حوار مع الـروائي الـعـراقي ســنـان أنـطـون

حجم الفساد واللامهنية في الجوائز العربيّة أكبر بكثير من مثيلاتها في الغرب

الواقع في كل مكان وزمان يحمل ما يفيض عن الرواية وعن النص الأدبي والكثير من القراء لا يصدقون أنني لا أعيش في العراق وهذه أكبر جائزة.

لماذا قمت بترجمة محمود درويش ولماذا النصوص التي ترجمتها بالتحديد؟ وما المختلف برأيك في درويش عن غيره؟

ســنـان أنـطـون: محمود درويش من أهم شعراء العالم ومن الضروري أن يترجم لأسباب جمالية وأدبيّة في المقام الأوّل. أنا أترجم الشعر والنصوص التي أحبّها والتي تهزّني ودرويش أحد شعرائي المفضّلين. كما أن في الترجمة، بالنسبة للكاتب والشاعر، الذي يترجِم، فائدة قصوى تتمثّل في التعمّق في النص بشكل لا تتيحه القراءة العاديّة أو حتّى النقدية، وبالتالي الدخول في حوار مع الشاعر والنص. أما عن النصوص، فقد ترجمت الكثير من أشعاره ولو كان في العمر متّسع لترجمت أكثر بكثير.

بدأت بترجمة ”في حضرة الغياب“، لأنه واحد من أجمل الكتب التي قرأتها في حياتي، ولا بد من أن يترجم إلى كل لغات العالم (لم يترجم إلى الآن إلا إلى الاسبانية والإنجليزية على حد علمي).

الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين يقول ”كل نص يظل في حداد إلى أن يترجم"، فالترجمة تعطي النص بكل جمالياته حياة جديدة في لغة أخرى وتفتح الباب أمام آلاف مؤلفة من القراء والقارئات.

ترجمت روايتك "وحدها شجرة الرمان"، هل يختلف العمل المترجم من قبل صاحبه عن ترجمته من قبل مترجم آخر؟

ســنـان أنـطـون: نعم، قد يتحرّر المترجم عندما يترجم نصاً كتبه هو من بعض القيود التي تفرضها عمليّة ترجمة نص لكاتب آخر. مع أنني لم أغير إلا جملاً معدودة في النص، إلا أن حقيقة وجود الكاتب والمترجم في ذات واحدة، تسمح بحوار قد يكون مستحيلاً في حالات أخرى. فلا أحد يعرف النص مثلما يعرفه الكاتب. أي أن الكاتب فيّ سيعطي المترجم فضاء من الحرية.

رواية "وحدها شجرة الرمان" رواية قاتمة تفطر القلب .. حزينة ومؤثرة: عن جدليات الموت، والاحتلال، والحرب الاهلية .. حتى ان البعض وصفها بالرواية السوداء؟

الحياة أيضاً قاتمة وتفطر القلب. هناك عدة قراءات للرواية. صحيح أن الموت حاضر فيها بقوّة وهذا هو واقع الحال، لكن هناك بعدا آخر في الرواية انتبه إليه الكثيرون، وهو صمود الفرد أمام الموت، والشجاعة الإنسانية في مواجهة ظروف قاسية، وعدم الاستسلام أو الرضوخ.. وفي النهاية القراء هم الذين يقرّرون.. والرواية ما زالت تقرأ بشكل واسع حتى بعد مرور خمس سنوات على نشرها.

طرحت موضوع الطائفية الدينية بجرأة وقوة في روايتك الشهيرة "يا مريم" هل ترى ان الرواية انعكاس للواقع ام تجاوزته؟ ام ان الواقع في العراق يحمل ما يفيض عن الرواية؟

ســنـان أنـطـون: الواقع في كل مكان وزمان يحمل ما يفيض عن الرواية وعن النص الأدبي. وكل نص هو تفاعل مع الحياة والواقع، وهما ينعكسان في النص بطرق وبدرجات مختلفة.

قد تنجح بعض الأعمال في الغور عميقاً في لحظة ما من لحظات مجتمع أو بلد وتبلور محنته... ”يا مريم“ كانت عن علاقة الإنسان بالبيت، بالمعنى الأوسع، البيت الذي بناه وعاش فيه ذكرياته، والبيت الأكبر: الوطن. وعمّا سيعتمل في داخله حين يتم تخريب هذا البيت وحين يأتي من يقول لأهل البيت: أنتم غرباء، لا مكان لكم هنا.. والرواية تعرّضت أيضاً لفقدان الذاكرة الجمعي، ولتطييف السياسة والدين، وهو أحد أسباب الخراب الذي يجتاح بلداننا.

