حوار مع الكاتبة الأردنية زليخة أبو ريشة

الشريعة الإسلامية خارج العقيدة والعبادات والأخلاق...كلها عَلمانية

من بين العديد من الكاتبات الأردنيات والعربيات، تطلّ زليخة أبو ريشة بخطابها الواثق الاستفزازي المنحاز إلى الحياة حرية وجمالاً، وإلى المرأة لغة وكياناً. كما تواصل مقارعة الإسلامويين، الذين خاضوا في مواجهتها حرباً ضروساً وصلت في بعض الأحيان إلى حد التهديد بالقتل. أبو ريشة تعتقد أنّ الفقه الإسلامي بشريٌّ من أَلِفِه إلى يائه، ويعتريه فسادُ الرؤية والرأي. الصحافي موسى برهومة حاور زليخة أبو ريشة لموقع قنطرة.

تمتاز أبو ريشة، المنحدرة من أصول سورية تنتسب إلى الشاعر عمر أبو ريشة، بلغتها العميقة وروحها الإشكالية. وتعترف في حوار مع موقع "قنطرة" للحوار مع العالم الإسلامي بأنها منذ الصغر كان لديها نزوعٌ نحو الحريّة والتمرد؛ "لذا كان عليّ أن أناضل على المستوى الشخصيّ لإخراج نفسي من زنزانة الزواج التي كتبت عليها الثقافةُ الذكوريّة الأبوية أن تكون عبوديّة للمرأة باسم الدين".

وتعتقد صاحبة "في ثناء الجميل" أنّ الجسديّ الحسيّ والروحيّ المعنويّ ضفيرة مهمة في تجربتها. وكانت وصفت نفسها بأنها في الحبِّ والشعر "ابنةُ كَمالَيْن: كمالِ الجسد في الشعر الجاهلي وكمال الروح في التجربة الصوفيّة".

أصدرت زليخة أبو ريشة تسع مجموعاتٍ شعريَّةٍ، ومجموعة قصصيةً واحدةً "في الزنزانة"، وأربعَ قصصٍ للأطفال، ودراسة في أدب الأطفال "نحو نظريةٍ في أدبِ الأطفال"، وكتابين في اللغة والجندر "اللغة الغائبة: نحو لغة غيرجنسوية"، و"أُنثى اللغة: أوراق في الخطاب والجنس"، ولديها كتب تحت الطبع. وما تزال تكتب مقالة أسبوعية، وتشارك بفاعلية في الحراك العام، وبخاصة عبر صفحتها على "الفيسبوك".

هنا تفاصيل الحوار:

توصفين بالكاتبة المشاكسة، والشاعرة المتمردة، والمثقفة المتطرفة. هل يضيرك ذلك. هل الاختزال هنا منجاة أم مأزق؟

زليخة أبو ريشة: لا منجاة ولا مأزق، ولكنه اختصارٌ مُخلّ ويحدّدني كردّة فعل. ومع أنّ التمرّد على السائد خلّةٌ شريفة وضروريّة، إلا أنّ التمرُّد وحده لا يكفي ما لم تكوني جذريةً، تبحشين (بالشين) في الأغوار البعيدة. وأظنّ أنّ هذه مهمّتي ككاتبة، وكشاعرة أيضاً. فما يمسّ حياتي كإنسانة وكمواطنة، ناهيك عما يعصف بها، يعصر حياتي ككاتبة. ولذا كان رفض السائد جزءاً من الاستشراف بل سابقة عليه، لأنّ السائد ساكن ما لم ترمه بمُقترَحٍ تِلوَ مُقتَرَحٍ يحرِّك راكده. ومقترحات الاختلاف تكون عادةً قاسيةً مثل حجارة، وردود الأفعال عليها عنيفة مثل صخور وسيوف قواطع، ولذا يلقى الإصلاحيُّ والإصلاحيّةُ عنَتاً، وأنت أدرى بذلك!

يبدو اهتمامك بالشعر على هامش انشغالاتك الأخرى. معاركك خيضت بسبب كتاباتك الصحفية وآرائك التي تصادمت مع "أعراف القطيع". ألا تغضبين من ذلك، أعني من حُصة الشعر الضائعة؟

زليخة أبو ريشة: ليس الشعر على هامش انشغالاتي. إنه معنى وجودي. وإذا كان لدي من الدواوين تسعة حتى الآن، واثنان تحت الطبع، وما بدأتُ النشر قبل 1999 (يعني ثمة ربع قرن على الأقل من الصمت الشعري نشراً)، ولديّ بضعُ دواوين مخطوطة لا أجد لها ناشراً (لأنهم يتأفَّفون من نشر الشعر)، وبضعةٌ أخرى قديمةٌ وأدتُها، علمتَ أنَّ الشعر ينزُّ من وجودي وينفجر.

وإذا كنتُ خضتُ معاركي بسبب مقالاتي، فأرني شاعراً عربياً مهماً (بعيداً عن نزار قباني) خاض معاركَ مهمةً بشعره (أدونيس يخوضها بآرائه خارج الشعر)! ساحة الشعر في التلقي والنقد باردةٌ صقيعيّة، وغاية المنى لشُداة الشعر أن يخترقوا تابوات المجتمع، وخصوصاً الدين، حتى يأتي الرقيب فيصادر الكتاب، أو يحاكم صاحبه، وعندئذٍ تقوم ضجة بين طرفين ليس الشاعر أحدهما؛ بين مؤيّدٍ لحرية التعبير ومؤيّدةٍ، ومناهض للمسِّ بالمقدسات ومناهِضةٍ. وهذا لا يعني أنّ هذه المعركة ليست بذات أهميّة؛ حرية التعبير، ولكنها في النهاية معركة تدور خارج الشعر (ولو أنَّه ينبغي الانتباه إلى هذا الدور المخيف للإبداع في مآل الحرية في الواقع)!

فبعد الحروب التي شهدَتْها الساحة بين أنصار القصيدة الحديثة وأنصار القصيدة العموديّة في منتصف القرن الماضي، والحروب التي شُنَّت على مجلة شعر وقصيدة النثر، لم نشهد أو نشارك في معركةٍ شعريّةٍ فنيّة. لا بل إنّ الحدث الشعري المهمّ يمرُّ، غالباً، دون ضجيجٍ أو صدىً نقديّ، إلا إن كان الشاعر أو الشاعرة ذات باعٍ في العلاقات العامة. فأنت تعلم أنّ النقّاد اليوم يتجافون عن نقد الشعر ومتابعته، وأنّ قلة قليلة على أصابع اليد الواحدة  (من الـ 300 مليون) من أخلصت له، ومن المستحيل أن تحيطَ بالنتاج من المحيط إلى الخليج! مما يعني أنّ الوضع الحالي لنقد الشعر كارثيٌّ. ولذا أغضب! لا لأنّ حصة الشعر في حياتي ضائعة، بل لأنّ الناشر يدفّع الشعراء ثمن الكتاب، وفوق هذا لا يروِّج له ولا يوزِّعه. ولأنّ تجارب شعريّة مهمة لم تحظ بعناية النقد؛ عائشة أرناؤوط ونوال العلي وجمانة مصطفى وهدى نعماني نموذجاً.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.