حوار مع الفرنسية لوكين مؤلفة كتاب: عملية "قيصر" - في قلب آلة القتل السورية

منظومة التعذيب في سجون الأسد..."قيصر" دمشق وجزار سوريا

وثّق مُصَوِّر الشرطة العسكرية السورية "قيصر" بالصور بعض جرائم بشار الأسد بحق شعبه. الكاتبة الفرنسية غارانس لوكين التقت الـمُصَوِّر "قيصر". وفي كتابها "عملية قيصر - في قلب آلة القتل السورية"، تميط اللثام عن منظومة التعذيب الممنهج التي ينتهجها النظام السوري. حول القضية السورية وجهود المصور "قيصر" لوضع حد لهذه المقتلة، أجرت الصحفية روث رينيه رايف مع الفرنسية غارانس لوكين الحوار التالي لـموقع قنطرة.

في بداية عام 2014 ظهرت على شبكة الإنترنت آلاف الصور لضحايا التعذيب في سوريا. مصدر هذه الصور هو مصور في الشرطة العسكرية السورية. عندما اندلعت المظاهرات ضد ديكتاتورية بشار الأسد في عام 2011 تم تكليف قيصر بالتقاط صور فوتوغرافية لجثث المعارضين، الذين قضوا موتاً تحت التعذيب. أصاب "قيصر" الفزع مما رأى، وقرر أن ينسخ الصور سراً ويهربها خارج سوريا. في عام 2013 فرّ "قيصر" من سوريا واختبأ تحت الاسم المستعار "قيصر". الصحفية والكاتبة الفرنسية اقتفت أثره، وتحدثت معه.

السيدة لوكين، وثّق مصور الشرطة العسكرية "قيصر" بالصور (بعض) جرائم بشار الأسد بحق شعبه. تم تهريب هذه الصور خلسةً من سوريا وتم التأكد من صحتها وعُرضت على الرأي العام الدولي. أنت التقيت بـِـ "قيصر". كيف حاله؟

الغلاف الألماني لكتاب "عملية قيصر  في قلب آلة القتل السورية" للفرنسية غارنس لوكين Beck Verlag
لوكين: "ما يحدث في سوريا ليس قضية سوريّة فقط. فقمع نظام الأسد للشعب السوري يهمنا في الغرب أيضاً، لأن "الدولة الإسلامية" تستمد قوتها من القمع، الذي تمارسه الديكتاتورية على شعبها".

غارانس لوكين: "قيصر" خائب الأمل بسبب عدم فعل المجتمع الدولي أي شيء. يسأل نفسه لماذا عرّض نفسه وأقاربه للمخاطر وسبب لهم الكثير من الخوف. ولكن في أعماق نفسه يعلم أنه لم يكن بالإمكان فعل غير ذلك. ربما كانت أفكاره عن السياسة العالمية والعدالة الدولية ساذجة جداً. روادته فكرة أنه عندما يعرض هذه الصور عن إجرام نظام الأسد، سيتم الإطاحة بهذا النظام على الفور. في الواقع فإنه وبالنسبة لنا في الغرب، نشعر بالقلق من عدم تقديم الفاعلين للمحاكمة. حتّى أنه وفي بعض الأحيان الآن، يخشى "قيصر" من أن تعيد الحكومات الغريبة الاتصال بالأسد. وهذا يعود إلى أن الحكومات الغربية تعتبر قتال تنظيم "الدولة الإسلامية" الإرهابي أكثر أهمية من جرائم النظام السوري.

وصفت الكاتبة السورية، سمر يزبك، حديث الغرب عن مواجهة "الدولة الإسلامية" بأنه نفاق. وقالت أن الدم السوري المسفوك على يد الأسد هو فشل للضمير العالمي...

غارانس لوكين: إنه فشل ذريع للإنسانية. ما يحدث في سوريا ليس قضية سوريّة فقط. فقمع نظام الأسد للشعب السوري يهمنا في الغرب أيضاً، لأن "الدولة الإسلامية" تستمد قوتها من القمع، الذي تمارسه الديكتاتورية على شعبها. ظهرت "الدولة الإسلامية" إلى الوجود بعد الغزو الأمريكي للعراق وتهميش النظام العراقي للسنة. والشيء نفسه حدث في سوريا. "الدولة الإسلامية" تستمد قوتها من قمع النظام لشريحة معينة من الشعب.

