انطباعات شخصية مغربية حول المهرجان الدولي للفيلم بمراكش 2016

الحياة في دروب مهرجان مراكش السينمائي الدولي

في نهاية العرض تقول سائحة فرنسية إنها تقصد المغرب كل عام لمتابعة المهرجان الدولي للفيلم بمراكش، ويجمع رهط من السياح الألمان والفرنسيين على حبهم للمهرجان. ويعرب كل فنان محلي لم يتلقَّ دعوة لحضور وجبة العشاء عن سخطه على المهرجان والمنظمين، ويكيل المديح والثناء إن تلقى دعوة للغداء أو حفل خاص بكبار الضيوف والفنانيين العالميين. صالح بن الهوري يعرض من المغرب لموقع قنطرة انطباعاته الشخصية حول المهرجان الدولي للفيلم بمراكش 2016، متسائلاً: هل الفن مهنة في المغرب؟

يحج عشاق الفن السابع إلى مدينة مراكش المغربية من مختلف دول العالم ومن داخل البلد، لمتابعة الأفلام السينمائية المبرمجة خلال الدورة السادسة عشرة للمرجان الدولي للفيلم، ولحضور دروس "الماستر الكلاس"، التي يؤطرها كبار المخرجيين العالميين، بغية النهل من خبرتهم الطويلة في صناعة الأفلام والاستفادة من حنكتهم في كتابة السيناريو.

يقصد كل عاشق للسينما المسرح الملكي، يقف في الطابور الطويل لساعات تحث أشعة شمس الخريف الحارقة، يلج المسرح بعد أن يصل دوره، يحصل على شارة المهرجان المخصصة للعموم، لمتابعة جميع العروض المدرجة في المسابقة الرسمية وغيرها بجميع الأماكن المخصصة للعروض. تشرف شركة أجنبية على تنظيم المهرجان، التنظيم جيد، الإجراءات الأمنية هذا العام شبه مشددة خلال هذه الدورة.

يعرب كل فنان محلي لم يتلقَّ دعوة لحضور وجبة العشاء عن سخطه على المهرجان والمنظميين، دون أن يقاطعه طبعا، ويكيل المديح للمهرجان ويثني على المنظمين إن تلقى دعوة لحضور وجبة الغذاء أو حفل خاص بكبار الضيوف والفنانيين العالميين.

المدح مقابل الدعم

هنا يستمد الفنان المحلي فلسفة التناص التي ينهجها المخرجون المغاربة مع المركز السينمائي المغربي، والمبنية على سياسة "المدح" و"الذم" . إن حصلوا على دعم المركز السينمائي المغربي، لإنتاج أفلامهم مدحوه، و إن لم يحصلوا على دعمه ذموه. إنها سياسة المدح مقابل الدعم.

الأجانب في"الماستر كلاس" والمغاربة في السوق والمقهى. على طول الشارع المؤدي إلى قصر المؤتمرات تجني نسوة الزيتون، تصعد إحداهن أعلى الشجرة، وتضرب بعصا طويلة الزيتون الذي يتساقط تباعا، تلمه صاحبتها، ويساعدهن شاب في لم الزيتون في أكياس. إنهن بطلات مجهولات، على أمل أن تلتفت إليهن إحدى كبريات وسائل الإعلام الحاضرة لتغطية فعاليات المهرجان، لإنجاز ربورتاج عن نضالهن. إنهن مناضلات لا يعرفهن أحد.

هنا قصر المؤتمرات، الأرضية نقية كأنها مرآة، يرى المرء فيها وجهه، ماء صنابير المراحيض دافئ ومنعش، أفضل من ماء بيوت الوضوء بأكبر مساجد البلد، داخل قاعة السفراء، الجو دافئ، والكراسي مريحة، أجلس في الصفوف الأخيرة للصالة .

عاشقة فرنسية للفن السابع

يفوق عدد الأجانب من الحضور عدد المغاربة والعرب. الأجانب يعرفون حق المعرفة معنى حضور" الماستر كلاس". تسألني عاشقة فرنسية للفن السابع: هل الكراسي التي عن يسارك شاغرة يا سيدي؟ بأدب جم.

أرد بلغة فرنسية راقية: نعم يا سيدتي تفضلي. تجلس هي وصويحباتها.

الفنانون المغاربة غائبون! ربما يفوق فهمهم لصناعة السينما، فهم الأمريكان والروس والهنود، لذا غابوا عن الحضور، إذن هم عباقرة وفي غنى عن محاضرة كبار المخرجيين من العجم. يبدو أن الفنانيين المغاربة علماء وهم في غنى عن حضور "الماستر كلاس".

