ما هو تصورك المثالي لتغيير النظام الاقتصادي-الاجتماعي بنقاط محددة واضحة؟

جلبير الأشقر: نحن بحاجة لتكنيس الطبقات الحاكمة الطفيلية المتربعة على عروش الممالك والجمهوريات والجملوكيات (جمهورية -ملكية كسوريا الأسد وليبيا القذافي سابقاً) في المنطقة العربية، وإحلال حكم ديمقراطي يخلص في صيانة مصالح الشعب بطبقاته الكادحة، ينتخبه الشعب ويبقى خاضعاً على الدوام للرقابة الشعبية الديمقراطية. ونحن بحاجة إلى نظام اقتصادي يُحدث تنمية حقيقية إنتاجية لا طفيلية، يختلف عما هو سائد لدينا من اقتصاد نيوليبرالي، قام على خصخصة القطاع العام والفساد والمحسوبيات. فدون إحداث مثل هذا التغيير العميق، لن نخرج من الأزمة العميقة التي نعيشها. خذ مثلاً حالة مصر حيث لم يتغيّر النظام الاجتماعي ولم تتبدّل السياسة الاقتصادية منذ 2011 حتى الآن، من مبارك إلى المجلس العسكري إلى مرسي إلى السيسي. ومن يعتقد أن عهد السيسي هو نهاية المطاف واهم، إذ أن الأزمة الاقتصادية-الاجتماعية في مصر ما زالت في تفاقم مستمر، بل ومتصاعد، بينما سياسات السيسي عاجزة تماماً عن مواجهتها.

بعد ما يقارب ست سنوات على الربيع العربي، هل أنت متفائل أم متشائم، أم "متشائل" على حد تعبير إميل حبيبي؟

جلبير الأشقر: بداية، يتوجب علينا تجنب إسقاط الرغبات على الواقع. في عام 2011 في أجواء النشوة والتفاؤل، حذرتُ من أن سقوط مبارك وبن علي لا يعنيان سقوط النظام في البلدين واستعملت مجاز جبل الجليد: لو تم قطع رأسه الطافي فوق الماء، يظهر على الفور رأس جديد فوق سطح الماء. آنذاك ساد إفراط في التفاؤل وبدا تحذيري كأنه تشاؤم بينما رأيت فيه واقعية. أما اليوم فبات التشاؤم يسود. وأقول لمتفائلي الأمس ومتشائمي اليوم أن العملية لم تنته ولا بدّ من التحلي بالنفس الطويل وبالصبر الثوري لمواجهة الثورة المضادة. صحيح أننا نعيش مرحلة ردة وانتكاسة، غير أن الطاقة الثورية الشبابية لا تزال موجودة ولم تُستهلك أو تُسحق. وتعبر هذه الطاقة عن نفسها كلما سنحت الفرصة، مثلاً بالإضرابات والمظاهرات في مصر، وأحداث القصرين في تونس في بداية هذا العام وعودة التظاهر في سوريا مؤخراً خلال الهدنة. بالنسبة لي هذا أمل وليس تفاؤلاً، أي أنه ليس تفاؤلاً بأن الأفضل سوف يحصل، بل قناعة بأن الأفضل ممكن الحدوث شريطة اقترانه بالعمل.

إحدى مظاهرات الربيع العربي dpa.
يقول جلبير الأشقر: "الحالة العربية تتشابه مع حالة أوروبا الشرقية أكثر من غيرها من حيث عمق التحول. فالربيع العربي ناتج عن جمود اقتصادي مديد تجلى بوتائر نمو منخفضة جداً وبطالة بالغة الارتفاع، خصوصا بطالة الشباب. بيد أن الفارق الجوهري هو أن أوروبا الشرقية كانت تحكمها قبل انفجارها شرائح بيروقراطية تستفيد من التسلط على الدولة، ولكنها لا تملك الدولة ولا تملك الاقتصاد ملكاً خاصاً لأفرادها، فلم تكن مستعدة بالتالي للاستماتة والاستشراس بالدفاع عن النظام، بل أمَلت في إعادة إنتاج امتيازاتها في إطار مجتمع رأسمالي. وأقول لمتفائلي الأمس ومتشائمي اليوم أن العملية لم تنته ولا بدّ من التحلي بالنفس الطويل وبالصبر الثوري لمواجهة الثورة المضادة". ويضيف: "صحيح أننا نعيش مرحلة ردة وانتكاسة، غير أن الطاقة الثورية الشبابية لا تزال موجودة ولم تُستهلك أو تُسحق. وتعبر هذه الطاقة عن نفسها كلما سنحت الفرصة، مثلاً بالإضرابات والمظاهرات في مصر، وأحداث القصرين في تونس في بداية هذا العام [2016] وعودة التظاهر في سوريا مؤخراً خلال الهدنة".

