بعد فوز معسكر "نعم" في استفتاء مثير للجدل، حصل الرئيس رجب طيب أردوغان على تفويض شعبي كان يحلم به لإقرار نظام رئاسي يمنحه صلاحيات أوسع
تركيا بعد التعديلات الدستورية المثيرة للجدل

تركيا في طور الجمهورية الثانية...من ديمقراطية معطوبة إلى "دكتاتورية منتخبة"؟

المحلل السياسي علي أنوزلا: من المؤسف أن يتحوّل الرئيس التركي أردوغان الذي كان يُعتبر، بدون منازع، أول قائد للتجربة الديمقراطية التركية الفتية، ونموذجا للإسلام السياسي الديمقراطي، إلى أكبر خطرٍ يهدّد نموذجه وتجربته، وأكبر خطرٍ على الديمقراطية نفسها المهدّدة اليوم في تركيا.

أدى الاستفتاء على التعديلات الدستورية في تركيا إلى إحداث حالةٍ من الاستقطاب الحاد داخل المجتمع التركي بين مؤيديه ومعارضي نتائجه، واتسعت دائرة الخلاف، لتتجاوز التعديلات الدستورية إلى الخلاف حول شخص رجب طيب أردوغان، باعتباره من كان وراءها، والمستفيد الأول منها.

وبالنسبة لمعارضي هذه التعديلات، فإنهم يخشون أن تؤدي إلى ترسيخ حكم الفرد الواحد، وتؤسّس منظومة ديكتاتورية فعلية في بلادٍ لم تتعاف بعد من حكم العسكر، ولم تتخلص بعد من خطر الانقلابات العسكرية. أما مؤيدو هذه التعديلات فينظرون إليها على أنها خطوةٌ إلى الأمام لإحداث تغييراتٍ جذرية في السياسة التركية، من خلال وجود حكم تنفيذي قوي في يد شخص واحد تسلم له مقاليد قيادة البلاد نحو التقدم المنشود.

حالة الاستقطاب الداخلي التي أحدثتها هذه التعديلات، وقسمت المجتمع التركي إلى مؤيد ومعارض لأردوغان، تجاوزت الحدود التركية إلى العالمين العربي والإسلامي، واخترقت حتى صفوف الإسلاميين في كل مكان، ممن كانوا ينظرون إلى تجربة أردوغان في الحكم نموذجاً لنجاح الإسلام السياسي في القيادة والحكم والتسيير.

ولا شك في أن أردوغان نجح في قيادة بلاده خلال الخمس عشرة سنة الماضية، ووضعها في مصاف الدول المتقدمة ومن بين الأنظمة الاقتصادية القوية في العالم. وقد بدأ عهده بسياسة "صفر نزاعات"، أي تجاوز كل ميراث النزاعات القديمة التي كانت بين الإمبراطورية العثمانية والدولة التركية التي خَلَفتها ومحيطها الجغرافي الإقليمي.

وساهمت تلك السياسة الذكية في النهوض بتركيا قوة إقليمية صاعدة، إلى أن أصبحت اليوم من أقوى الدول المؤثرة في محيطها وفي العالم. وقد تمكّنت تركيا من تحقيق نجاحها الاقتصادي بفضل نظامها الديمقراطي الذي أتاح، لأول مرة، لحزب إسلامي قيادة البلاد، وأدى هذا النجاح إلى إيجاد نموذجٍ لما سمي نظام الحكم الإسلامي الديمقراطي.

مظاهرات ضد الرئبس التركي أردوغان بعد الاستفتاء على التعديلات الدستورية.
من أصولية علمانية إلى دكتاتورية منتخبة: وفق التعديلات الدستورية الاخيرة ستصبح كل السلطات مركزة في يد أردوغان. وفعليا لن تكون هناك بعد الآن سلطة مضادة في النظام الجديد لسلطة الرئيس، مما يمهد الطريق لنظام استبدادي.

كل السلطات في يد أردوغان

اليوم، ومع التعديلات الدستورية التي ستنتقل بتركيا من نظامٍ برلماني تعدّدي إلى نظام رئاسي، كل السلطات ستصبح فيه مركزة في يد شخص واحد، يخشى مؤيدو أردوغان، قبل معارضيه، من أن يؤدي ذلك إلى انهيار النموذج السياسي والاقتصادي، الذي باتت تمثله تركيا في عالم اليوم، وأن تتحول قصة النجاح التركي إلى كابوس مروّع.

وهناك اليوم من يتساءل إن كانت تركيا بالفعل في حاجةٍ إلى مثل هذه التعديلات؟ فتركيا حققت أهم نجاحاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية في ظل النظام الحالي الذي جاءت التعديلات لتغييره. وحتى أردوغان الذي يُعتقد أن إغراء السلطة دفعه إلى طرح هذه التعديلات كان يتصرف كرئيس له كامل الصلاحيات.

يعتقد من صوتوا أو أيدوا هذه التعديلات أن أردوغان في حاجةٍ إلى صلاحيات واسعة أكثر من الممنوحة حاليا لرئيس الجمهورية لتحقيق النهضة التركية التي وعد بها. أما المعارضون فلا يرون فيها سوى انتقالٍ من نظام برلماني تعدّدي إلى نظام رئاسي فردي سيجعل أردوغان يستمر في الحكم حتى 2029، مسجلا بذلك رقما قياسيا ستضاهي به تركيا أسوأ الدكتاتوريات في تاريخ العالم، عندما يستمر حكم أردوغان 28 عاما بالتمام والكمال.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.