تعامل الاتحاد الأوروبي مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي

الرئيس السيسي هو المسؤول عن زعزعة استقرار مصر

يرى الباحثان شتيفان رول ولارس بروتسوس، من المعهد الألماني للشؤون الأمنية والدولية -المقرب من مراكز صنع القرار في ألمانيا- أن استقرار مصر قد تزعزع بشكل كبير تحت قيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي. كما يرى الباحثان أنه يتوجب على الاتحاد الأوروبي تحميل السيسي مسؤولية ذلك والمساعدة في بدء مرحلة سياسية جديدة، يكون عنوانها إشراك جميع الأطراف وقيادة حكومية أفضل.

لدى اعتلائه سدة الرئاسة قبل سنتين، وعد الرئيس عبد الفتاح السيسي المصريين بالأمن والاستقرار والتنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية. اليوم، وبعد انقضاء نصف مدته الرئاسية، فإن وضع مصر أسوأ من ذي قبل. فقد تزايد عنف الشرطة، والقمع السياسي ضد المجتمع المدني والمعارضة السياسية. والتطرف المصاحب لذلك القمع السياسي يفصح عن نفسه بالأعداد المرتفعة للهجمات الإرهابية. وبسبب سوء الأوضاع الأمنية، انهارت السياحة، أحد أهم القطاعات الاقتصادية في البلاد. يستفيد مؤيدو السيسي من مشاريعه الاقتصادية الكبيرة، ولكن هذه المشاريع قلما يكون لها تأثير اقتصادي إيجابي على عامة الشعب. وبهذا تتفاقم التناقضات الاجتماعية ويتزعزع استقرار مصر على نحو متزايد.

عدم كفاءة المؤسسات أم سياسة واعية وعن سبق إصرار؟

غالباً ما يتم تعليل ما يجري بأن مؤسسات الدولة-الأمنية والقضائية والاقتصادية- منهكة وتتحمل ما لا طاقة لها به.

ولذلك، وبناء على نفس التعليل، فإن مركز السلطة الرئاسية يحث على الإصلاح، غير أن هذه الإصلاحات يتم تطبيقها بشكل غير كافٍ أو يتم تجاهلها من قبل أجهزة الدولة الأخرى. وكمثال على هذا التعليل: قضية مقتل الإيطالي الشاب جيولو ريجيني. فقد اِختفى في أواخر شهر يناير الماضي 2016 طالب الدكتوراه الإيطالي، الذي كان يجري بحثاً علمياً على موضوع الحركة النقابية العمالية المصرية. ثم ظهرت جثته بعد اختفائه بتسعة أيام، وقد بدت عليها آثار التعذيب الوحشي. ويعتقد الكثير من المراقبين المحليين والدوليين أن الأجهزة الأمنية قد قتلت ريجيني، وأن تصرفها هذا كان دون علم أو أوامر من القيادة السياسية.

مظاهرة أمام السفارة المصرية في روما احتجاجاً على اختفاء طالب الدكتوراه الإيطالي جوليو ريجيني في مصر. Picture Alliance
اختفى طالب الدكتوراه الإيطالي جوليو ريجيني (عمره 28 عاماً) يوم 25 يناير/ كانون الثاني 2016 وعثر على جثته على جانب طريق سريع قرب القاهرة في الثالث من فبراير/ شباط 2016. وقالت جماعات حقوقية إن آثار التعذيب على جثته تشير إلى أن قوات الأمن المصرية قتلته، وهو اتهام تنفيه القاهرة بشدة.

يتلقى المسؤولون المصريون بشكر تعليل ما يجري بأنه اختلال وظيفي في أجهزة الدولة.  وأصبحت عبارة "لا أحد كامل" إحدى أكثر العبارات قرباً إلى قلب الدبلوماسيين المصريين وذلك لتبرير انتهاكات حقوق الإنسان والفساد وسوء الإدارة الاقتصادية. الإشارة إلى الحاجة إلى إصلاح أجهزة الدولة المختلة وظيفياً يشجع المؤسسات المانحة الدولية على تمويل برامج المساعدة لمصر.

غير أن تعليل ما يجري بضعف المؤسسات غير معقول بأي شكل من الأشكال: سياسة السيسي كانت تقوم ومنذ البداية على الإقصاء والاستقطاب. فقد تم تفريق مظاهرات أنصار الرئيس المعزول محمد مرسي، وبناء على أوامر من القائد العام للقوات المسلحة آنذاك، السيسي، بأقصى درجات العنف، مما خلّف مئات القتلى وعمّق الانقسام في المجتمع المصري. وعندما أصبح رئيساً، عمل السيسي كل شيء لشرعنة عنف الشرطة المفرط وقمع المجتمع المدني. وعن طريق إصدار المراسيم بغياب البرلمان، وضع عدداً كبيراً من مراسيم القوانين موضع التنفيذ، والتي شكلت بمجملها قيوداً سياسية كبيرة جداً. كما أنه فسح المجال للانعطافة الاقتصادية-السياسية لتنفيذ مشاريع كبرى مثيرة للجدل، كمشروع توسعة قناة السويس المكلف جداً أو مشروع بناء أول مفاعل ذري مصري. وتحمل رؤيته، التي طالما عبر عنها، لسلطة الدولة اللامحدودة ملامح شمولية.

