المشهد الإعلامي في تركيا: "التعددية والصحافة المستقلة تحتضر"

02.05.2018

يصور أحمد، وهو طالب جامعي تركي الأوضاع السيئة، التي تمر بها وسائل الإعلام في تركيا بقوله - وهو يشير إلى الصفحات الأولى من الصحف الموجودة عند أحد أكشاك بيع الصحف بضاحية بيوغلو في أسطنبول - "إنني لا أعرف إلى متى يمكن لهذه الأوضاع أن تستمر، فكل الصحف تنشر نفس الموضوعات، وهي مسألة تصيب بالملل والضجر الشديدين".

ويضيف أحمد، الذي لا يريد الكشف عن كامل اسمه وهو يشعر بإحباط بالغ "إن نفس الكلام المعاد لا يتكرر فقط في الصحف الورقية، وإنما أيضا في مواقعها الإليكترونية".

وأصدرت تركيا، التي تمارس حكومتها السلطة في ظل حالة الطوارئ التي فرضت بعد وقت قصير من وقوع الانقلاب الفاشل عام 2016، مجموعة من القوانين الصارمة لمكافحة الإرهاب والتشهير.

وأغلقت عشرات من وسائل الإعلام التركية أبوابها منذ وقوع المحاولة الانقلابية، بينما فقد المئات من العاملين بمجال الإعلام وظائفهم أو تم سجنهم.

ويصف إيرول أوندروغلو ممثل منظمة "مراسلون بلا حدود" في تركيا حالة المشهد الإعلامي في تركيا، بقوله إن "التعددية والصحافة المستقلة بتركيا في طريقها إلى الموت في معاناة وألم".

وسائل الإعلام التركية لا تجد مجالا للتنفس تحت أوضاع القمع والحصار الحكومي

وتعرض أوندروغلو للاحتجاز لفترة قصيرة عام 2016، بعد أن شارك بالعمل كمحرر صحفي بشكل رمزي دعما لصحيفة موالية للأكراد، والتي استهدفتها الحكومة التركية بسبب ما تزعمه من وجود علاقات تربطها بحزب العمال الكردستاني المحظور.

وتقدر منظمة "مراسلون بلا حدود" أنه تم سجن 125 صحفيا بتركيا في الوقت الحالي، بينما تزيد منصة "بي 24" المعنية بالدفاع عن الصحافة المستقلة عدد الصحفيين المسجونين إلى 165 ومثل ما إجماليه 520 صحفيا أمام المحاكم التركية خلال عام 2017 وحده لمحاكمتهم بتهم مختلفة، من بينها الإرهاب والتشهير وغير ذلك من الاتهامات وفقا لما يقوله أوندروغلو، مضيفا إنه يتوقع استمرار تعرض العاملين بوسائل الإعلام للترهيب باستخدام القانون".

وتصر الحكومة التركية على أن سبب سجن الصحفيين هو ارتكابهم لجرائم وليس ناجما عن أدائهم لوظيفتهم. وقال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في بيان أصدره بمناسبة "يوم الصحفيين المشتغلين" في كانون ثان/يناير الماضي إن "تركيا تعد إحدى الدول الرائدة في العالم فيما يتعلق بحرية الصحافة"، وجاء بالبيان أن وسائل الإعلام يجب أن تكون قادرة على نشر الأخبار والتقارير "بدون أن تتعرض لأية قيود".

وتحتل تركيا المكانة رقم 157 في قائمة تضم 180 دولة أعدتها منظمة "مراسلون بلا حدود" في إطار "مؤشر حرية الصحافة العالمية لعام 2018"، وتراجعت تركيا بذلك مركزين مقارنة بالعامين الماضيين، كما جاءت في المرتبة التالية بعد رواندا.

ومثل بيع مؤسسة "دوجان" الشهر الماضي - التي تعد أكبر مجموعة إعلامية في تركيا - إلى مجموعة " ديميرورين القابضة "، والتي ينظر إليها على أنها تربطها علاقة صداقة بالحكومة، أحدث نموذج للتوسع في احتكار وسائل الإعلام، وفقا لما يقوله أوندروغلو.

ويوضح أوندروغلو قائلا: "إننا نرى الآن أن أردوغان يسيطر على ما نسبته 80% من وسائل الإعلام الرئيسية، وهذه مسألة غير مشجعة وسط أوضاع يتم فيها تقويض حتى الحقوق الأساسية وتهميش منتقدي الحكومة".

ويتابع قائلا إن "الحكومة وضعت ضغوطا مالية على وسائل الإعلام الرئيسية الكبرى، مما اضطرها إلى فصل الصحفيين الذين يوجهون الانتقادات، وتجنب التغطية الصحفية الناقدة، والآن يستخدمون القضاء كوسيلة لتدمير المؤسسات الصحفية الأصغر حجما".

ويواجه بعض الصحفيين المنتقدين توقيع عقوبة السجن بحقهم لمدد طويلة وإدانتهم بتهم تتعلق بالإرهاب. وتم مؤخرا استئناف محاكمة 18 من الصحفيين والإداريين الحاليين والسابقين العاملين بصحيفة "جمهوريت" اليومية المعارضة.

وتطالب جهة الادعاء بتوقيع عقوبة السجن لمدة تصل إلى 15 عاما بحق المتهمين بصحيفة "جمهوريت"، ومن بينهم رئيسا التحرير الحالي والسابق والمدير التنفيذي للشركة المالكة للصحيفة، ومن المتوقع صدور حكم في هذه القضية قريبا.

وقال باريس ياركاداس، النائب البرلماني عن حزب الشعب الجمهوري، الذي يقف على يسار الوسط إنه "مع المحاكمة الجارية للعاملين بصحيفة جمهوريت، تحاول الحكومة التركية تهديد وقمع جميع الأصوات الناقدة".

كما يشعر ياركاداس بالقلق إزاء التوسع في احتكار وسائل الإعلام المؤيدة للحكومة، خاصة قبيل الانتخابات البرلمانية والرئاسية المبكرة المقرر إجراؤها في 24 حزيران/يونيو المقبل.

وأضاف ياركاداس إن "الصحافة الناقدة على وشك الانهيار كما يشعر المواطنون بالاختناق مع نقص الحرية، ومع الإمكانية المحدودة للحصول على المعلومات فليس هناك مجال يتنفس فيه عامة الشعب ".

(د ب ا)

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.