تقدير موقف المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

حسابات واشنطن في معركة الموصل...حسابات ما بعد "داعش"

مع أن تحرير الموصل من سيطرة "داعش" يبدو محسومًا، على الرغم من تكاليفه الكبيرة والوقت الذي قد يستغرقه، بسبب الحشد الكبير والقوة النارية الهائلة التي وفرتها واشنطن للمعركة، فإن استعادة المدينة لن تعني نهاية المأساة؛ فالعراق يعاني تسلطًا طائفيًا، تمارسه قوى سياسية مدعومة من إيران، قد يمتد إلى مدينة الموصل، في حين يمضي إقليم كردستان في توسيع حدوده قبل جعل انفصاله عن العراق واقعًا.

تمثل معركة استعادة مدينة الموصل من سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش"، التي أطلقتها الحكومة العراقية في 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2016، تحدياً سياسياً، ليس لقدرة رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي على تكريس قيادته في ظل تحديات عديدة يواجهها فحسب، بل للرئيس الأميركي باراك أوباما أيضاً الذي يسعى لمحو "آثار هزيمة" الموصل التي سقطت في يد التنظيم أثناء رئاسته؛ ما يفسر الإعلان عن انطلاق العمليات العسكرية لاستعادة المدينة قبل ثلاثة أسابيع فقط من الانتخابات الرئاسية الأميركية.

وقد بدأت الولايات المتحدة بتعزيز قواتها في العراق استعداداً لهذه المعركة منذ تموز/ يوليو الماضي، عبر إرسال مزيد من المعدات العسكرية والمستشارين العسكريين، وتجهيز القوات العراقية الحكومية وقوات البشمركة الكردية. غير أن استعادة المدينة وطرد تنظيم الدولة منها، قد لا يكون الجزء الأصعب في العملية التي يشارك فيها عشرات الآلاف من الجنود؛ ذلك أن الأجندات المتعارضة لأعضاء التحالف في الحرب ضد التنظيم، وحساسية التركيبة الديموغرافية لمدينة الموصل تنذر بحصول مشاكل كبرى. فالموصل مدينة ذات أغلبية عربية سنية مع وجود تاريخي للمسيحيين وأقليات شيعية وتركمانية ويزيدية فيها، وفي إقليم نينوى بشكل عام.

وإضافة إلى القوات العراقية التي تشارك في المعركة، هناك قوى تعلن أن هويتها السياسية شيعية وكردية، وهو ما يثير مخاوف من إمكانية حدوث توترات طائفية وإثنية وتغييرات ديموغرافية في ثاني أكبر المدن العراقية في مرحلة ما بعد طرد التنظيم منها. ويربك هذا الأمر بشدة الخطط الأميركية لاستعادة المدينة، في ظل غياب أي ترتيبات سياسية لمرحلة ما بعد استعادتها. أما القوى العربية السنية المشاركة في المعركة فهي في أغلبيتها قوى محلية (الحشد الوطني) بدعم تركي.

لماذا الاندفاع نحو الموصل؟

يمكن إيجاز أهمية معركة الموصل بالنسبة إلى الولايات المتحدة في النقاط التالية:

_ تعد الموصل آخر مدينة كبيرة تحت سيطرة تنظيم "داعش" في العراق، وهي أكبر خمس مرات تقريباً من حجم أي مدينة أخرى سيطر عليها التنظيم. ومن المتوقع أن تشهد واحدة من أكبر المعارك منذ الغزو الأميركي عام 2003. كما أن استعادة السيطرة على المدينة سيعني حرمان التنظيم من أي من المدن الرئيسة في العراق. وثمة قيمة رمزية لطرد تنظيم الدولة من الموصل، حسب المقاربة الأميركية، فمنها أعلن زعيم التنظيم، أبو بكر البغدادي، دولة "الخلافة"، ومنها سيطر على مساحات شاسعة في العراق وسورية، وسيكون سقوطها إيذاناً ببدء انحساره وهزيمته.

