حوار مع الشاعر الألماني يوأخيم سارتوريوس حول سوريا والعراق والربيع العربي

القوى الديمقراطية المتسامحة في العالم العربي ستثبت وجودها

الانتفاضة غير المسلحة وغير المؤدلجة في سوريا ضد ديكتاتورية الأسد تَعَسْكَرت تدريجياً نتيجة للقمع بالسلاح وتحول الوضع إلى صراعات دامية وحروب طائفية، أخفضت صوت الحراك المدني. حول الوضع في المنطقة العربية على العموم والأزمة السورية على الخصوص حاور فؤاد آل عواد الشاعر والكاتب والوسيط الثقافي الألماني يوأخيم سارتوريوس لموقع قنطرة.

السيد سارتوريوس، أغلب الأوربيين لم يتوقعوا نهوض الشعوب العربية بوجه طغاتها. هل كنت مندهشا عندما انتفض الشباب العربي في وجه الظلم وحاول التغيير من خلال بما تسمى بثورات الربيع العربي؟

يوأخيم سارتوريوس: كنت متحمساً جداً ومعجباً بالربيع العربي وما حمله من عفوية وجدية. فعندما بدأت الثورة في تونس، كانت في فحواها  ثورة غير مؤدلجة. لقد خرج الشباب إلى الشارع يدعون إلى حرية التعبير، والمساواة وحرية المرأة ومن أجل حياة أفضل. وسرعان ما انتقلت هذه الثورة إلى مصر وليبيا وسوريا واليمن. لكنها اليوم تحت سيطرة مسلحين وجماعات أصولية متشددة.

ونحن نعلم جميعا أن الوضع أصبح بعيد كل البعد عن تطلعات وآمال الناس وخاصة الناشطين الذين صنعوا الثورة في بداياتها من خلال عنفوانهم. وهذا طبعاً أمر مأساوي.

تتحدث عن بدايات عفوية، حركة شبابية لا تحمل أي أيديولوجية. ولكن كيف كان لها أن تأخذ هذا المنحى الآخر، منحى العنف المؤدلج وخاصة بهذه السرعة على سبيل المثال في سوريا، حيث أصبحت حرب طائفية طاحنة؟

سارتوريوس: من وجهة نظري أن الوضع في سوريا أصبح معقداً بحيث يكاد لا يمكن لنا أن نعاين ونفهم ماذا يحصل. بالنسبة لي، الصراع الأساسي هناك هو صراع طائفي، صراع بين السنة من طرف والشيعة والعلويين من طرف آخر. ولكن هذا الصراع أصبح يسيطر عليه جماعات إرهابية متطرفة أيديولوجياً. وهذا الصراع مدعوم من الخارج، خاصة من المملكة العربية السعودية ومن قبل قوى إقليمية أخرى. أساساً أصبح هذا الصراع الطائفي مملوءاً تماما بالحقد والكراهية ويحمل أيديولوجية الدمار بشكل لا يوصف.

كفر نبل - سوريا. Foto: Reuters
الشاعر الألماني يوأخيم سارتوريوس: كنت متحمساً جداً ومعجباً بالربيع العربي وما حمله من عفوية وجدية... لقد خرج الشباب إلى الشارع يدعون إلى حرية التعبير، والمساواة وحرية المرأة ومن أجل حياة أفضل.

هل ستؤدي أيديولوجية الدمار والكراهية هذه إلى تفكيك العالم العربي أكثر وأكثر؟

سارتوريوس: أنا لست متشائما ومشككا بالواقع كما صديقنا الشاعر السوري أدونيس، الذي يتحدث عن انهيار العالم العربي. أنا لا أوافقه ذلك ولكن أخشى أن الأمر سيستغرق سنوات عديدة قبل أن يتم الانتهاء من هذه الحرب الطائفية. نحن هنا في أوروبا واجهنا أيضاً صراعات دامية لا يتصورها العقل مثل حرب الثلاثين عاما وغيرها من الحروب القاسية إلى أن وجدت أوروبا طريقها إلى السلام وإلى مكانها الصحيح. وهنا أرجو أن تثبت القوى العلمانية والديمقراطية المتسامحة في العالم العربي وجودها على المدى البعيد.

لماذا لم تنجح المجتمعات العربية حتى الآن في بناء أنظمة ديمقراطية. حتى أننا نراها فشلت في بناء نظامٍ يحمي شبابها من تفشي فكر الجماعات الإرهابية والمتطرفة. فهم لم يتوصلوا على الأقل إلى نظام تربوي لتوعية هذا الشباب لعدم الالتحاق بالتطرف والإرهاب؟

سارتوريوس: المجتمعات العربية هي مجتمعات شابة للغاية. في هذا السن هناك احتمال كبير للتطرف وخاصة بين هؤلاء الشباب الذين يعانون من البطالة، حيث لم تقدم لهم حكوماتهم إلى الآن أي بديل أو حتى أي أمل في التغلب على واقعهم المرير. وهذا ما جعلهم عرضة للفكر المتطرف والإرهابي.

