الدين الإسلامي. وترى شبيلهاوس أنَّ الإجراءات المؤقتة المعتمدة حاليًا والمشاريع النموذجيَّة يمكن أنْ تكون "أدوات مساعدة على الطريق" نحو الاعتراف بالإسلام، ولكنها تحذر من "أنْ تصبح مؤقتة بشكلٍ دائم".

ولكنّ التفاوض بخصوص كلِّ تفصيلٍ من الممارسات الدينيَّة الإسلاميَّة يتم بشكلٍ منفصلٍ للتوصُّل لاتفاقٍ عليه مع كلِّ ولايةٍ، ومع كلِّ مجلسٍ محليٍ أو بلديٍ على حدةٍ – في حوارٍ يمتد سنواتٍ عديدة. إذ لا يكفي سن قانونٍ بسيطٍ بخصوص الإسلام في ألمانيا كما هي الحال في النمسا.

لا تزال الطريق نحو المساواة في ممارسة الطقوس الدينيَّة طويلةً، وكذلك في مجالات التعليم، وفي المساهمة الاجتماعيَّة للطوائف الإسلاميَّة، مثلاً في المقابر الخاصة والدفن وفقًا للشعائر الإسلاميَّة، وبناء المساجد، والذبح الحلال، وأيام الأعياد، ودرس الديانة الإسلاميَّة المرتبط بالإيمان، والفقه الإسلامي في الجامعات، ورعاية الشباب، والعمل الخيري، والرعاية الروحيَّة-الاجتماعيَّة في السجون والمستشفيات أو في الجيش. ولا يبدو أيٌّ من هذه الأمور بديهيًا في ألمانيا حتى يومنا هذا.

لم يتم التوصُّل لاتفاقات مع طوائف أو جمعيات إسلاميَّة إلا في بعض الولايات الألمانيَّة حتى الآن. مثلاً الطائفة الأحمديَّة هي المؤسسة العامَّة الوحيدة المعترف بها في ولايتي هِسن وهامبورغ، لكنها لا تملك حتى مقبرة خاصة بها.

في المقابل هناك منظمات كبيرة غير معترف بها مثل الاتحاد التركي الإسلامي للشؤون الدينيَّة (ديتيب)، ولكنها تتمتَّع بحكم الأمر الواقع بمزيد من الحقوق، وفي ولايَّة سكسونيا السفلى توصَّل الاتحاد في عام 2012 وبعد ثلاثة أعوامٍ من المفاوضات إلى اتفاق بخصوص الرعاية الروحيَّة-الاجتماعيَّة في السجون، أما تدريس الديانة الإسلاميَّة في المدارس فقد تم الاتفاق عليه منذ عام 2003، وفي برلين هناك ترتيبات بشأن أيام الأعياد وأوامر إداريَّة فيما يخص شؤون دفن الموتى سارية المفعول، ويجري الآن العمل على إتمام اتفاقًا بخصوص الرعاية الروحيَّة-الاجتماعيَّة في السجون.

بين الاعتراف والتقنين والاشتباه العام

إنَّ أجواء الرأي المتشككة أو حتى المعادية للإسلام تزيد من صعوبة تقدم جولات التفاوض. إضافة إلى ذلك لا بدَّ للمسلمين من تنظيم أنفسهم، لكي يؤخذ برأيهم، ولكي يؤسسوا على سبيل المثال اتحادات على مستوى الولايات أو لكي يقيموا مجالس شورى، ويضعوا قواعد للعضويَّة، ويحددوا جهات مسؤولة شفافة ويطوروا هياكل أساسيَّة تتوافق مع معايير الاعتراف القانوني والتعاون.

بيد أنَّه لا ينبغي على الطوائف الدينيَّة فقط التكيُّف مع متطلبات القانون الألماني. وتلفت ريم شبيلهاوس النظر في حديثها إلى "تغيُّر شيءٍ في الفهم القانوني أيضًا"، فهي تلاحظ حاليًا "تقاربًا متبادلاً على أساس التكافؤ القانوني (الدستوري).

