بروباغندا هتلر النازية أنشأت أشهر قاموس عربي ألماني

ترجمة خاطئة لكتاب "كفاحي" تبيعها الأكشاك العربية

كيف نتج عن محاولة الرايخ الثالث (ألمانيا النازية) ترجمة كتاب "كفاحي" للغة العربية نشوء أحد أكثر أشهر القواميس العربية في العالم؟ ولماذا غير النازيون في ثلاثينيات القرن العشرين الترجمة العربية لبعض المصطلحات في كتاب هتلر؟ وبذلك باتت الأكشاك العربية تبيع نسخاً غير صحيحة لـ"كفاحي"؟ وكيف كان العرب ينظرون لهذا القائد النازي آنذاك؟ مي دودين توضح ذلك لموقع قنطرة في عرضها التالي.

في ربيع عام 1934، أفاد فريتس غروبا، سفير ألمانيا بالعراق حينها أنّ صحيفة عراقيّة بدأت بطبع مقتطفات من كتاب هتلر "كفاحي" باللغة العربية، وفي رسالته الموجهة إلى مكتب الخارجية في برلين، دعا الدبلوماسي إلى تحويل المقتطفات المترجمة إلى كتاب وتقديم الدعم المالي- الألماني الكافي لهذا المشروع.

وكما الحال مع جميع المنشورات ذات الطبيعة الاشتراكية القومية حينها، كتب غروبا أنّ "الترجمة لاقت اهتماماً كبيراً بين القرّاء العرب، ويمكن القول إنّ فرحة ما عمّت في الأرجاء".

قبل بداية الحرب العالمية الثانية، استعمرت فرنسا وبريطانيا البلاد العربية كقوتين غربيتين أساسيتين مما غذّى من قوة وتصاعد الحركات القومية العربية التي كانت تناضل من أجل الاستقلال.

الحقيقة أنّ هتلر ربح تعاطف العرب وتأييدهم لأنّه نظر إلى الدولتين، فرنسا وبريطانيا، على أنهما محتلتان لأراضٍ عربية، ورأى العرب فيه الرجل الذي بإمكانه إيقاف الاستعمار عند حدّه، بعدما حمل العرب شعارات شعبية في شوارع دمشق وحلب يطالبون فيها بإنهاء الاستعمار: "لا مزيد للمسيو (بالفرنسية: السيد) ولا مزيد للمستر (بالإنكليزية: السيد)".

اللغوي الألماني هانس فير صاحب أبرز قاموس عربي ألماني. Quelle: wikipedia
صاحب أبرز قاموس عربي ألماني: درس اللغوي الألماني هانس فير اللغات الشرقية والرومانسية، إضافة إلى علم الآثار المصرية والصينية، ودرس الفلسفة وتاريخ الأديان في جامعات برلين ولايبتسيغ وهالِه، وكان أكثر اهتماماً بالإسلام الشرقي. بدأ فير بجمع مقتطفات الصحف التي تحمل تعابيرَ عربية من مصر وسوريا والعراق وفلسطين بالإضافة إلى أدب طه حسين أو جبران خليل جبران، وحاول أيضاً تحليل مصطلحات من الجمهورية المصرية ومدخلات القواميس، وهو ما أصبح لاحقا أبرز أعمال حياته، ألا وهو: قاموس عربي- ألماني.

الدعاية النازيّة الموّجهة للعالم العربي

لقي طلب السفير غروبا آذاناً صاغية. وقام المتخصص باللغة العربية والدراسات الاستشراقية المقيم بمدينة بون الألمانية، شتيفان فايلد، بجمع المراسلات بين برلين وبغداد، وكتب مقالاً بعنوان "الاشتراكية القومية في الشرق الأدنى بين 1933 وَ 1939"، درس فيه النقاش الدائر حول ترجمة كتاب "كفاحي".

وذكرت المقالة أنّ غروبا تطرّق إلى مسألة تغيير بعض المقاطع أو المقتطفات لتتناسب مع عقلية وحساسية العرب الواعين بمسألة العرق". ورغم انتماء العرب أنفسهم إلى الشعوب السامية، كان العداء تجاه اليهود منتشراً في المنطقة، لهذا اقترح غروبا ترجمة الكلمة الألمانية "معاداة السامية" إلى "مناهضة اليهودية".

في الفترة نفسها بمدينة هالِه الألمانية والبعيدة عن بغداد بـ(4000 كيلومتر)، كان رجلٌ متواضعٌ ولغويٌ استثنائيٌ يعمل على جمع الآلاف من الملاحظات، ويُدعى هانس فير، أحد أشهر اللغويين بالعالم ووصل إلى شهرته في الثلاثينيات من عمره. ونتيجة شلل الأطفال الذي أصيب به فير في طفولته كان غير قادر على تحريك يده اليمنى فاستثنيَ من المشاركة في الألعاب الرياضية الخاصة بالعسكر أو من الانضمام إلى تدريب المخيم النازي.

وبدلاً من ذلك، التهمَ الكتب ودرس اللغات الشرقية والرومانية، إضافة إلى علم الآثار المصرية والصينية، ودرس الفلسفة وتاريخ الأديان في جامعات برلين ولايبتسيغ وهالِه، وكان أكثر اهتماماً بالإسلام الشرقي.

بدأ فير بجمع مقتطفات الصحف التي تحمل تعابيرَ عربية من مصر وسوريا والعراق وفلسطين بالإضافة إلى أدب طه حسين أو جبران خليل جبران، وحاول أيضاً تحليل مصطلحات من الجمهورية المصرية ومدخلات القواميس، وهو ما أصبح لاحقا أبرز أعمال حياته، ألا وهو: قاموس عربي- ألماني.

في تشرين الأول/ نوفمبر 1936، أبلغت وزارة الدعاية السياسية الألمانية وزارة الخارجية أنّ هتلر وافق على وافق على طباعة نسخة عربية لكتابه، لكنّ المقتطفات التي وجدها العرب مهينة وعدائية بشكل خاص، كانت تُحذف اعتباراً للوضع السياسي القائم آنذاك.

ترجمة غير دقيقة ومعلومات خاطئة

كانت النسخة العربية -الصادرة في العراق- تُدار بإشراف المستشار الخاص برنهارد موريتس الذي عمل لصالح الخارجية بقسم شؤون الشرق الأوسط، كان موريتس حينها يبلغ من العمر (80 عاماً) ومتخصصاً باللغة العربية ويتمتع بحكمة ورزانة مكّنتاه من الحكم على المقتطفات المترجمة من الكتاب بقوله إنّها "خارجة عن سياقها الأصلي وترجمتها خاطئة وغير مفهومة في مواضع كثيرة".

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.