بعض المثقفين العرب، ومنهم الشاعر أدونيس، يحمِّلون –ليس فقط– القوى الإقليمية مثل تركيا والمملكة العربية السعودية وقطر المسؤولية تجاه ما يحصل الآن في سوريا والعراق من حرب دموية عنيفة، بل أيضاً يحمِّلون الغرب بما فيه أمريكا مسؤولية ذلك. وتتوجه التهمة إلى الغرب على أنه لا يأبه بمصالح الشعوب وخاصة العربية منها ولا يأخذ في عين الاعتبار الحقوق المدنية لهذه الشعوب أمام مصالحه الاقتصادية. هل يدل هذا النقد على مايسمى بـ فوبيا تجاه الغرب أم أن العرب مُحِقّون في رأيهم؟ ما هي وجهة نظرك تجاه هذا الموضوع؟

سارتوريوس:  أنا لا أعتقد أن هذ التهمة نابعة عن عقدة أو أو فوبيا تجاه الغرب. السبب في رأيي أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت تمارس ولسنوات طويلة السياسات الكارثية في الشرق الأوسط. ويبدو هذا جلياً في دعم المملكة العربية السعودية وغيرها من الدول المحافظة للغاية وخاصة العدوانية منها.

أيضا فيما يتعلق بفلسطين، لقد لعبت الولايات المتحدة في هذه القضية ولسوء الحظ دورا سلبيا. لماذا لم تنشأ إلى الآن دولة فلسطينية؟ وخاصة أن باراك أوباما صرح بأن رغبته وهدفه إقامة دولة فلسطينية. ولكن الخوف من الجاليات اليهودية الكبرى في الولايات المتحدة حال دون ذلك وكل مرة نجد أعذاراً لهذا.

أملي أن تأخذ الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي دورهما الفعال وأن يكونا أكثر استباقية واهتماماً بشأن هذه المسألة.

عدا عن ذلك تراني أشعر بخيبة أمل كبيرة تجاه الاتحاد الأوروبي، فعندما نشأ الربيع العربي الأول في تونس لماذا لم تشترك أوروبا بشكل فعّال في السياسة الثقافية والاجتماعية الدولية، لماذا لم تضع خطة عامة للمنطقة المغاربية لكي تخرج من أزمتها بدلاً من التنظير وتحليل الوضع عن بعد. وفي هذا الصدد، فإن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة تتحملان مسؤولية كبيرة تجاه الفوضى الحالية في العالم العربي.

نقلت وكالة رويترز في أكتوبر/ تشرين الثاني 2015 إن قوات إيرانية وصلت إلى سوريا للمشاركة في عملية برية كبيرة إلى جانب القوات الحكومية وقوات من حزب الله وبغطاء جوي روسي لاستعادة السيطرة على مناطق فقدها نظام الأسد.
نقلت وكالة رويترز في أكتوبر/ تشرين الثاني 2015 أن قوات إيرانية وصلت إلى سوريا للمشاركة في عملية برية كبيرة إلى جانب القوات الحكومية وقوات من حزب الله وبغطاء جوي روسي لاستعادة السيطرة على مناطق فقدها نظام الأسد.

إنها مفارقة كبيرة. فالغرب يريد المساهمة في عملية التحول الديمقراطي في البلدان العربية. لكنه في الوقت نفسه يدعم عسكرياً ويبيع أسلحة إلى المملكة العربية السعودية أيضا ، البلد غير الديمقراطي تماما، بل وأكثر من ذلك، إنه عدو مطلق لحقوق الإنسان.

أين هي قيم الغرب، الديمقراطية، العلمانية، الحقوق المدنية: كرامة الفرد والمجتمع، سيادة القانون؟ القيم التي سقط من أجلها العديد من الضحايا منذ الثورة الفرنسية. هل نستطيع هنا  القول أن الغرب يخون قيمه على حساب مصالحه الاقتصادية؟ أم أنه يحتفظ بهذه القيم لنفسه بينما هو يتجاهلها للآخرين ....

سارتوريوس: في تحليلك هذا تضع إصبعك على ما هو مسكوت عنه بشكل كبير هنا في الغرب. نسمع نظرياً فقط عن القيم الإنسانية في الخطابات السياسية والثقافية ولكننا نرى ممارساته العملية في الخارج وفيما يتعلق بهذه القيم بشكل مغاير وخاصة عندما تكون للمصلحة الاقتصادية الأولوية في السياسة الخارجية.

في ألمانيا كانت هناك بعض المحاولات من قبل حزب الخضر والحزب اليساري لمنع تصدير الأسلحة إلى السعودية ولكن هذه المحاولات باءت بالفشل. يبدو أن لوبي صناعة الأسلحة في هذا البلد قوي جدا، حيث الكلمة الأخيرة لرجال الأعمال واللوبي الصناعي على حساب الناخبين. السياسة تتحدث بلسانين. للأسف هذا هو الواقع وأنا لا أريد هنا تجميله.

