انفصام الدولة والمجتمع وتجاوز الاغتراب في العالم العربي

درس القرن العشرين: احذروا الطوباويات

سؤال الحرية في مواجهة هذه الأيديولوجيات الكبرى شائك، فهل يمكن للمرء أن يختار بملء حريته ما يتعارض مع المبدأ الكلي والناظم للمجتمع؟ هل تدخل حرية الاعتقاد والخيارات الأخلاقية الخاصة، في الدولة الإسلامية المرجوة لدى المودودي مثلاً، في باب الحرية الفردية؟ لا يبدو ذلك، فالدولة ملتزمة بتحقيق مجتمع قائم على معايير أخلاقية وشرعية على الجميع الالتزام بها، كما على الدولة الانتصار لها.

ينطلق كارل ماركس في نقده للدولة البورجوازية من فصلها بين السياسي والاقتصادي، بين المجرد والعياني. مبرهناً أن هذا الفصل يؤسس لأحد أشكال الاغتراب في العالم الرأسمالي، حيث يفصل بين بعدين للعالم المعيش للإنسان، البعد السياسي - المواطن، والبعد الاقتصادي الاجتماعيالإنسان العياني.

في صورتها المثالية، تقف الدولة فوق المجتمع متعالية على التباين الذي يسوده وانقسام المصالح بين فئاته المختلفة.

أمام الدولة يكون الإنسان فرداً معزولاً، (بتعبيرها هي: مواطناًعن أي سياق يؤطره أو انتماء يعرفه مثل الطبقة التي ينتمي إليها. هو مواطن حر ومساو لكل المواطنين الآخرين في قدرته، نظرياً، على التأثير على الدولة عبر الآلية الديموقراطية.

مواطن واحد، صوت واحد. الإنسان - المواطن هو الشكل المجرد، الذي يعيش في السماء. ما تغفله هذه الصورة عن الدولة، كما يرى ماركس، هو الأساس الاجتماعي الذي تقوم عليه، الإنسان الواقعي القابع خلف صورة الإنسان المجرد. في الحياة الواقعية التي تتجلى في المجتمع المدني هناك مصالح متناقضة ونزاعات اجتماعية، الإنسان العياني الذي يخضع لهذه المصالح ويواجه هذه القوى بقدرته المحدودة ويخضع لها باعتبارها القوانين، قوانين السوق، التي تحكمه.

في العالم الفعلي تظهر حقيقة محدودية أثر الإنسان الواقعي، وعدم المساواة التي تحكمه أمام الدولة، فيما في الواقع تمييز وتفاوت وخضوع لقوى السوق والصراع الطبقي.

فكرة ماركس للتغلب على هذا الاغتراب تقوم على إلغاء هذا الفصل واستعادة وحدة التجربة المعاشة للإنسان عبر زوال الدولة وانحلالها في المجتمع، ففي العالم الشيوعي لا توجد دولة، بل جهاز لإدارة الأشياء عوضاً عن إدارة البشر.

إشكالية الاغتراب، الناجمة عن انفصال وحدة العالم المعاش للإنسان وتشظيها، لم تحفز الشيوعية وحدها، بل كذلك التصورات الرومانسية وحتى الفاشية. فالأخيرة حاولت حل النزاع بين الدولة والمجتمع واستعادة الوحدة بينهما بطريقة مغايرة للشيوعية، بانحلال المجتمع في الدولة، فلا معنى لما هو أخلاقي أو إنساني خارج الدولة. وجد هذا الحل جذوره في القراءة اليمينية لهيغل التي قدمها فيلسوف الفاشية جيوفاني جنتيل. النازية بدورها رغبت بتجاوز هذا الفصل عبر حل الدولة والمجتمع في العرق، فلا يعود هناك فرق بين أي من هذه اللحظات في التجربة الإنسانية. غير أنه وعوضاً عن استعادة الوحدة كان لدينا الغولاغ والهولوكوست، والدولة الشمولية التي تحاول أن تتحكم بكل شيء وتقمع أي تحدٍ وتسحق الحياة نفسها.

"يفسر بعضهم فشل ثورات الربيع العربي الشعبية في إنجاز تحول ديمقراطي بالطابع الخاص للمجتمعات العربية"
العرب، مثل جميع الشعوب والمجتمعات يعيدون تأويل الإرث الماضي، الديني والمدني، ويختارون منه، ويصوّرونه أيضا، على حسب حاجاتهم التاريخية، ومن خلال ذلك يقومون بتكوين ذاتيتهم/ ذاتهم في نشأتها الجديدة، التي تأخذ من العصر إشكالاته وقيمه وحوافزه وغاياته الانسانية، ومن الماضي مادتها وبعض رموزها.

الحرية في مواجهة الأيديولوجيات

بالتأكيد هناك خلاف على مستوى الطوبى بين الشيوعية والفاشية، لكن على مستوى الممارسة التاريخية فالشبه بينهما حاسم ومعبر، وعوضاً عن أن نحظى بالملائكة فإننا حظينا بالشياطين.

بعد انهيار هذه التجارب، يظهر الإسلام السياسي اليوم كأيديولوجيا تسعى إلى استعادة وحدة التجربة الإنسانية وتجاوز أشكال الاغتراب والتمزق الإنساني، وهذه المرة عبر إطار موحد جديد وهو الأخلاق، الممثلة بالشريعة لدى أنصار الحاكمية. حيث يخضع كل شيء لسلطان الشريعة، من الدولة إلى المجتمع، من المجال العام إلى الخاص، من الاقتصاد إلى القانون. من خلال هذا الإطار الأخلاقي سيتعرف البشر من جديد إلى حقيقتهم ومعنى حياتهم وغائيتها كما أرادها الله لهم.

هذا التشابه بين المهمة التي يطرحها الإسلام السياسي على نفسه وتلك التي طرحتها الأيديولوجيات التوحيدية سابقاً لم يغب عن ذهن أحد أبرز منظري الحاكمية، أبو الأعلى المودودي. يقول أبو الأعلى: «وبالجملة، إن الدولة الإسلامية تحيط بالحياة الإنسانية وبكل فرع من فروع الحضارة وفق نظريتها الخلقية وبرنامجها الإصلاحي. فإذن هي تشبه الحكومات الفاشية والشيوعية بعض الشبه.

لكن مع هذه الهيمنة لا يوجد في الدولة الإسلامية تلك الصبغة التي اصطبغت بها الحكومات المهيمنة والاستبدادية في عصرنا هذا. فلا يوجد في الدولة الإسلامية شيء من سلب الحرية الفردية، ولا أثر للسيطرة الدكتاتورية والزعامة المطلقة» (نظرية الإسلام وهديه في السياسة والقانون والدستور، ص46).

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.