من خلال كلامك يبدو أنك على قناعة تامة أن المفجر الأساسي لثورات الربيع العربي هي المشكلة الاقتصادية-الاجتماعية ("التنمية المعاقة" كما أسميتها في كتابك "الشعب يريد"). وطبعاً ينسجم هذا التحليل مع خلفيتك كماركسي لا يزال يربط المسائل بجذورها الاقتصادية والاجتماعية؟ ألا تعتقد أن الربيع العربي كان ثورة للحرية والكرامة بالدرجة الأولى؟

جلبير الأشقر: تأمَّل في الهتاف الذي برز في ميدان التحرير في الانتفاضة المصرية: "عيش (أي خبز بالعامية المصرية)، حرية، عدالة اجتماعية، كرامة وطنية". أنا لا أغيّب أي من هذه الجوانب. غيري هم من غيّبوا بعض الجوانب ولم يروا في "الربيع العربي" سوى توق إلى الحرية والديمقراطية متغافلين عن العمق الاقتصادي-الاجتماعي، فوقعوا في مطب الاعتقاد بأن إجراء انتخابات حرة و تغيير الدساتير يحل المشكلة.

لو عدنا قليلاً إلى الوراء في التاريخ، لوجدنا أنه في الخمسينيات والستينيات شيّدت أنظمة قومية عربية - وخصوصا مصر عبد الناصر - دولاً تنموية حقاً، لكنها دول شابها الاستبداد السياسي والفساد البيروقراطي. ما حدث منذ السبعينات والثمانينات وباسم "الانفتاح" أنه جرى التخلي عن الطابع التنموي للدولة وتصفية المكاسب الاجتماعية مع الإبقاء على الفساد والاستبداد. تراني أقول دائماً أن المطلوب اليوم هو عكس ذلك: المطلوب هو تكنيس الفساد والاستبداد وإعادة تشييد دولة تنموية إنما على أسس ديمقراطية حقاً.

في سوريا، حيث كانت المطالب بالتغيير أكثر جذرية من غيرها من دول الربيع العربي، طغت مسألة الحرية والكرامة.

جلبير الأشقر: هذا أمر طبيعي. فكلما كانت الدولة أكثر قمعية، تطغى مسألة الحرية على غيرها. ولكن المسألة الاقتصادية-الاجتماعية لم تقل تفجراً في سوريا عنها في مصر وتونس. قبل الربيع العربي حذّر تقرير لبرنامج الأمم المتحدة للتنمية من أن سوريا مقبلة على انفجار، ليس احتجاجاً على القمع  -فالدولة القمعية قائمة في سوريا منذ عقود- بل بسبب الوضع الاقتصادي-الاجتماعي: إفقار الأرياف، الهجرة من الريف إلى المدينة وتضخّم أحزمة البؤس حول المدن، والبطالة المرتفعة، وتحوُّل سوريا من بلد جرت فيه محاولة بناء اقتصاد إنتاجي إلى بلد ساد فيه اقتصاد ريعي طفيلي واستشرت فيه المضاربات من عقارية وسواها.

إن نضوج تلك العوامل الاقتصادية-الاجتماعية هو ما سبّب الانفجار في سوريا. كررت مراراً خلال عام 2011 أن السؤال الأكثر تعقيداً ليس لماذا انفجر الوضع آنذاك، بل لماذا تأخر الانفجار حتى ذلك الوقت. قبل الربيع العربي بسنوات عديدة، كنت أدرّس مقرر "مشاكل التنمية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا" وكنت أنهي تدريسي بمناقشة الانفجار القادم والفاعلين المحتملين فيه.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.