نعود إلى الوضع السوري والعراقي على حد سواء، نطرح مسألة الهوية والانتماء وهي مسألة مهمة بالنسبة لكثيرين في سوريا والعراق، حيث سكان هاذين البلدين ينتمون إلى عدة ديانات وطوائف وشعوب. وقد بدأت تظهر عند الكثيرين منهم، وإلى العلن، حالة الولاء للطوائف والعشائر والمذاهب والهويات الصغرى.الإنسان العلماني يبحث عنه ذاته وهويته في الحداثة والتقدم وينظر دائماً إلى المستقبل. المتدين يبحث عن ذاته وهويته في الدين وينظر دائماً إلى الماضي وإلى الحياة ما بعد الموت. إنه تصور جنوني بحد ذاته أن أبحث عن هويتي وانتمائي في براغيث الماضي وأكون على استعداد للموت من أجلهما. ما هذه المفارقة، في رأيك؟

سارتوريوس: هذا تحليل جيد. الفوضى والضغط النفسي قادا الإنسان العربي إلى البحث عن هويات أخرى. الانتماء أوالهوية هي حجرة يلوذ إليها المرء وقت الحاجة ولقد كسبت أهمية كبيرة في الآونة الأخيرة. وكما ذكرت أنت سابقاً أنه في حالة البحث عن الذات وخاصة في زمن الحروب والرعب والطغاة يكون الدين هو المخرج الوحيد لأناس يفقدون الأمل في تغيير مصائرهم وخاصة في دوامة القلق.

طفل سوري يحتج على ديكتاتورية الأسد في مارس/ آذار عام 2011. Foto: DW
الشاعر الألماني يوأخيم سارتوريوس: نحن في أوروبا واجهنا أيضاً صراعات دامية لا يتصورها العقل مثل حرب الثلاثين عاما وغيرها من الحروب القاسية إلى أن وجدت أوروبا طريقها إلى السلام وإلى مكانها الصحيح. وهنا أرجو أن تثبت القوى الديمقراطية المتسامحة في العالم العربي وجودها على المدى البعيد.

نعود إلى الوضع السوري والعراقي. قلت إنك متفائل بأن الوضع في سوريا والعراق سيصبح أفضل يوماً ما. لكن بإلقاء نظرة من الخارج عليهما نرى أن الوضع هناك لا يزال متصاعداً. فالناس يفرون بأعداد كبيرة من كلا البلدين. عشرة ملايين سوري اضطروا إلى الفرار. رغم كل هذا من أين لك هذا التفاؤل بأن الوضع في كلا البلدين سيكون أفضل مما كان عليه من ذي قبل؟

سارتوريوس: ربما يكون تفاؤلي غير عقلاني. ولكن كل الحروب الأهلية تتوقف يوما ما، إما بسبب عدم توافر مقومات الحرب مع مرور الزمن نظراً للإرهاق العميق بعد استهلاك كل الموارد والطاقات. نعم الجروح لا تشفى بسهولة لكن لا بد من بداية جديدة تغطي كل الندوب.

فأنا لا أستطيع أن أتخيل أن سوريا سوف تتلاشى. أنا أعرف العديد من المبدعين السوريين الفعالين في المجتمع، شعراء، فنانين، مهندسين معماريين، مخرجين سينمائيين وتجار وقد زرت سوريا عدة مرات قبل الحرب، كنت في دمشق وحلب.

لا، لا أستطيع أن أتخيل أن كل الإمكانيات الرائعة الموجودة في سوريا ستنهار ببساطة.

يقول أدونيس إن الفرد في العالم العربي قد فشل في بناء مجتمع حديث، وإن الفرد أصبح مع مرور الزمن يعتمد على القوى السياسية ومؤسسات الدولة المتخلفة، وإن الفرد بذلك ليس ذا تأثير حين لا يتم إصلاح المؤسسات.

سارتوريوس: صديقي أدونيس متشائم. آمل أنه ليس على حق في تحليله هذا حول الفرد العربي العاجز. ولكن لا أحد منا نَبِيّ. ليس بإمكان أحد أن أن يتنبأ بما سيحدث. أنا أعرف سوريين يعيشون الآن في المنفى ورغم ذلك لم يفقدوا الأمل في العودة إلى سوريا والمشاركة في إعادة إعمار البلاد. أقول مرةً أخرى: لا أستطيع تخيُّل أن يتم ترك هذا البلد. من المهم إحكام القبضة على ما يسمى "الدولة الإسلامية" وإقناع الأسد بأن يترك السلطة لقوى ليبرالية.

 

حاوَره: فؤاد آل عواد

حقوق النشر: موقع قنطرة ar.qantara.de 2016

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.