بواكير النصوص الإيروتيكية عن العالم العثماني

«سراي السلطان»: أشباح «الاستشراق جنسياً»

من يطلّع على كتاب «سراي السلطان» يجد وصفاً اثنوغرافياً عاماً حول الأمور المتعلقة بحوليات العثمانيين السياسية والاجتماعية، بدءاً بقصر طوب كابي الذي بناه محمد الفاتح بعد فتح القسطنطينية عام 1453، وتسميات العاملين داخل القصر، مروراً بحكايا وقصص الحب والإيروتيكا داخل القصر، وطريقة اختيار السلطان لمن تشاركه ليلته.

برزت مدينة البندقية في القرون الوسطى المسيحية كقوة تجارية أوروبية في البحر الأبيض المتوسط. ولذلك كان من الطبيعي بعد توسع العثمانيين وهيمنتهم على المتوسط أن يندفع صنّاع القرار السياسي في البندقية إلى نسج علاقات حيوية ومختلفة ـ مقارنة بباقي الدول المسيحية- مع العثمانيين.

ورغم الحروب التي جمعت الطرفين في فترات مختلفة، بقيت الروابط بين البندقية والدولة العثمانية أمتن من علاقاتها حتى مع البلدان المسيحية الأخرى. فقد كان الأثرياء العثمانيون يستوردون القماش والأواني الزجاجية التي اشتهرت بها البندقية، كما استطاع العثمانيون من غير المسلمين الحصول على الكتب المطبوعة في اليونان بجهود البنادقة خلال القرن السادس عشر الميلادي. وفي المقابل كان التجار البنادقة يشترون القطن من سوريا وقبرص لأجل بيعه في أوروبا الوسطى.

وقد أدّى هذا الاحتكاك الإيطالي المبكّر بالعثمانيين إلى إسهام الإيطاليين بشكل كبير في رسم الانطباعات الأولى عن المسلمين العثمانيين داخل أوروبا المسيحية. إذ دوّن الرحالة والمبعوثون وبعض التجار جوانب من الحياة السياسية والاجتماعية العثمانية، التي شكّلت لاحقاً – بالنسبة للمؤرخين – مصدراً جيداً لمعرفة حوليات العثمانيين في القرنين السادس عشر والسابع عشر.

كما ساهمت هذه الرحلات والكتابات أيضاً – بحسب بعض المؤرخين والعاملين في حقل الدراسات الاستشرافية – في تشكيل أولى الصور النمطية والمجازات الاستشراقية عن الفضاء العثماني، وهي الصور التي بنى من خلالها الأوروبيون في القرن الثامن عشر عدد من الموتيفات الجنسية عن عالم العثمانيين.

ويعدّ كتاب السفير الإيطالي أتفيانو بون «سراي السلطان» (الذي نُشِر بالإيطالية في النصف الأول من القرن السابع عشر، وتُرجم قبل سنتين إلى العربية من قبل مشروع كلمة للترجمة) واحداً من أوائل النصوص المبكرة التي رصدت حياة العثمانيين وعالم الحريم السلطاني، والذي بات لاحقاً من المرجعيات الأساسية والتقليدية لخيال الكتاب الأوروبيين في القرن الثامن عشر. ووفقاً لكتاب الباحث التركي أرفن جميل شك «الاستشراق جنسياً» فإن هذا النص، بالإضافة إلى كتاب ميشيل بوديير «تاريخ الحكم الإمبراطوري للسادة الكبار» يعدان من الكتب الأولى التي «وضعت الأساس للأوصاف التخيلية والمسبوغة بالطابع الإيروتيكي للحرائم الإمبراطورية» (ص 163 /النسخة العربية).

وبالعودة إلى مؤلف الكتاب، تشير بعض المؤلفات إلى أن أتفيانو بون كان قد عُيِّن سفيراً لجمهورية البندقية في إسطنبول خلال الفترة الممتدة بين عامي (1604-1608) بعد جلوس السلطان أحمد الأول (1603-1617) على العرش، وخلال هذه الفترة كتب بون كتابين حول القسطنطينية، وهناك من يقول إنه كتبهما عقب عودته إلى البندقية؛ أفرد الأول للحديث عن «سراي السلطان» والثاني عن «أهم أسس الحكم عند الأتراك».

