الترجمة والخيانة: هل هي علاقة حتمية؟

وقبل العودة إلى المقدمة الطويلة للكتاب، لا بد أن نشير هنا إلى أن المترجم لم يخن كاتب النص كما يحدث في بعض النصوص المترجمة، خاصة أن المترجم كان حريصاً على بذل الجهد الكبير في ترجمة النص، من خلال ترجمته وتحقيقه للمخطوطة الأصلية للنص، ومن ثم مقارنتها ببعض المخطوطات المطبوعة التي تعود لسنة 1871، إلا أن الأمانة والدقة على مستوى ترجمة النص لم تقتصر على هذا المستوى، بل نجد أن المترجم بقي وفياً للدلالات السياسية والجنسية التي رسمها بون عن رعايا الدولة العثمانية.

فيذكر المترجم أن السفير بون جمع ملاحظاته (خاصة تلك المتعلقة بالحريم السلطاني) كما يدّعي من خلال قدرته على الدخول إلى البوابة الثالثة حيث الغرف السلطانية، منتهزاً غياب السلطان أحمد الأول أثناء خروجه للصيد، بتواطؤ أحد مسؤولي القصر. ورغم أن المترجم بدا في البداية متشككاً بهذه الرواية، إلا أنه سرعان ما عاد ليندمج مع السرد التشويقي لقصة الكشف عما يدور داخل جدران القصر، من خلال بحثه عن أي حوادث تاريخية تدعم حكاية ولوج الغريب إلى داخل مخدع الحريم، ولذلك يرى «أن الدبلوماسيين الأجانب لطالما لاحظوا ازدياد ظاهرة الرشوة بين العثمانيين، كما أدركوا أن الهدايا هي الوسيلة الأنجع لتيسير العلاقات واستقصاء المعلومات».

ونجد أن المترجم يقدم شروحاً جديدة لكتاب بون من خلال التأكيد على أنه لم يكن بالإمكان للرجل الغريب (الأوروبي) أن يكتشف حالة الفساد الجنسي التي كان يعيشها قصر السلطان، لولا حالة الفساد الأخلاقي التي أخذت تنتشر بين العثمانيين، أو بشكل أدق لعل بون استطاع أن يكشف عن حالة الفساد الأخلاقي (الرشوة) كما يشير إلى ذلك المترجم، التي كان يعيشها المجتمع العثماني آنذاك من خلال حكايا البورنوغرافيا الجنسية داخل القصر، و»شراء الإماء من جميع الديانات والانتفاع منهن في كل الأشياء التي يرونها مناسبة، وهذا ما لا يستطيع فعله المسيحيون واليهود»، أو من خلال حكايا مسيحية قروسطية عن الحياة الجنسية في الجنة التي يتناولها الأتراك في معتقداتهم والذين هم بحسب بون «فاقدون للنور الروحي الذي وهب للمؤمنين، لذلك فإنهم يعتقدون أن الحياة الأبدية في الجنة مكاناً لملذات الأنفس ومتع الحواس».

وبالتالي نجد من خلال هذا الربط أو التأويل الجديد الذي يقوم به المترجم حول مدى صحة رواية دخول السفير إلى القصر وربطها بالفساد الأخلاقي (الرشوة) التي أخذت تنتشر بين العثمانيين، وفقاً لملاحظات الدبلوماسيين الأوروبيين ما يذكّرنا أو يدعم – دون أن يقصد المترجم ذلك حقيقة – فكرة استشراقية انتشرت مع بدايات القرن السادس عشر، وهي فكرة تنظر إلى الفساد الجنسي في الشرق بوصفه يعكس حالة فساد عامة مستوطنة لدى السكان الأصليين في الشرق. وهي فكرة أشار إليها أرفن شك في كتابه السابق عبر القول «كان يُنظر في السابق إلى السكان الأصليين للعالم الجديد، رجالاً ونساءً، على أنهم طاهرون وأنقياء وبسطاء وطفوليون، ولقد استُغني عن هذا التصور بسرعة عندما تطلبت النفعية السياسية أن يُعاد وضع السكان الأصليين في دور النهابين القساة والعنيفين» (الاستشراق جنسياً).

ورغم أن المترجم يسجل في مكان آخر من المقدمة بعض الملاحظات السريعة حول قصص الحب والتشويق الجنسية في كتاب بون، إلا أنه يتجاهل هذا الجانب حين يحاول التأكيد على فكرة أن الكتاب «يعدّ عملاً فريداً في شكله، فلا يكاد يدخل في باب التقارير السفرية أو الدبلوماسية أو الرحلات الرسمية، فهو يقدم عرضاً للحياة السياسية والإدارية في القسطنطينية، ويعرف بالجوانب الاجتماعية والاقتصادية، ويتوقف عند العادات الدينية منها والتقليدية».

ورغم وجاهة بعض الملاحظات التي يقدمها لنا بون – مثل حديثه عن اثنوغرافيا الصلاة – ورغم القناعة التي نتشارك فيها مع المترجم حيال عدم النظر إلى الدراسات الاستشراقية بوصفها مشاريع استشراقية أو كولونيالية حسب، وإنما ضرورة النظر إليها كمشاريع بحثية يمكن الاستفادة منها أيضاً، إلا أن هذا لا يعني أو يلغي ضرورة الكشف عن هذه الجوانب الاستشراقية، بدل السكوت عنها بدعوى أنها نصوص «فريدة»، خاصة أنه، وكما يشير أرفن شك (الذي اعتمدنا على ملاحظاته في هذا السياق) حتى الأعمال الجادة والعلمية ظاهرياً (حيال الشرق) قد عبثت بلا خجل بالإيروتيكي، ولذلك فإن القول إن موسوعية النص تشفع للكاتب بعض الخيالات الاستشراقية الجنسية يبقى قولاً غير دقيق بحسب أرفن شك، لأن هذا الأسلوب المسحي الذي ينتقل من روايات نظام الحكم مروراً بالسلوك والتقاليد والحياة الجنسية، لطالما عدّ أسلوباً يتبعه الكتاب الأوروبيون، من أجل رفع موثوقية ما يكتبونه.

وبالتالي لا بد من تفكيك هذه الصور الاستشراقية، خاصة أن أرفن شك لطالما اعتقد أن هناك علاقة متينة بين الموسوعي والإيروتيكي في كتابات السفراء والرحالة والأوروبيين، أو بشكل أدق يمكن القول إن هناك جذوراً إيروتيكية/ غيرية للأعمال الموسوعية حول الدولة العثمانية (والشرق عموماً) وذلك في سياق بناء الاختلاف مع الآخر. ولعل في المقارنات التي يشير إليها اتفيانو بون، والتي أتينا على ذكرها سابقاً، بين شراء الجواري والزواج بهن في القسطنطينية (عالم الأتراك المسلمين) أو الحياة الجنسية في الجنة /وفقاً لمعتقدات الأتراك/ وبين نفي حدوث هذا الأمر داخل العالم المسيحي ما يؤكد على سياسات الاختلاف الثاوية في هذا العمل الموسوعي، والتي صيغت بلغة إيروتيكية.

 

محمد تركي الربيعو

حقوق النشر: محمد تركي الربيعو 2018

٭ باحث سوري

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.