حوار مع الباحث السياسي البارز جلبير الأشقر

الأشقر يُشرِّح الربيع العربي وانتكاسته ويُعرِّي اليسار "الزائف"

تناولت بعض الدراسات الربيع العربي بنوع من الرومانسية الثورية المغرقة في الحلم والتفكير الرغبوي، وبعضها الآخر تناولها من زاوية التطبيل للنظم القائمة والتفسير المؤامراتي للأحداث، وأخرى تناولتها بتبسيط شعبوي ساذج ديماغوغي. فكيف يفسر جلبير الأشقر ظاهرة الربيع العربي وانتكاساتها؟ وإلى أين تمضي مسيرتها؟ وكيف يرى الماركسي العتيق دور اليسار في الربيع العربي؟ وعلاقة اليسار بسؤال الحرية؟ ومَن هو "اليسار الزائف". خالد سلامة حاوره لموقع قنطرة.

وأنت واقف أمام بوابة برلين وعلى بعد خطوات من مكان مرور جدار برلين، الذي مثل هدمه ذروة الموجة الديمقراطية الثانية في أوروبا بعد الموجة الأولى التي شهدتها أوروبا الجنوبية (إسبانيا والبرتغال واليونان) في السبعينيات، كيف تصف حال الموجة الديمقراطية العربية (الربيع العربي) اليوم؟

جلبير الأشقر: المقارنة بين واقعنا العربي وتلك الموجات الديمقراطية التي ذكرتها مفيد. ولكن أرى أن نوسع دائرة المقارنة ونقارن مع تحولات ديمقراطية أخرى خارج أوروبا في الثمانينيات: في أمريكا اللاتينية، كما في شرقي آسيا وخصوصا في كوريا الجنوبية وتايوان. في كافة الحالات المذكورة، جرى التحول من أنظمة دكتاتورية إلى أنظمة ديمقراطية ليبرالية، غير أن عمق التحول مختلف جداً بين حالة وأخرى.

في أوروبا الجنوبية وأمريكا الجنوبية وشرقي آسيا، جاء التحول تكريساً لمرحلة نمو اقتصادي سريع ترافق بالتصنيع والتحديث. أما في أوروبا الشرقية، فقد جاء الانفجار بعد مرحلة جمود اقتصادي مديدة، ولم يؤد فقط إلى الانتقال من نظام دكتاتوري إلى آخر ديمقراطي ليبرالي، بل ترافق بتغير جذري في النظام الاقتصادي-الاجتماعي: من نظام مركزي تشرف عليه بيروقراطية الدولة إلى نظام سوق حر اندمج باقتصاد أوروبا الغربية. وهنا فارق جوهري بين التحول في أوروبا الشرقية والتحولات في أوروبا الجنوبية وأمريكا اللاتينية وشرقي آسيا، حيث حدث التحول في النظام السياسي لا غير. ويمكن أن نضيف تركيا هنا، حيث أدّى النمو الاقتصادي إلى تغيير سياسي وتقليص جذري لسطوة الجيش، كما بيّنت المحاولة الانقلابية الفاشلة التي جرت ليل أمس [15 / 07 / 2016] والتي كانت محاولة لاستعادة تلك السطوة المفقودة.

أما الحالة العربية فتتشابه مع أوروبا الشرقية أكثر من غيرها من حيث عمق التحول. فالربيع العربي ناتج عن جمود اقتصادي مديد تجلى بوتائر نمو منخفضة جداً وبطالة بالغة الارتفاع، خصوصا بطالة الشباب. بيد أن الفارق الجوهري هو أن أوروبا الشرقية كانت تحكمها قبل انفجارها شرائح بيروقراطية تستفيد من التسلط على الدولة، ولكنها لا تملك الدولة ولا تملك الاقتصاد ملكاً خاصاً لأفرادها، فلم تكن مستعدة بالتالي للاستماتة والاستشراس بالدفاع عن النظام، بل أمَلت في إعادة إنتاج امتيازاتها في إطار مجتمع رأسمالي. والحال أن الكثير من حكام اليوم في أوروبا الشرقية هم أبناء النظام السابق على نسق بوتين في روسيا.