كيف يمكن تفسير  إغماض المجتمع الدولي عينيه، لهذه الدرجة، عما يحدث في سوريا؟

غارانس لوكين: الأمر أكثر سوءاً من ذلك: اعترفت الأمم المتحدة بالجرائم، وأصدرت تقريراً، بمعزل عن صور قيصر، عن التعذيب الممنهج في السجون السورية وأكدت حدوث التعذيب والقتل. غير أن المجتمع الدولي لا يرغب في عمل شي. يرى المجتمع الدولي أن التدخل في سوريا معقد جداً. بالنسبة للمجتمع الدولي، سوريا دولة ذات سيادة والأسد رئيس منتخب. وحتى وهو غير منتخب ديمقراطياً، يُعترف به كمنتخب ديمقراطياً. يضاف إلى ذلك، أن الأسد وزوجته يشبهاننا. زوجته جميلة ولا ترتدي حجاباً. وتبدو وزوجها "متحضرين". لذلك من الصعوبة أكثر رؤية البربرية في هذه الحالة، كما في حالة أعضاء "الدولة الإسلامية" الذين ينشرون جرائمهم على وسائل التواصل الاجتماعي ليتمكن الجميع من مشاهدتها.

قلتِ إن أباما لم يكن مستعداً لتأمين ملجأ لــ "قيصر". وحتى خبراء الشرق الأوسط يحمّلون أوباما جزء من المسؤولية فيما يحدث في سوريا...

غارانس لوكين: لا أعتقد أن أوباما يتحمل جزءاً من المسؤولية. النظام السوري هو من يتحمل المسؤولية. غير أن أوباما ارتكب خطأً بعدم تدخله في آب 2013 بعد ضربة الكيماوي. وكان تفسير عدم تدخله أنه انتخب من الشعب الأمريكي بوعده بإنهاء التدخلات الأمريكية في الشرق الأوسط. ولكن عدم التدخل هذا كان له نتائج كارثية. ففي سبتمبر/ أيلول قامت "الدولة الإسلامية" بأكبر موجة تجنيد للعناصر. سوّقت "الدولة الإسلامية" نفسها كالـمدافع الوحيد عن المسلمين. فبحسب ما يقولونه، لم يكن أحد في العالم مستعداً لمساعدة المسلمين، الذين يهاجمهم النظام، و"الدولة الإسلامية" هي الوحيدة التي تدافع عن المسلمين. وبهذه الطريقة تمكنت "الدولة الإسلامية" من كسب عدد كبير من المقاتلين والأتباع.
وحتّى بوتين يدعم الأسد. ما هي مصالح روسيا في سوريا؟
غارانس لوكين: لروسيا قاعدة بحرية في طرطوس، ولهذا تدخلت عسكرياً في سوريا. فهي بحاجة لهذه القاعدة لأنها لا تستطيع الوصول لمياه البحر الأبيض المتوسط من أراضيها. يضاف إلى أسباب التدخل أن سوريا ولفترة طويلة كانت واحدة من أكبر مشتري السلاح الروسي. والسبب الأخير أن سوريا مهمة لروسيا لتظهر للعالم أنها قوة عظمى ولا يمكن للدول الأخرى استثنائها من القرارات الدولية. والسبب الأخير هو أن روسيا تعاني من أزمة اقتصادية وسوريا تصرف الأنظار عن مشاكل روسيا الداخلية.

ما رأيك فيما يتردد بتكرار كبير أن سقوط الأسد سيضع سوريا في خطر التفكك وسنواجه وضعاً مشابهاً للوضع الليبي؟

غارانس لوكين: ظهرت هذه الحجة، أول ما ظهرت، بعد اندلاع الثورة عام 2011. وهي محاولة لإنقاذ الأسد، ولكنها حجة غير شرعية. سوريا القديمة تفككت بالفعل: جزء من البلد يحكمه ممثلون عن النظام، وجزء آخر يحكمه الإسلاميون، وجزء آخر يحكمه الأكراد، وجزء صغير محكوم من المجموعات الثورية المسلحة المعتدلة. غير أن هذه المجموعات الثورية المعتدلة تتلاشى تدريجياً. فهذه المجموعات في مرمى نظر "الدولة الإسلامية" والنظام، كما أن غالبية الضربات الروسية تستهدف هذه المجموعات المعتدلة.

"يضع العالم الثوار الحقيقيين مع الجهادين بنفس الطنجرة"، هذا ما صرح به أحد أعضاء "الحركة الوطنية السورية" وأنت اقتبست قوله. هل هذا ما أراد الأسد تحقيقه؟

غارانس لوكين: نعم، أراد الأسد أن يُنظر للمتظاهرين على أنهم إرهابيين. وهذا يفسر إطلاقه سراح الجهاديين من السجن في عام 2011. فالسوريون الذين قاتلوا الجيش الأمريكي في العراق رماهم الأسد في السجن بعد عودتهم إلى سوريا. وعند اندلاع الثورة أطلق الأسد سراحهم فانضموا إلى صفوف جبهة النصرة. وجبهة النصرة هذه مرتبطة مع القاعدة ومتعاطفة مع "الدولة الإسلامية". كانت هذه طريقة الأسد ليظهر للعالم أن البديل عنه هو الفوضى. وبذلك طالب الناس بأن يدعموه هو لا الثوار. وقد نجحت خطته تلك لبعض الوقت، لكن في النهاية سيدرك الناس أن الثوار ليسوا إرهابيين.