- تأمل الولايات المتحدة أن تكون هزيمة التنظيم في الموصل مقدمة لهزيمته في سورية كذلك. وقد دعا وزير الدفاع الأميركي، أشتون كارتر، إلى هجوم متزامن على مدينة الرقة في سورية، عاصمة "خلافة" التنظيم.

_ تأمل إدارة أوباما من وراء تحقيق انتصار حاسم في الموصل تعزيز صدقية إستراتيجيتها العسكرية في منطقة الشرق الأوسط القائمة على الحد من التورط العسكري الأميركي المباشر، والاعتماد بدلاً من ذلك على تدريب قوات محلية وتسليحها وتقديم دعم جوي ولوجستي واستشاري لها. ومن المعلوم أن هذه الإستراتيجية كانت قد تعرّضت لانتكاسة كبيرة عندما فرَّ عشرات الآلاف من القوات العراقية المدربة والمسلحة أميركياً من أمام "داعش" في الموصل في حزيران/ يونيو 2014. وبدأ بعدها التنظيم بالزحف نحو بغداد نفسها لولا تدخل الطيران الحربي الأميركي في آب/ أغسطس من العام نفسه.

الدور الأميركي في المعركة

تنفي الولايات المتحدة أن قواتها على الأرض تقوم بأي دور قتالي مباشر، وتصر على أن دورها استشاري. ووفقاً لوزارة الدفاع الأميركية، يوجد في العراق 5262 جندياً أميركياً، ولا يشمل هذا العدد نحو 1500 جندي بعقود عمل مؤقتة أو قصيرة الأجل. وتتمركز أغلبية تلك القوات في قواعد عسكرية في مدن مثل بغداد وأربيل والتاجي والحبانية، كما يتمركز بضع مئات من الجنود الأميركيين في قاعدة عسكرية في حقل القيارة، جنوب الموصل.

وتقوم تلك القوات بالتدريب وتقديم المشورة للقوات الحكومية العراقية وقوات البشمركة الكردية. أما في معركة الموصل الحالية، فيعمل أكثر من 100 عنصر من قوات العمليات الخاصة الأميركية مع الوحدات العسكرية العراقية والكردية المقاتلة، ويصر المسؤولون العسكريون الأميركيون على أن تلك العناصر تعمل في الصفوف الخلفية، وليس الأمامية، وأن دورها يقتصر على تقديم المشورة، وتحديداً في مجال دور "المراقبة الجوية".

وحسب خبراء عسكريين أميركيين، فإن وجود تلك العناصر في صفوف الوحدات العسكرية المقاتلة في الموصل ضروري جداً، ذلك أنهم ينسقون ويوجهون الضربات الجوية لطائرات التحالف الغربي، بشكل يضمن ضربات جوية أكثر دقة للمواقع المستهدفة، بدل قصف منطقة معينة بشكل عام من دون تحديد. كما تقوم هذه القوات الأميركية المتقدمة في مساعدة القوات العراقية والكردية على التخلص من الألغام التي زرعها التنظيم في الطرق والبلدات والقرى المحيطة في الموصل. لكن الأميركيين يقومون مع ذلك بدور مركزي في معركة استعادة الموصل، ويشمل ذلك:

الضربات الجوية: قامت الولايات المتحدة بتوجيه أكثر من 10,200 ضربه جوية ضد تنظيم الدولة في العراق منذ آب/ أغسطس 2014. وتستخدم الولايات المتحدة في هذه المعركة طائرات تشمل F-22، والقاذفات الإستراتيجية B-52. كما أنها تستخدم طائرات هليكوبتر من طراز أباتشي وطائرات الاستطلاع، وطائرات من دون طيار مزودة بالصواريخ.

الإسناد بسلاح المدفعية: أرسلت الولايات المتحدة عدداً من مدافع الهاوتزر المتنقلة، فضلاً عن أنظمة صاروخية، يقوم بتشغيلها عناصر أميركيون يستهدفون من خلالها مواقع التنظيم.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.