قد يخرج عليك أحد من سلالة بكداش، المتربعة على رأس الحزب الشيوعي السوري منذ ثلاثينيات القرن العشرين (أولاً الأب ثم الأم والآن الابن)، ويقول لك: قف! أنت لست "أمين الهيكل" اليساري لتصنّف؟

جلبير الأشقر: إذا لم يكن هناك من معايير موضوعية للحكم على صدق من يدّعي الانتماء إلى فلسفة ما، وقعنا في عبث تاريخي كامل. فإنني أحكم على شخص يدّعي الانتماء إلى اليسار بناء على القيم التي تحدثت عنها. أما الذين يعرّفون اليسار بأنه كل من تعاديه أمريكا فأبعد ما يكونون عن المنطق اليساري، بل يتعاملون بمنطق "عدو عدوي صديقي" البائس للغاية. نحن نعادي أمريكا عندما تحارب القيم التي ذكرتها - وهذا ما تفعله أمريكا في أغلب الأحيان؛ لكن منطلقنا ليس محاباة من تعاديه أمريكا، وإلا وقفنا مع النازية في الحرب العالمية الثانية.

غلاف كتاب جلبير الأشقر "انتكاسة الانتفاضات العربية: أعراض مرضية".
غلاف كتاب جلبير الأشقر "انتكاسة الانتفاضات العربية: أعراض مرضية". يقول جلبير الأشقر ما شهدناه منذ عام 2011 في المنطقة العربية لم يكن سوى بداية سيرورة ثورية عسيرة وطويلة الأمد ستستغرق عقوداً، مثلما استغرقت سيرورات ثورية تاريخية أخرى كالإنكليزية والفرنسية والصينية والعديد سواها. وفي السنوات والعقود القادمة، إما أن تُستكمل شروط دخول مرحلة جديدة من التاريخ العربي من خلال تغيير البنى السياسية والاجتماعية والاقتصادية تغييراً جذرياً، وإما أن يفشل ذلك، فنكون أمام مرحلة خطيرة من الانحطاط التاريخي والتفسخ المجتمعي على نسق ما بدأنا نراه في بعض بلدان المنطقة. ويضيف: " في دول ميراثية كسوريا وليبيا، فحتى إسقاط الحاكم أمر غير ممكن من دون التغلّب على قواته الخاصة. تم ذلك في ليبيا، ولكن الدولة برمّتها انهارت مع النظام، لأن النظام كان قد أعاد بناء الدولة بأسرها بما يناسبه. وفي الحالة السورية، لم تفلح الثورة بإسقاط النظام وجلّ ما ينظر إليه اليوم هو مساومة مع النظام، يدور السؤال بخصوصها حول دور بشار الأسد الشخصي فيها.

هل تؤيد الحديث عن فصل بين يسار تحرري ويسار طغيانيّ، كما جرى الحديث في القرن العشرين عن يسار طفولي، ويسار مغامر، ويسار ستاليني، ويسار موسكوفي (يتبع الاتحاد السوفيتي)، ويسار تحريفي...إلخ؟

جلبير الأشقر: أميل في كتاباتي إلى استخدام تعبير "القوى التقدمية"، وتشمل بعض القوى التي تعرف عن نفسها باليسارية، وبعض القوى الليبرالية بالمعنى السياسي، والإصلاحية اجتماعياً والمعارضة للنيوليبرالية اقتصادياً. هذه القوى التقدمية هي التي أراها معبرة عن أماني الشبيبة التي قامت بالثورة. فالأيديولوجية الغالبة في أوساط الشبيبة التي نهضت بالربيع العربي هي تعبير عن هذا المنحى التقدمي بالمعنى العريض.

لك رأي مميز بالدعوة إلى التخلي عن ماركسية القرن العشرين والعودة إلى ماركسية القرن التاسع عشر. ألا ترى في ذلك "سلفية ماركسية"؟

جلبير الأشقر: أنا مع "سلفية ماركسية" لو أخذنا تعبير "سلفية" بمعنى محمد عبده، أي العودة إلى روح "السلف الصالح" في تحديث العقيدة بعد الانحطاط، وأبعد ما أكون عن "السلفية" بالمعنى الوهّابي. أرى أن ماركسية القرن العشرين حادت تماماً عن روح الماركسية الأصلية. لذا فإن سقوط الاتحاد السوفييتي لم يؤدِّ إلى سقوط الماركسية برمّتها، بل أدى إلى انتعاش الفكر الماركسي من خلال العودة إلى ماركس. فلا بدّ من العودة لتراث ماركس وإنجلس وتخليص الماركسية مما شابها من تشويهات خلال القرن العشرين بغية صياغة ماركسية صالحة للقرن الواحد والعشرين.