يحج الممثلون الأجانب إلى قاعة السفراء لحضور "الماستر كلاس" ويغيب الممثلون المغاربة. ويفضلون الجلوس في المقهى المقابل لقصر المؤتمرات، أو التسكع في الأسواق الشعبية. إذن هم علماء وعباقرة في فهم الصناعة السينمائية، وفي غنى عن دروس المخرج والكاتب والسيناريست والمنتج الكندي، بول هاجيس.

يقول المخرج والمنتج  وكاتب السيناريو الروسي بافيل لونكين في درس "الماستر كلاس" إنه" لا يعرف أن يقوم بعمل آخر غير الإخراج"، وأنه "ليس هناك أسوء من وحدة المخرج أمام الكاميرا" وإنه "يجب أن تكون لك الجرأة لتكون مخرجا جيدا". إذن نخلص إلى أن الإخراج مهنة عند الروس.

على دليل المهرجان لهذا العام، صورتان لمعالم التراث الديني بمراكش، مسجد الكتبية وكتدرائية، وغاب عنه الكنيس، كنيس "العزامة" الذي يرجع تاريخه إلى 1497م.

الفائزون بجوائز المهرجان الدولي للفيلم بمراكش 2016 في المغرب.
يحضر مهرجان مراكش السينمائي الدولي فنانون سينمائيون عالميون ويكرمهم المهرجان. ويهتم المهرجان الذي يُنظَّم سنوياً منذ عام 2001 بالسينما الأوروبية والأمريكية والهندية والعربية وغيرها. ويقدم جائزة النجمة الذهبية والجائزة الكبرى وجائزة لجنة التحكيم وجائزة أحسن دور نسائي وجائزة أحسن دور رجالي. حاز مهرجان مراكش عام 2006 على إحدى جوائز روبيرتو روسليني التي يقدمها مهرجان الفيلم في مايوري بجنوب إيطاليا لأهم الفعاليات السينمائية في حوض البحر الأبيض المتوسط.

رؤوس ولحى شقراء!

أجلس في الصفوف الأخيرة من صالة السفراء وأتأمل رؤوس ولحى الحضور، كلها شقراء! يبدو أن الجمهور الغربي يولي أهمية بالغة لحضور دروس "الماستر كلاس" أكثر من الاهتمام بلوك الفنانيين الغربيين وماذا أكلوا؟ وماذا لبسوا أثناء مرورهم على البساط الأحمر؟ وما نوع الطعام الذي تناولوه في الفطور والغذاء واللمجة والعشاء؟ وماذا ابتاعوا من السوق الشعبي بالمدينة العتيقة؟

في الصف الأول يجلس مصور تابع لوكالة أنباء دولية وعن يمينه جلس صحافي غربي، يدون على حاسوبه اللوحي، كل ما ينطق به المخرج الكندي. أحدق في الصفوف المخصصة لرجال ونساء صاحبة الجلالة، علني ألمح صحافيا أو صحافية مغربية. أغلبهم غائبون عن دروس" الماستر كلاس".

"النميمة بدل النقد السينمائي"

يبدو أن الصحافة المحلية تفضل الكتابة عن النميمة عن أهل الفن، بدل النقد السينمائي العلمي الأكاديمي، الذي يقدم تحليلا للأفلام المعروضة ويذكر مختلف حركات الكاميرا ويشرح بنية الحبكة الأدبية والفنية للفيلم ويشرح لغته السينمائية، لا إطلاق أحكام قيمة على الأفلام من قبيل: "هذا فيلم غير نظيف وهذا فيلم نظيف". لماذا؟ لأنهم ليسوا متخصصين في الفن السابع ولا في النقد السينمائي.

صالح بن الهوري – المغرب
يقول صالح بن الهوري: "أنظرُ إلى فقراء الفنانيين المغاربة الذين يجلسون في مقهى الفندق المقابل لقصر مؤتمرات مهرجان مراكش للفيلم، إنهم لا يجدون ما يدفعون به ثمن كوب قهوة سوداء حالكة"، ويتساءل: "إذن ما الغاية من ممارسة مهنة لا تكفي ممتهنها عن العفاف والكفاف والغنى عن الناس؟".

 يفضل بعضهم أن يكتب: أن الممثل الفلاني قبل الممثلة العلانية بفم مزموم، والممثلة الفلانية أظهرت جزءا كبيرا من ساقيها للمصورين، والمخرجة العلانية أصيبت بتسمم أثناء حفل عشاء على شرف كبار الفنانيين، والممثلة الفلانية فاض وزنها هذا العام.

