تتدفق الأحداث في رواية "ثلاثية بعقوبة...بعقوبيون" في سياق ينقل القارئ بلا تحفظ الى أزقة ثلاثية نجيب محفوظ، وكأنّ الشخوص تمتص ذات الرحيق من ذاك العصر، وكأنّ الأزقة تلطخت بذات الوحل من حارات السكّرية وقصر الشوق وبين القصرين، وكأنّ التاريخ تجمد عند مصر الثلاثينات كما وصفها نجيب محفوظ. ولا يملك القارئ الا أن يهتز طرباً لهذا الانسياب الرائع السلس لواقعيات السرد غير المُتعِبة.

فانتازيا مرهون بكر العربنجي، في بواكير الرواية فصول عراقية تقترب جداً من مناخ غايب طعمة فرمان خاصة في القربان وفي النخلة والجيران. هذا النبض المسرحي فيها يجعلها لصيقة الروح، لاسيما أنّ شخوص الفصل وما بعده ينسون أنفسهم كأبطال رواية وينهمكون في خطاب مسرحي، يطرب له القارئ المطلع، لكنه قد يطيح بالقارئ المتسرع الى متاهة اغتراب بين لونين.

ولدى سؤال مؤلف الرواية أين يجد القارئ أحمد خالص الشعلان بين البعقوبيين أجاب:

*إنّ "ثلاثية بعقوبة...بعقوبيون" هي رواية تسجيلية والمؤلف هو الروائي والراوي معاً، و يجده القارئ في شخصية شمران الأحمدي.

مرهون العربنجي علامة فارقة في طريق السفر، وهي علامة فارقة في تاريخ بعقوبة، المدينة التي تشكلت بهدوءِ قريةٍ على خاصرة بغداد الشرقية الشمالية، لكنّها تمردت وأبت الا أن تكون مدينة، لاسيما أنّ المدن العراقية الكبرى الثلاث ومنها بغداد، في مطلع القرن العشرين لم تكن أكثر من قرى كبيرة، ومرهون العربنجي بعربته (الحنطور- الربل) يسجل على وقع حوافر حصانيها تفاصيل نمو المدينة القروية الفقيرة.

من يعرف بعقوبة المدينة- القرية بتاريخ القرن الماضي والقرن الحالي، لا يملك الا أن يطرب لما يرويه البعقوبيون الذين بعث فيهم أحمد خالص أرواحاً في طيات كتابه الضخم
من يعرف بعقوبة المدينة- القرية بتاريخ القرن الماضي والقرن الحالي، لا يملك الا أن يطرب لما يرويه البعقوبيون الذين بعث فيهم أحمد خالص أرواحاً في طيات كتابه الضخم


مدينة البرتقال- خليط من أمم وشعوب ولغات!

وهي لا تملك شيئا إلّا برتقالها الشهير ورمانها، الذي جعلها أثيرة لدى قلوب البغداديين باعتبارها عاصمة الحمضيات، فأقيم بسبعينيات القرن العشرين ميدان البرتقالة في مركزها ليتوّجها بستانا للعاصمة ولكردستان وبعض سامراء.

ومن عجبٍ أنّ التنوع في هذه المدينة يجعلها خليطا يمر عليه أبطال رواية بعقوبيون بعفوية سائلة لا تريم، فهنا تواريخ فارسية تركية كردية لرية خفية، تبدأ من شهربان، وخانقين وزرباطية ومندلي وخريسان وبلدروز، وشاخة بعقوبة، وكلها مفردات فارسية تركية لُرية احتفظت بمعانيها رغم أنّ البعقوبيين لم يكونوا يعون هذه القضية وكانوا غالبا عرباً خالط تاريخهم بالتناسب تواريخ ايران وتركيا ولرستان وكردستان وأبعد من ذلك أحياناً.

وكذلك التحدث عن يهود بعقوبة، تسرده الرواية بلا تعقيد، فاثنان منهم يؤجران صالة السينما (سينما ديالى) لغايب مرهون الغريب الفقير الذي كبر في اسطبلات الخيل وبين ساستها ليصبح رجل أعمال ناجح.