صحيح أنه لا يجب أن نتوقع أن كل تصرف للسلطة التنفيذية يتم بناء على أمر من القصر الرئاسي، غير أن السيسي، وبشكل واع، وضع ركيزةَ إطارِ فعلِ مؤسسات الدولة.

صحفيون مصريون في مظاهرة احتجاجية على اعتقال اثنين من من زملائهم 04 / 05 / 2016. Reuters
"مما لا شك فيه أن حالة عدم الرضى تتزايد بشكل مستمر؛ فليس الناشطون السياسيون وناشطو حقوق الإنسان هم وحدهم من يتظاهر ضد عنف الشرطة وتعسف الدولة: فمؤخراً نزل الأطباء والصحفيون إلى الشارع للتظاهر ضد سياسة السيسي".

يتعين على الاتحاد الأوروبي الابتعاد عن السيسي

في ضوء سياسته المتبعة حتى الآن، فإن من الصعوبة تصديق إدعاء السيسي أنه يريد تغيير الدولة المصرية للأفضل.

فالسيسي كان بإمكانه مباشرة بعد استلامة السلطة، وبدعم من نشوة الجماهير المؤيدة له، أن يبدأ بالإصلاح. الآن وبعد ثلاث سنوات من نهوضه بعبء المسؤولية السياسية، في البدء كوزير للدفاع وقائد للقوات المسلحة وبعدها كرئيس للجمهورية، ربما تكون هذه الفرصة قد فاتت.

تكون المساعدات الدولية للسيسي شرعية في حالة واحدة: عندما يرغب السيسي في الواقع بسياسة أخرى ويكون قادراً على تطبيقها. وبدلاً من ربط المساعدات بشخص الرئيس بشكل أعمى(خبط عشواء)، يجب أن ترتبط بالتطورات على أرض الواقع في مصر. مما لا شك فيه أن حالة عدم الرضى تتزايد بشكل مستمر؛ فليس الناشطون السياسيون وناشطو حقوق الإنسان هم وحدهم من يتظاهر ضد عنف الشرطة وتعسف الدولة: فمؤخراً نزل الأطباء والصحفيون إلى الشارع للتظاهر ضد سياسة السيسي.

بناء على ما سبق، يجب أن تنطلق أي سياسة واقعية تجاه السيسي من مسلَّمةِ أَنَّ أفعال السيسي تفاقم الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي وتزيده سوءاً. ولذلك لا بد من توجيه الانتقاد بشكل ملموس ليس فقط في الغرف الدبلوماسية المغلقة، بل والصدح به أيضاً في المنتديات الدولية كمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. قبل سنتين وفي هذا المحفل الدولي، انتقدت ألمانيا ودول الاتحاد الأوروبي بشدة تدهور حقوق الإنسان في مصر. توفر الجلسة القادمة للمجلس في حزيران القادم الفرصة لزيادة الضغط على القيادة المصرية.

السيسي. dpa
أوضح تقرير لمنظمة أمنستي أن 12 دولة من دول الاتحاد الأوروبي تستمر في تزويد مصر بمعدات عسكرية، رغم قرار الاتحاد الأوروبي بحظر تصدير السلاح لمصر. وبلغت قيمة تلك الصادرات ستة مليارات يورو.

وعلاوة على ذلك، يتعين على الاتحاد الأوروبي تحميل السيسي المسؤولية مباشرة والابتعاد عنه بشكل علني. بهذا الطريقة قد تنضج في داخل النظام رؤية بضرورة تغيير المسار السياسي وبالتالي التغيير في قيادة الدولة. في الوقت الحالي فإن التغطية الدولية لظهر السيسي تصعِّب مهمة ناقدي النظام من داخله، والذين يمكن أن تعلو أصواتهم بالضغط قليلاً على رأس النظام.

يتوجب على السياسة الأوروبية تقديم المساعدات الضرورية لمصر وبما لا يؤدي إلى إعطاء الشرعية الخارجية للرئيس السيسي، غير  المناسب لقيادة البلد. كما يجب على السياسة الأوروبية أن ترسل الإشارة أنها تدعم، بشكل كامل، بداية جديدة، تكون عناوينها المشاركة السياسية وقيادة حكومية أفضل. تحت قيادة السيسي فإن هذه البداية غير واقعية وغير ممكنة، فالسيسي كشخص احترق بنيران الأزمة المتفاقمة. وبالتالي، فإنه ربما يكون فقط من المنطقي تقليص التعاون معه بشكل ملحوظ. وقد يكون ذلك، قبل كل شيء، بالتخلي عن رفع شأنه رمزياً عن طريق الزيارات الرسمية والتشجيع العلني له، وهو الذي أدى حتى اليوم، فقط، إلى تعميق أزمة مصر.

 

لارس بروتسوس وَ شتيفان رول

الترجمة عن الألمانية: خالد سلامة

حقوق النشر: موقع قنطرة ar.Qantara.de 2016

 

يعمل كل من لارس بروتسوس وشتيفان رول في المعهد الألماني للشؤون الأمنية والدولية، وهو مركز  للدراسات السياسية يقدم استشارات للبرلمان الألماني وللحكومة الألمانية في الشؤون السياسية الخارجية والأمنية.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.