الباحثة في الشؤون الإسلاميَّة "أنِّه شونفيلد" تنتقد ممارسة الضغط من أجل تكيُّف الطوائف والجماعات الدينيَّة المختلفة وتوحيد مفاهيمها، وهي أمورٌ تشترطها الدولة على المسلمين للاعتراف بهم، وتقول: "لا تملك سياسة الاعتراف تأثيرًا إيجابيًا فقط على أولئك الذين يريدون الاعتراف بهم، بل تغيّر فهم الذات لديهم أيضًا. ويتعلق الأمر هنا دائمًا بقوننة وإدارة الدين والتديُّن من قبل الدولة. لا بد من أنْ يكون هذا واضحًا". هذا يعني أنَّ تنوُّع واستقلاليَّة الحياة الدينيَّة عند المسلمين في ألمانيا يجب أنْ تخضع لنوعٍ من التوحيد القياسي لكي يُعترف بها.

الوزير الألماني هايكو ماس يزور مسجدا في برلين.Foto: picture-alliance/dpa/Rainer Jensen
ألقى الوزير الألماني هايكو ماس (من الحزب الاشتراكي الديمقراطي) محاضرة في جامعة هومبولت في برلين، أبدى فيها وزير العدل الألماني تأييده لفكرة توقيع عقدٍ حكومي مع الجاليات المسلمة في ألمانيا. ويرى ماس في هذا خطوةً هامة "نحو تقريب الجاليات المسلمة من دولة الدستور وقيمها أكثر" وتطوير إسلام ألماني. ولكنه يرى أنَّه على المسلمين في المقابل أنْ يسهموا بدورهم من أجل نيل اعتراف الدولة والمجتمع بهم، وأنَّه عليهم تحسين تنظيم العضوية، إضافة إلى ذلك يتوجّب على الجمعيات الدأب على التبرؤ من التطرُّف ومعاداة الساميَّة بين المسلمين.

الوزير ماس يريد تعاقدًا حكوميًا مع المسلمين

أما كيف تتصوَّر الجهات السياسيَّة الأمر فيتضح في محاضرة ألقاها مؤخرًا الوزير هايكو ماس (الحزب الاشتراكي الديمقراطي) في جامعة هومبولت في برلين، أبدى فيها وزير العدل الألماني تأييده لفكرة توقيع عقدٍ حكومي مع الجاليات المسلمة في ألمانيا. ويرى ماس في هذا خطوةً هامة "نحو تقريب الجاليات المسلمة من دولة الدستور وقيمها أكثر" وتطوير إسلام ألماني. ولكنه يرى أنَّه على المسلمين في المقابل أنْ يسهموا بدورهم من أجل نيل اعتراف الدولة والمجتمع بهم، وأنَّه عليهم تحسين تنظيم العضوية، إضافة إلى ذلك يتوجّب على الجمعيات الدأب على التبرؤ من التطرُّف ومعاداة الساميَّة بين المسلمين.

بالنسبة للجمعيات الإسلاميَّة، الكثير مرهون بالاعتراف القانوني بمنظماتها، وهي تعقد الأمل في كثير من الأحيان على أنَّ الاعتراف سيؤدي تلقائيًا إلى تحسين المكانة الاجتماعيَّة للإسلام – هذه النظرة تضعها ريم شبيلهاوس موضع الشك. ومع ذلك يتعلق الأمر بالاحترام في نهاية المطاف بالتأكيد. إنَّ أهمية الاحترام بالنسبة لعمل الجمعيات ومدى ارتباطها الوثيق أحيانًا بتقدير شأنها قانونيًا يتّضح في العمل الشبابي على سبيل المثال.

كانت هناك تحفظات على مدى سنوات على تقديم المساجد الإرشاد الاجتماعي للشباب المسلم. وكانت غالبًا في دائرة الاشتباه العام. ولطالما فُهمت الرعاية الاجتماعية للشباب باعتبارها أداة تجنيد بيد الإسلامويين فنُظر إليها بعين الريبة والشك. "لذلك لم يكن هناك اهتمامٌ بتطوير وتحسين نوعيَّة العمل الشبابي في الجمعيات الإسلاميَّة وبالتأكيد لم يكن هناك تمويلٌ له"، كما توضح شبيلهاوس. مثل هذه التحفظات لا تزال تشكِّل عثرةً في طريق الاعتراف ببعض الجمعيات واعتبارها ركنًا لرعاية الشباب حتى يومنا هذا. فـ "الاعتراف القانوني والاجتماعي يشترطان بعضهما بعضًا"، كما تقول شبيلهاوس.

 

 

سوزانه كايزر

ترجمة: يوسف حجازي

حقوق النشر: قنطرة 2015  ar.qantara.de

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.