نهر ديالى بحد ذاته يروي قصة تداخل الجغرافية وسيولة التاريخ، فاسمه حتى اسمه، فارسي ( ويُكتب ديالا مستلاً من وقائع التاريخ المشترك بين لر عيلام في غرب إيران وبين أهل وادي حلون، التي باتت تعرف بديالى في زمنٍ مجهول)، ومياه هذا النهر تائهة بين الوند ودجلة ومياه مندلي وشاخة خريسان، وكل ذلك في مناخ مدينة عثمانية صغيرة عاشت على تخوم بالعاصمة (خمسون كيلومترا)، فاختار بطل الرواية شمران الأحمدي أن يعيش على التخوم بعد تجاربه المرة مع السياسة الغادرة في العراق.

وتكرّ الوقائع بتفاصيل تزاحم وعي القارئ أحياناً لكثرتها وفي مناخ فقير تنهال عليه أتربة أزقة لم تعرف الرصف، وشوارع مدينة تيتمت من القار إلّا في شارع المحطة الرئيسي، الذي تقاسمته محطة القطار الانكليزية، ومقابلها مبنى المحافظة.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : "ثلاثية بعقوبة...بعقوبيون".... العراق كما حلم به اليسار!

اول روايه تتناول تاريخ مدينه بعقوبه بأسلوب ساحر وسرد متفرد

غاده عزيز الدين02.11.2017 | 19:08 Uhr

أنا أعرف الروائي الكاتب الأستاذ أحمد الشعلان . . و قرأت روايته هذه و إستمتعت بقراءتها . . شكرا للكاتب ملهم الملائكة

كريمة الربيعي 02.11.2017 | 19:08 Uhr

تنتمي "ثلاثية بعقوبة" إلى صنف الرواية التاريخية التي تمزج الواقع بالخيال، الثلاثية تسجيل لأربعة عقود من تاريخ مدينة بعقوبة العراقية، فهي موئل الصبا وحضورها عميق في وجدان

ماهر باقر02.11.2017 | 19:16 Uhr

نتطلع بشوق لقراءة الجزئين الباقيين ، دم مبدعا

أمل قاسم02.11.2017 | 19:40 Uhr

العرض المقد من ملهم الملائكة للرواية يشجع على قراءة الرواية للتعرف على أحداث بعقوبة أيام زمان

علي نزعان الجربا02.11.2017 | 19:58 Uhr

في هذا الزمن الذي يتهاوى فيه كل شي عربيا وحده الأديب والروائي يقف مبدعا ، ياريت تغتنم بقعه الضوء هذه ويفكر المبدعون في الترجمه ان حان الوقت ليقرأ العالم الأدب العربي والمحلي منه تحديدا ،أقول هذا لأَنِّي ارى ان روايه بعقوبيون تستحق ان تترجم

احمد فارس02.11.2017 | 20:03 Uhr

اتمنى ان ارى هذا العمل الكبير مسلسلا تلفزيونيا من وزن النسر وعيون المدينة

عامر المفرجي02.11.2017 | 20:07 Uhr

مقالة ممتازة . . و الرواية أجمل!

هناء داداش03.11.2017 | 06:18 Uhr

ابدع الاستاذ احمد خالص الشعلان روائيا وقد عرفناه مترجما وباحثا واستاذا مرموقا، وكان المعارف التي حصل عليها صبت كلها في صالح ابداعه الروائي وجاء منسجما وسلسا خلوا من التعقيدات ولم يحوّله الى صنعه متصنعه،

عائشه الدليمي03.11.2017 | 06:19 Uhr

بالنسبة لروايه الاستاذ احمد خالص الشعلان ارى انها أفضل من كثير الروايات التي نالت جوائز وارى ضرورة أن يتم الاهتمام ماديا بالكاتب العربي، الذي يكابد وجعا ماليا واقتصاديا”، كما أن الكثير من الكتاب العرب ليسوا متفرغين للكتابة ولا للأعمال الأدبية، لذا فإنه لا يجب التغافل عن رصد جائزه ماديه وإن تكون قيمتها المادية متجانسة مع الجوائز العالمية وليست فيها مبالغة.

زهراء فاضل03.11.2017 | 06:26 Uhr

الصفحات