إذن الانتصار والخلود يكتب لمدرسة كولومبيا المتخصصة في الصحافة الفضائحية، لا للصحافة المتخصصة في النقد السينمائي العلمي الأكاديمي المبني على استشهادات لكبار النقاد والأدباء ونظريات مختلف المدارس السينمائية والأدبية.

أما نقاد آخر الزمن فإنهم لا يكتبون عن الأفلام المدرجة في المسابقة، لأن نومهم أثناء عرضها كان سباتا، وبالتالي لم يشاهدوها. لذا يكتفون بلوك رواية قصاصة وكالة الأنباء الرسمية واعتبارها نقدا سينمائيا، ونقل المعلومات التقنية عن الفيلم التي يحويها الدليل (الذي اقتصر توزيعه هذا العام على من يسمون بـ "المهنيين"مما خلف غضب الجمهور الأجنبي من عشاق الفن السابع الذين حرموا من الحصول على الدليل هذا العام). ويبرع أعظم النقاد في الكتابة عن صاحب الفيلم إن كان فيلما محليا عوض الكتابة عن الفيلم، ويغفو بعض الفنانيين أثناء العروض الطويلة.

 خلال هذه الدورة لم يدرج أي فيلم مغربي ضمن المسابقة الرسمية، مما خلف ارتياحا لدى الساخطين على السينما المحلية. إذن خيرا فعلت اللجنة.

 "الثقافة السينمائية لدى المغاربة"

داخل قاعة الوزراء، يمشي بعض الفنانيين المغاربة بخيلاء، قبيل إنطلاق العرض بدقائق، يتحدثون في هواتفهم المحمولة بصوت عال، يزعجون الجمهور والضيوف، يتجاهلون نظرات الفنانيين الأجانب المفعمة بسخط وغضب. لا يكترثون، يدخلون ويخرجون كأنهم في عرس شعبي. يهجرون العروض السينمائية طول اليوم، ويظهرون في الليل، يمشون على البساط الأحمر بقصد الاستعراض ويقومون بحركات بهلوانية لإثارة الجمهور، كأنهم في السوق الشعبي المعروف بـ "السويقة".

 يطفىء الجمهور الأجنبي وبعض الحضور من المغاربة، هواتفهم المحمولة قبل إذاعة الطلب والتحذير بعدم الخروج أثناء انطلاق العروض. وتحث حارسات الأمن الخاص من البعض الآخر إغلاق هواتفهم طيلة العرض. يحضر المغاربة الأكل إلى داخل قاعة العروض: المملحات والمكسرات، يأكلون طيلة العرض.

أثناء نهاية العرض تعرب سائحة فرنسية مولعة بالسينما عن "عشقها للفن السابع وأنها تقصد مراكش كل عام لمتابعة المهرجان الدولي للفيلم بمراكش"، وعن التنظيم تقول إنه: "رائع". ويجمع رهط من السياح الألمان والفرنسيين عن حبهم للمهرجان.

هل الفن مهنة في المغرب؟

يقول مغربي عاشق للسينما إن "الفن ليس مهنة في المغرب. أسأله: لماذا؟

-  لأنه لا يدر دخلا على أهل الفن. جلهم فقراء ومعدمون، لا يجدون ما يسددون به فاتورتي الماء والكهرباء، وثمن كراء الدور التي يكترونها. وإن أصيب أحدهم بمرض عضال - لا سمح الله- فتلك نهايته، أما الحصول على تقاعد مريح، فمن باب المستحيلات.

- هل من برهان قطعي على إدعائك؟

- نعم. أنظر إلى فقراء الفنانيين المغاربة الذين يجلسون في مقهى الفندق المقابل لقصر المؤتمرات، إنهم لا يجدون ما يدفعون به ثمن كوب قهوة سوداء حالكة، ولا حتى ما يبتاعون به سجائر شقراء أو سوداء.

إذن ما الغاية من ممارسة مهنة لا تكفي ممتهنها عن العفاف والكفاف والغنى عن الناس؟.

يبدو أن الفن في المغرب لن يراوح مكانه، وسيحدو حدوى السكة الحديدية التي تركها الفرنسيون في مراكش نونبر عام 1928 ، وما زلت في مكانها!

 

 

صالح بن الهوري – المغرب

حقوق النشر: موقع قنطرة 2017

ar.Qantara.de

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.