ذكرتَ قبل قليل الثورة المضادة ومواجهتها. هلا تفسر أكثر ماهية هذه الثورة المضادة والقوى الفاعلة فيها؟

جلبير الأشقر: من المعلوم أن المد القومي اليساري في الخمسينيات والستينيات واجهته الرجعية العربية، والمملكة السعودية على وجه الخصوص، مسنودة من الولايات المتحدة الأمريكية. وقد استعمل هذا التحالف الأيديولوجية الدينية بصورة انتهازية ومميّزة، فغدا الفكر الديني الأصولي والسلفي سلاحاً أساسياً في تلك المعركة. وقد بلغ هذا التحالف أوجّه في أفغانستان في الثمانينيات. بعد ذلك ارتدّ السحر على الساحر وانتقل قسم من التيار الأصولي السنّي إلى محاربة الغرب، والكل يعرف سيرة أسامة بن لادن. غير أن الحركات الأصولية، سواء كانت سلفية مرتبطة بالسعودية أو إخوانية مرتبطة بقطر أو خمينية مرتبطة بإيران، تتعارض جميعاً وبالعمق مع أماني الشبيبة التي صنعت "الربيع العربي" وتعادي تلك الأماني، فهي إذا ركبت موجة الثورة في معاداة الأنظمة كان ذلك لتجيّر الزخم الثوري لصالحها وفي اتجاه مضاد للثورة.

ما لدينا ليس ثنائية ثورة وثورة مضادة، بل نقف إزاء مثلث أضلاعه الثلاث هي: ثورة، نظام قديم (ثورة مضادة أولى)، وقوى أصولية دينية (ثورة مضادة ثانية). تراجع القطب الثوري إلى الهامش بسبب فشل القوى السياسية التي مثّلته في التعبير بصدق وبصرامة عن أماني الشباب الثورية بدل تأرجحها في التحالفات مع أحد قطبي الثورة المضادة ضد الآخر. فساد على الساحة القطبان المضادان للثورة وهيمن الصراع على السلطة بينهما، وقد أخذ شكلاً دموياً في سوريا ومصر وليبيا واليمن.

ما هي شروط العودة الفعالة للقطب الثوري إلى الساحة؟

جلبير الأشقر: الشرط الأول هو تراجع حدة الصراع بين قطبي الثورة المضادة. من المفارقة أنني أتمنى اليوم للولايات المتحدة وللغرب التوفيق في مساعيهم للمصالحة بين القطبين الرجعيين المضادين للثورة. وقد نجحت مساعي المصالحة في تونس، ويحاولون تسويق اتفاقاً بهذا الشأن في ليبيا والتوصّل إلى مثله في سوريا وفي اليمن. لماذا تراني أتمنى نجاح تلك المساعي؟ لكي ينجلي أمام الأعين بوضوح أن هذين القطبين لهما نفس البرامج السياسية والاقتصادية، وإن اختلافا في مدى إقحام الدين في السياسة. فإن المصالحة بينهما من شأنها أن توفّر شروطاً أفضل لعودة جماهير الشبيبة إلى سكة الثورة وقيام القوى التقدمية بمعارضة القطبين المضادين للثورة على حد سواء.

ألا ترى أن وقوف أغلب اليسار الرسمي ضد الربيع العربي يطرح علامة استفهام حول علاقة اليسار نفسه بالحرية؟

جلبير الأشقر: تنبع قيم اليسار التاريخية من تجذّر قيم الثورة الديمقراطية الكبرى، التي تجد تلخيصاً لها في شعار الثورة الفرنسية الشهير: حرية، مساواة، أخوّة. الحرية والمساواة قيمتان لا يمكن الفصل بينهما، بل هما متلازمتان إذ أن المساواة بلا حرية تؤدي حتماً إلى اللامساواة والحرية بلا مساواة تؤدي حتماً إلى الاستبداد الاجتماعي، إن لم يكن الاستبداد السياسي. وإدراك هذا التلازم هو الذي يجب أن يميّز اليسار الحقيقي. من هذا المنظار، فإن قسماً كبيراً من "اليسار" العربي لا علاقة له بقيم اليسار الأصلية، وكم بالأحرى لو أخذت بعين الاعتبار أن الحرية تقتضي العلمانية، أي فصل الدين عن الدولة، وأن المساواة لا بدّ أن تشمل المساواة الكاملة بين الرجال والنساء وحقوق الأقليات على اختلاف أنواعها.

هل ترى أن هذه القوى تحمل "رايات زائفة"؟

جلبير الأشقر: وكيف يمكن أن يكون المرء "يسارياً" ويؤيد نظام آل الأسد في سوريا اليوم، ونظام القذافي في ليبيا الأمس، ونظام صدام حسين في عراق قبل الأمس. انظر إلى النظام السوري، لا يوجد فيه أي شيء "يساري"، بل طفيلية وقمع وبطش واستبداد ودرجة فاحشة في نهب الدولة بحيث بات ابن خال الرئيس أثرى رجل في البلاد. هذا نظام ذو سمات أقرب بكثير إلى الفاشستية منها إلى قيَم اليسار. أما الذين يرون فيه نظام "ممانعة" فهم يتعامون عن أن هذا النظام بعينه هو من تصدّى للمقاومة الفلسطينية واليسار اللبناني في الحرب الأهلية اللبنانية سنة 1976، واستكمل في 1983 طرد منظمة التحرير الفلسطينية من مناطق لبنان التي لم يطردها منها الاجتياح الصهيوني عام 1982، وأشرف على "حرب المخيمات" ضد اللاجئين الفلسطينيين في لبنان من عام 1985 حتى عام 1988، وشارك في الحرب الأمريكية على العراق تحت قيادة الولايات المتحدة سنة 1991، ونسج في عهد بشار الأسد علاقات وطيدة بأنظمة الخليج والحكومة التركية اللواتي يعاديها اليوم لا لشيء إلا لأنها تعاديه هي، وذلك لأسباب طائفية، ويفضّل بالتأكيد أن تواصل دعمها له وهو لا ينفك يتوسّل لدى الدول الغربية، والولايات المتحدة على وجه الخصوص، كي تؤازره بحجة أنه أهون الشرين بالمقارنة مع "داعش" وما شابهها من القوى التي حفز هو تطورها.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.