العديد من الكتاب والنقاد العراقيون احتجوا على عدم فوز رواية "يا مريم" بجائزة "البوكر" ووجدوا انها كانت تستحق ذلك. ما رأيك بفكرة الجوائز الادبية عموما وهل تعتقد انك ظلمت فعلا؟

ســنـان أنـطـون: الاحتجاج لم يكن من كتاب عراقيين فقط، بل من الزملاء العرب. لكن لا أضع نفسي في خانة ”المظلومين“ أبداً. .. الجوائز، لا في العالم العربي فحسب، بل في كل مكان، تخضع لاعتبارات مؤسساتية ولأذواق لجنة التحكيم في نهاية الأمر. وهناك فساد حتى في الجوائز التي تعطى في الغرب، لكن حجم الفساد واللامهنية في الجوائز العربيّة أكبر بكثير.

الجوائز تساعد على تسليط الضوء على الأعمال المشاركة فيها، وتزيد من مساحة القراءة لكنها ليست مقياساً للجودة الأدبية.. رواية ”وحدها شجرة الرمانحازت على إعجاب النقّاد والقرّاء وما زالت تقرأ بشكل اسع وترجمت إلى الفرنسيّة والانكليزية.. كل هذا وهي لم تصل إلى القائمة الطويلة في "البوكر" عندما رشحها الناشر.

عشت في المهجر تقريبا نفس ذات المدة التي عشتها في العراق، برأيك ومع هذا الاغتراب هل يبقى الكاتب قادرا على نقل الالم والوجع الذي يعيشه ابناء بلده بذات المقدرة للكتاب المقيمين في العراق؟

 ســنـان أنـطـون: لا شك أن الابتعاد عن الوطن قد يؤدي بالمرء إلى الابتعاد عن هموم وهواجس أهله. لكن الأمر يعتمد على نوع العلاقة التي يختارها المغترب، سواء أكان كاتباً أم فنانا أم لا.

نحن أيضاً نعيش في عصر فريد تنتقل فيه المعلومات والصور بشكل فوري في الفضاء الافتراضي، ويمكن للمرء أن يتحاور مع أهله وأصدقائه في قارة أخرى. هذا لا يعني نهاية الاغتراب، فالاغتراب جزء من الحياة الحديثة أصلاً.

مثَلي الأعلى هو الشاعر العراقي سرگون بولص، الذي ترك العراق العام ١٩٦٧ وعاش بعد ذلك في بيروت وانتقل إلى سان فرانسسكو. هذا الشاعر العظيم الذي عاش معظم حياته خارج العراق كتب أجمل الأشعار عن العراق وعن الحرب، بالذات الأخيرة. وهناك أمثلة أخرى كثيرة في الأدب العالي أيضاً. الإبداع أساساً هو تقمّص الآخر وتجاوز المكان والزمان. الكثير من القراء العراقيين يكتبون لي غير مصدّقين أنني لا أعيش في العراق وهذه أكبر جائزة بالنسبة لي.

•  أغلب الروائيين يبدؤون شعراء كما أنت ثم يتجهون الى الرواية، ما السر في ذلك .. وهل الشعر يبقى أساس الكتابة المميزة نثراً؟

 ســنـان أنـطـون: لا أتفق معك. هناك عدد من الشعراء العرب الذين تحولوا إلي الرواية، ولكن أغلب الروائيين ليسوا شعراء. لا أعتقد أن كتابة الشعر تعطي بالضرورة مفتاحاً أو وصفة سحرية لكتابة رواية ناجحة... الأساس هو العلاقة باللغة والتمكّن منها وتشرّب جماليتها وتقنياتها.

ولكن الرواية جنس أدبي معقّد وله تاريخه ومدونته، والسرد يتطلّب موهبة خاصة. صحيح أن الحدود بين الأجناس الكتابية تضبّبت وهناك نصوص عابرة للأجناس، لكن كتابة الرواية مغامرة صعبة.

لمتابعة الحوار كاملا الرجاء النقر هنا:

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.