غلاف كتاب جلبير الأشقر "الشعب يريد".
غلاف كتاب جلبير الأشقر "الشعب يريد". يقول جلبير الأشقر: "لا توجد ثنائية ثورة وثورة مضادة، بل نقف إزاء مثلث أضلاعه الثلاث هي: ثورة، نظام قديم (ثورة مضادة أولى)، وقوى أصولية دينية (ثورة مضادة ثانية). تراجع القطب الثوري إلى الهامش بسبب فشل القوى السياسية التي مثّلته في التعبير بصدق وبصرامة عن أماني الشباب الثورية بدل تأرجحها في التحالفات مع أحد قطبي الثورة المضادة ضد الآخر. فساد على الساحة القطبان المضادان للثورة وهيمن الصراع على السلطة بينهما، وقد أخذ شكلاً دموياً في سوريا ومصر وليبيا واليمن". ويضيف: "المصالحة بين قطبي الثورة المضادة من شأنها أن توفّر شروطاً أفضل لعودة جماهير الشبيبة إلى سكة الثورة وقيام القوى التقدمية بمعارضة القطبين المضادين للثورة على حد سواء.

الحالة العربية أكثر تعقيداً بكثير: نحن أمام تملك خاص للدولة من قبل جماعات حاكمة على طريقة "الدولة الميراثية" (حسب المفهوم الذي صاغه عالم الاجتماع الألماني، ماكس فيبر)، أو أمام جهاز دولة قائم على نهب منظم للبلاد لصالح التملك الخاص للأفراد المشرفين عليه. في مثل هذه الحالات، يتمسك المتربعون على النظام بنهبهم للدولة ويقاتلون حتى آخر جندي لديهم دفاعاً عن نظامهم، لا سيما في الدول الميراثية حيث قام الحكام بتشكيل حرس خاص بهم بحيث لا يمكن الإطاحة بهم إلا بإلحاق الهزيمة بهذا الحرس. ناهيك بأن المطلوب أكثر من ذلك إذ لا بدّ من تغيير جذري في النظام الاقتصادي-الاجتماعي برمّته، أي لا بدّ من الإطاحة بكافة الفئات الاجتماعية المستفيدة من النظام القائم، وهو أمر لم يحصل في أي بلد عربي حتى الآن.

هل أستنتج من كلامك أن الربيع العربي موجة استمرت لفترة واستنفدت أغراضها ثم ذهبت في حال سبيلها؟

جلبير الأشقر: ساد وهم في عام 2011 في أن إسقاط بن علي ومبارك كان تحقيقاً لشعار "الشعب يريد إسقاط النظام"، غير أن "النظام" في البلدين يقوم على بنية أوسع بكثير من شخص الحاكم وحاشيته. أما في دول ميراثية كسوريا وليبيا، فحتى إسقاط الحاكم أمر غير ممكن من دون التغلّب على قواته الخاصة. تم ذلك في ليبيا، ولكن الدولة برمّتها انهارت مع النظام، لأن النظام كان قد أعاد بناء الدولة بأسرها بما يناسبه. وفي الحالة السورية، لم تفلح الثورة بإسقاط النظام وجلّ ما ينظر إليه اليوم هو مساومة مع النظام، يدور السؤال بخصوصها حول دور بشار الأسد الشخصي فيها.

بيد أن ما شهدناه منذ عام 2011 في المنطقة العربية لم يكن سوى بداية سيرورة ثورية عسيرة وطويلة الأمد ستستغرق عقوداً، مثلما استغرقت سيرورات ثورية تاريخية أخرى كالإنكليزية والفرنسية والصينية والعديد سواها. وفي السنوات والعقود القادمة، إما أن تُستكمل شروط دخول مرحلة جديدة من التاريخ العربي من خلال تغيير البنى السياسية والاجتماعية والاقتصادية تغييراً جذرياً، وإما أن يفشل ذلك، فنكون أمام مرحلة خطيرة من الانحطاط التاريخي والتفسخ المجتمعي على نسق ما بدأنا نراه في بعض بلدان المنطقة.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.