ما هي قراءتك الأولية لما حدث في تركيا ليل أمس [15 / 07 / 2016]؟

جلبير الأشقر: أنا ضد الانقلابات العسكرية بوجه عام، ولا سيما في هذه الحالة حيث تدعم إردوغان أكثرية فعلية عبّرت عن نفسها من خلال انتخابات ديمقراطية نزيهة نسبياً. أما حالة محمد مرسي فكانت مختلفة، إذ حصل على ربع الأصوات فقط في الدورة الأولى للانتخابات الرئاسية سنة 2012، ولم يفز في الدورة الثانية سوى بفضل أصوات من أرادوا سد الطريق أمام منافسه أحمد شفيق، ممثل النظام القديم. إلا أن مرسي قد تصرّف وكأن الأكثرية تدعمه وتدعم جماعة الإخوان المسلمين التي ينتمي إليها، فأدى سلوكه الأرعن إلى قلب غالبية الرأي العام العظمى ضده، مما فسح المجال أمام الجيش بقيادة عبد الفتاح السيسي لينقض على حكمه. فعاد النظام القديم إلى مصر بصورة أكثر قمعية من سابق عهده قبل الثورة. ولا شك لديّ أن السيناريو نفسه كان سوف يجري في تركيا لو نجح الانقلاب، أقصد العودة إلى الحكم العسكري الدكتاتوري. أقول هذا مع معارضتي الصارمة للميول الأوتوقراطية والسلطانية لدى إردوغان.

ما تصورك للحل المثالي للوضع في سوريا اليوم؟

جلبير الأشقر: أرى أن أولوية الأولويات في سوريا اليوم هي وقف النزيف والدمار، لأن البديل هو ألا يبقى شعب في البلاد ولا حجر على حجر. لقد وصلت الأوضاع في سوريا إلى حالة متردية جداً بحيث بات مستحيلاً في الأمد المنظور تحقق ما كان يحلم به المتظاهرون في عام 2011 من إسقاط لنظام بشار الأسد وإحلال لنظام ديمقراطي تقدمي محله. ولا بدّ اليوم من وقف الحرب كي يعاد بناء حراك شعبي تقدمي، وهذا من باب ما قلته لك سابقاً عن تفضيلي للمصالحة بين الأقطاب الرجعية كي تنجلي القواسم المشتركة بينها وتتمكن القوى التقدمية من مواجهتها مجتمعة بحيث يحتل الصدارة من جديد التعارض بين الثورة والثورة المضادة، بدل أن يستمر التعارض بين قطبي الثورة المضادة في الهيمنة على الوضع مع تهميش للقطب الثوري.

فما أقصى ما تتمناه الآن لسوريا ؟

جلبير الأشقر: وقف الحرب وقيام سلام بشروط تتيح مواصلة الحراك السياسي التقدمي، وأنا لم أفقد الأمل باستنهاض الطاقة الثورية العظيمة التي انجلت في سوريا في عام 2011.

 

حاوره: خالد سلامة

حقوق النشر: موقع قنطرة 2016

ar.Qantara.de

 

د. جلبير الأشقر (65 سنةً) أكاديمي وكاتب وباحث لبناني. يعمل حالياً أستاذاً لدراسات التنمية والعلاقات الدولية في معهد الدراسات الشرقية والأفريقية (SOAS) في جامعة لندن، كما درّس سابقاً في جامعة باريس الثامنة، ومن ثم باحثاً بين عامي 2003 و2007 في مركز مارك-بلوك في برلين. تتمحور كتاباته وأبحاثه حول قضايا: الاقتصاد السياسي وعلم اجتماع العولمة، دراسات التنمية، العلاقات الدولية، النظرية الإمبراطورية والكشف عن الهيمنة الأمريكية في العالم وفي الشرق الأوسط الكبير، السياسة واقتصاد التنمية لدول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، علم اجتماع الدين، النظرية الاجتماعية والتغيير الاجتماعي. من أهم كتبه: "الشعب يريد"، "انتكاسة الانتفاضات العربية: أعراض مرضية"، "العرب والمحرقة النازية"، "صدام الهمجيات". تُرجمت كتبه إلى 15 لغة.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.