هناك أصوات في العالم العربي تصرّ على أن الثورة ستنجح، وحتى وإن كان الأمر يبدو عكس ذلك الآن. ما هو تقييمك للوضع؟

غارانس لوكين: لا يمكن حكم الناس رغماً عن إرادتهم بشكل دائم. والسوريون لا يشكلون استثناء لهذه القاعدة. عودة المظاهرات إلى حلب وإدلب ومناطق أخرى في بداية شهر آذار/مارس 2016 أظهرت أن السوريين لا يزالون يمتلكون الرغبة في التغيير السياسي باتجاه الديمقراطية والحرية. والكثيرون مستعدون للموت في سبيل التغيير. يوماً ما ستنتصر الديمقراطية، غير أن الثمن غال، فسيكلف النصر آلاف القتلى والكثير من المعارك الدموية.

الآن دُمرت سوريا لدرجة أنه من المستحيل أن يتصور المرء كيف يمكن أن تُسكن من جديد. ما هو انطباعك، وأنت التي سافرت إلى سوريا عدة مرات؟

بشار الأسد. Foto: Syrian Arab News Agency
شن حرب ضد شعبه: وجه محققو الأمم المتحدة في شباط 2016 تهماً لحكومة الرئيس بشار الأسد بارتكاب جرائم ضد الإنسانية. وقالت اللجنة أن آلاف المعتقلين قضوا موتاً في المعتقلات خلال السنوات الأربع المنصرمة وأن هذا الأمر يعتبر بمثابة إبادة للسكان المدنيين. كما اتهمت اللجنة كل من جبهة النصرة وَ "داعش" بارتكاب جرائم حرب. وقدمت اللجنة أدلة تثبت عمليات الإعدام وتعذيب المعتقلين.

غارانس لوكين: عندما يزور الصحفي بلداً ما، يذهب إلى أماكن معينة فقط. لذلك عليك توخي الحذر عند رؤية الصور القادمة من سوريا. على سبيل المثال، الصور الفظيعة لمدينة حمص، التي انتشرت في الأسبوع الثاني من آذار/مارس 2016، تظهر أجزاء المدينة التي دُمرت. حمص لم تُدمر بالكامل. ولكن حتى وإن كانت سوريا أنقاض، من الممكن إعادة إعمارها. غير أن الأكثر سوءاً هو رغبة النظام بتدمير المزيج السوري من الأديان. نصف سكان سوريا لا يعيشون الآن في بيوتهم: أصبح الملايين من السوريين لاجئين، وغادر بين ثلاثة وأربعة ملايين سوريا، وعدد مماثل لذلك أصبحوا مهجرين داخل سوريا. البيوت يمكن إعادة بنائها، ولكن عندما تتدمر العلاقات بين العائلات وبين الجيران أو بين سكان منطقة ما، لا أعرف ماذا تبقى من الأمل.

ما الخطوات التي يتعين على الغرب اتخاذها لإعادة الوضع إلى حالته الطبيعية في سوريا؟

غارانس لوكين: أولاً وقبل أي شيء يتوجب محاكمة النظام على جرائمه. هناك حاجة كبيرة بين السوريين لتقديم المجرمين للمحاكمة. غير أنه من المستحيل الحكم على كل الفاعلين، ولكن لا بد من توجيه تهم إلى رموز النظام. وهذا سيكون إشارة واضحة لكل من تسول له نفسه ارتكاب جرائم من هذا النوع في المستقبل. بعد المحاكمات لا بد أن تصمت البنادق، لكي لا يضطر السوريين لترك بيوتهم والفرر من الحرب. ولا بد أن يكون واضحاً أن الأسد وأعضاء النظام من ذوي الرتب العالية لن يكونوا جزءاً من أي حل سياسي. المسؤولون من ذوي الرتب العالية مسؤولون عن جرائم قتل جماعية ولا يمكن العودة للتعامل كالمعتاد مع مجرمين.

 

 

حاورتها: روث رينيه رايف

الترجمة عن الإنكليزية: خالد سلامة

حقوق النشر: موقع قنطرة ar.qantara.de 2016

غارانس لوكين صحفية فرنسية تكتب في الصحيفتين الأسبوعيتين الفرنسيتين "لو جورنال دو ديمانش" و"لو نوفيل أوبسرفاتور". منذ عام 1990 تتناول من ضمن كتاباتها قضايا الشرق الأوسط. سافرت عدة مرات إلى سوريا منذ اندلاع الحرب الأهلية هناك.

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.