قصص الحب والإيروتيكا داخل القصر

ومما يسجلّه مترجم النص زيد عيد الرواضية في بداية مقدمته الطويلة للترجمة (75ص من أصل 216) أن هذا النص ينتمي إلى ما يعرف في الآداب الأوروبية بالتقارير السفارية التي كان يقدمها السفير في مهمته الدبلوماسية، والتي كانت تتجاوز الطابع السياسي لتصف حياة الناس وطرائق عيشهم وعاداتهم.
وبالفعل فإن من يطلّع على الكتاب يجد وصفاً اثنوغرافياً عاماً حول الأمور المتعلقة بحوليات العثمانيين السياسية والاجتماعية، بدءاً بقصر طوب كابي الذي بناه محمد الفاتح بعد فتح القسطنطينية عام 1453، وتسميات العاملين داخل القصر، مروراً بحكايا وقصص الحب والإيروتيكا داخل القصر، وطريقة اختيار السلطان لمن تشاركه ليلته.

ومما يذكره اوتفيانو في هذا الجانب من صور إيروتيكية، هو أن الكثير من حريم السلطان يُقدّمن إلى السلطان كهدية فاخرة، لأنهن عذارى، وعادة ما تنام صحبة كل عشر فتيات امرأة كبيرة في السن، كما تبقى الفوانيس موقدة طوال الليل من أجل إبعاد «الفتيات عن الفسوق» إلا أن الأكثر تشويقاً في هذه الصورة عن الحياة الجنسية داخل مخدع السلطان، هي إشارة اتفيانو إلى أنه عندما تكون إحدى الفتيات مع السلطان في السرير، «فإنه يُخصص لهن بعض الخادمات السوداوات الكبيرات اللواتي يبقين بالتناوب مثنى كل ثلاث ساعات في الغرفة حيث يضيء مصباحان دائماً: أحدهما في باب الغرفة والثاني عند أرجل السرير (حيث تكون الخادمة الثانية) دون أن يشعر السلطان بأي ازعاج».

ولعل في هذا المشهد البورنوغرافي الذي يرسمه الكاتب عن حضور النساء السوداوات ومشاهدتهن للسلطان وهو يداعب إحدى جواريه ما يذكرنا ببعض كتب الأوروبيين التي نُشرت لاحقاً في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر عن المرأة السوداء التي لا تمتلك لا المشاعر ولا الخبرات التي تمتلكها امرأة من العرق القفقازي (وكما يُروى فإن معظم جواري السلطان كنّ من القفقاز)، ولذلك فهن لسنا نساء بقدر ما هن أشباح «الاستشراق جنسياً».

في جانب آخر من الكتاب، يأتي السفير على ذكر المطابخ والمؤن وموائد الطعام التي تعدّ للسلطان وحاشيته، بالإضافة إلى الحديث عن عادات وعقائد الأتراك وطقوسهم، ونجد هنا أن الكاتب عند حديثه عن عادات المسلمين العثمانيين لا يأتي على ذكر كلمة «مسلم» بل يذكر كلمة «تركي» بدلاً عنها، وهي تسمية سادت كما يبدو بشكل أساسي بعد سقوط القسطنطينية، إذ غدا اسم تركي مرادفاً لكلمة مسلم، خاصة بعد أن شكّل العثمانيون تهديداً عسكرياً لأوروبا الشرقية والوسطى.

يعدّ «سراي السلطان» من بين النصوص الأوروبية التي تناولت تفاصيل الدولة العثمانية أوائل القرن السابع عشر. يتضمّن النص وصفاً ضافياً للقصر السلطاني وأجنحته، وتفصيلاً للوظائف العثمانيّة، كما يسهب في بيان أحوال الأتراك وعوائدهم، والظروف الاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية، للدولة آنذاك.
يتضمن الكتاب دراسة تمهيدية حول النص الإيطالي وعلاقات الدولة العثمانية بأوروبا، والبندقيّة على وجه الخصوص؛ وعن الدبلوماسية العثمانيّة مطلع القرن السابع عشر.الكتاب يوثّق انطباعات الغرب المسيحي عن الشرق الإسلامي، أوائل القرن السابع عشر.

وكانت الحياة الدينية عند العثمانيين آنذاك من الأمور التي ذكرها المؤلف في كتابه، فرغم الملاحظات السابقة على نص الكاتب، إلاّ أنه قدّم قراءة إثنوغرافية جيدة حول الصلاة عند الأتراك وشروط الطهارة التي لا تجوز الصلاة بدونها، ولأجل ذلك – بحسب الكاتب- لطالما بنى العثمانيون الحمامات العامة والخاصة بوفرة في جميع المدن وجميع الأماكن، ومن الأمور الطريفة التي يسجلها المؤلف في هذا السياق، قناعته بأن الأتراك كثيراً ما كانوا يُقبِلون على الصلاة الجماعية في المساجد، ليس لأسباب تتعلق بالأجر والثواب الأكبر أو شروط الصلاة الجماعية، بل لكونهم لا يجيدون اللغة العربية وبالتالي لم يكونوا قادرين على الصلاة بمفردهم، حسب تفسيره.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.