الناشطة هدى شقراني خلال مظاهرة ضد سياسة ترامب.
بين النقاب والتعري

اختزال للمرأة إلى حدود الجسد...هل من قوة تغييرية تحرر جسد المرأة؟

تنتقد الناشطة هدى شقراني تسليع المرأة لنفسها وتعتبره نتاجاً لسجن المرأة داخل مفهوم الشكل والجسد عبر التاريخ، فالمرأة لم تتنازل عن عقلها وكيانها طواعية.

إحساس المرأة بأهمية جمالها في إثارة الرجل جعلها تقدم نفسها كسلعة متنازلة بذلك عن جوهرها الإنساني وهو العقل. وفي حقيقة الأمر هي لم تتنازل عن عقلها وكيانها طواعية فالسلطة الذكورية أجبرتها على ذلك.

منذ أن ألصقت تهمة الشر والشيطنة بحواء، المرأة التي أغوت آدم وجرته لإرتكاب الإثم، صُوّرت المرأة كجسد آثم، شهواني لا رأس له. إن تسليع المرأة لنفسها هو نتاج سجن المرأة داخل مفهوم الشكل والجسد عبر التاريخ. وفِي هذا السياق قال بيير بورديو في كتابه "الهيمنة الذكورية "كل ماهو أبدي في التاريخ ليس سوى نتاج عمل تاريخي بالتأبيد".

الرجل لم يختزل المرأة في بعدها الجسدي فحسب، بل سلبها الحق في التصرف في جسدها كما تشاء. فليس للمرأة سلطة على جسدها. ولو كانت تمتلك تلك السلطة لما رُفعت اليوم شعارات من قبيل "جسدي ملكي" أو "جسدي لي".

لو كانت تمتلكها لما كنّا نشهد جرائم الشرف إلى يومنا هذا. نعم، لا سيادة لها على جسدها فهي جسد يتحرش به الرجل ويغتصبه. جسد المرأة هو محل نقاش لا ينتهي داخل المؤسسة الدينية. وهن ذلك قال عباس مكي: "كان جسد المرأة ومازال مادة غنية للتشريع، تحديد المسموح والممنوع من تحركات الجسم وتعبيراته ومتطلباته، تبعا لأنماط مقبولة إجتماعياً، أي في النهاية تبعا لأنماط تخدم مصلحة المتسلط الذي يمتلك هذا الجسد".  

وفي هذه السلطة "الشرعية" للرجل على جسد المرأة قمع لهذا الجسد الذي ربط بالشرف والعفة. وقد قال عباس مكي: "الحركية الحرة للجسم جنسيا أساس معنى العيب، وظبطها المقنن أساس معنى الشرف".

الجنس كهندسة إجتماعية

وحسب ما جاء في الجنس كهندسة إجتماعية لفاطمة المرنيسي، نقلاً عن مؤلف "الصحيح" للإمام البخاري، فإنه في الفترة السابقة للإسلام لم تكن للأبوة البيولوجية أهمية ولم تكن المراقبة الجنسية مسلطة على المرأة. وقد كان يوجد عدة أنواع من الزيجات ومن بينها زواج الإستبضاع، وفيه يسلم الزوج زوجته لرجل "فحل" لتحمل منه. وفي زيجة أخرى تجتمع المرأة مع ما دون العشرة وتنسب الولد لأحدهم .وفي نوع آخر من الزيجات تضع المرأة على بابها راية ومن أرادها يدخل عليها وفي حال صار حمل تنسب الولد لأحدهم.

وكان زواج المتعة موجوداً في تلك الفترة أيضا وهو مازال يمارس إلى يومنا هذه بين الشيعة وفي كل هذه الزيجات مفهموم العفة متغيب تماماً. وكان يوجد زواج هو زواجنا اليوم، الذي يتقدم فيه الرجل للمرأة وتعيش معه وهذا هو الذي حافظ عليه الرسول. فالإسلام حرم كل هذه الممارسات الجنسية بإعتبارها زنا.

المرأة التي لا تعبر عن نفسها ولاتتكلم هي امرأة محجبة، بالنسبة لفاطمة المرنيسي.  ليس غطاء الرأس هو الحجاب، وإنما الصمت هو الحجاب الحقيقي.
المرأة التي لا تعبر عن نفسها ولاتتكلم هي امرأة محجبة، بالنسبة لفاطمة المرنيسي. ليس غطاء الرأس هو الحجاب، وإنما الصمت هو الحجاب الحقيقي.

ولأهمية الأب البيولوجي فرضت شهور العدة وصارت الأبوة مؤسسة قائمة بذاتها. ومن وقتها صار الشرف والعفة يرتبطان بجسد وسلوكيات المرأة. ووضعت الرقابة على المرأة فقط فالرجل الفاسق شريف ما لم تخنه زوجته مع رجل آخر وما لم تفقد إبنته عذريتها قبل الزواج. وتحول النظام الأُمومي إلى نظام أبوي. وكلاهما لا يؤسسان لمجتمعات تساوي بين المرأة والرجل. 

الثقافة الشعبية بدورها ساهمت في قهر الجسد الأنثوي وساهمت في تعميق فكرة المرأة اللعوب والشهوانية، التي يجب أن تخضع للهيمنة الذكورية للحفاظ على الشرف. طبعا أنا لا أتحدث هنا عن الممارسات الذكورية، بل عنما نألف سماعه من الأهل منذ سنواتنا الأولى في الحياة لدعم تلك الصورة وإلى ما ذلك من إدراج للمرأة في صراع تراتبي مع الأخ ثم الخطيب والزوج أي مع الرجل بصفة عامة.

 مثلا العبارة التونسية االشهيرة "تي ماهو إلا راجل" أي "هو رجل يحق له أن يفعل ما يشاء". أو عبارة "معندهاش راجل يحكم فيها" أي "ألا يوجد رجل في عائلتها ليسيطر عليها" أو "العيب موش فيها العيب في بوها أو راجلها اللي خلاها تخرج هكاكة" أي "العار لزوجها أو أبيها اللذان سمحا لها أن تخرج بذلك الشكل" إلخ، هي كلها عبارات تخدم التحكم في جسد المرأة.

هذه الثقافة الشعبية وهذه المقاييس الإجتماعية، التي يجب أن لا تحرف تعزز سلطة الأهل على جسد المرأة. فسلطة الأهل الراضخة لسلطة المجتمع الذكوري الراضخ بدوره لسلطة الدين تُنشأ جسداً راضخاً لجميع هذه السلط وخاصة الجسد الأنثوي.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.