حوار مع مخرج فيلم "القط" إبراهيم البطوط

"نبيع البشر في مصر، نبيع الأرواح"

أحدث أفلام إبراهيم البطوط "القط"، فيلم يحبس الأنفاس ويصدم المشاهد في نفس الوقت. توثق دراما العصابات الواقع الحقيقي في أحياء القاهرة الفقيرة وتحكي عن تجارة الأعضاء والبشر في عاصمة مصر. يتألق عمرو واكد (القط) وصلاح الحنفي (الحاج فتحى) في الدور الرئيس كـبطلين يطارد كل منهم الأخر لينتصر لأهدافه. ويُعد فيلم القط تصويرًا لمجتمع مادي أصبح اليوم كل شيء فيه سلعة، حتى أجسادنا وأطفالنا، كما يقول الحنفي، أحد البطلين الرئيسين والمنتج المشارك للفيلم. سوفيان فيليب نصر قابله في القاهرة.

 

تتوقف سيارة جيب سوداء على جانب الطريق. ومن مكان مظلم تأتي فتاة وتمد يدها إلى علبة يمدها إليها الجالس بجوار السائق. وبسرعة البرق ينزل الرجلان من السيارة ويختطفان الفتاة التي تصرخ، ثم يهربان بسرعة بالسيارة في ظلام الليل. كان حظ الفتاة أفضل من الأولاد الذين خطفوا تلك الليلة، فقد نزعت منهم أعضاء، وألقيت جثثهم في حفرة وغطت بالخرسانة. ولكن القط، الذي يلعب دوره عمرو واكد في فيلم البطوط الجديد، ينقذ الفتاة من أيادي خاطفيها.

المشهد الأول من فيلم القط للبطوط يصدم المشاهد. فيلمه الجديد هو دراما عصابات عن قاع النفس الإنسانية، عن مجتمع استهلاكي مادي لم تعد لحياة الفرد فيه أي قيمة، وعن مجتمع موازي يحكمه الاستغلال والقهر والانتقام. ورغم أن الفيلم يعالج صراعات عميقة كانت من أهم أسباب اندلاع الثورة المصرية ـ الظلم واليأس والفقر ـ إلا أن الفيلم لا يعالج انتفاضة ٢٠١١. "يعالج فيلم القط القهر الإنساني وكيف يمكن أن يؤدي ذلك إلى مثل هذا الانفجار".

كما يؤكد الحنفي أننا "قمنا قبل أعوام بتصوير فيلم تسجيلي في القاهرة القديمة واكتشفنا أن بعض الأشخاص هناك يبيعون كليتهم كي يجمعوا المال اللازم للزواج وتوفير شقة جديدة. كانوا يبيعون كليتهم للحصول على مسكن ومن أجل الأسرة، أي للحصول على احتياجات أساسية". البطوط، الذي عمل في دول كثيرة كمراسل حربي رأى معاناة إنسانية كثيرة، ولم يستطع نسيان الموضوع وقررنا أن نعالج موضوع الاتجار في البشر بطريقة فيلمية".

يحكي "القط" قصة رجل اختفت ابنته دون أثر، لذا قرر أن يواجه بنفسه الأعمال الشريرة لعصابة اتجار بالأعضاء البشرية. وبأعصاب باردة يبدأ القط ورفاقه في الهجوم، ويكتشفون وسيطًا في وسط البلد بمدينة القاهرة ويقتلونه في وسط الطريق. وتدور الأحداث في الفيلم ويتحول صائدي الأطفال عديمي الضمير إلى هدف يتم اصطياده. ويصبح زعيم العصابة الحاج فتحي، الذي يجسده صلاح الحنفي، مرتبكًا ومتوترًا، لأنه يعرف جيدًا أنه ربما يصبح التالي الذي سيقوم القط بالانتقام منه جزاء لأفعاله الشريرة. يعرض الفيلم معركة انتقام دموية ضد أولئك الذين يقتلون الأبرياء دون تردد أو ضمير ليضمنوا بقاءهم في عالم يطغى عليه الظلم والعنف.

"لماذا أصبح الجميع انتهازيين هكذا ولا يهتمون إلا بمصلحتهم فقط؟ وأهم تبعات ذلك هي: أننا أصبحنا ننتهك أكثر الأشياء براءة في هذا العالم، أطفالنا، وأصبحنا نقطعهم أجزاء"، كما يؤكد الحنفي. "لا يعرض الفيلم سرقة الأعضاء وأسبابها المادية أو تجارة الأعضاء في حد ذاتها، وإنما نلقي الضوء على الاتجار في البشر. بشر يبيعون بشرًا ليبقوا هم. ولكن كيف أصبحنا ماديين إلى هذا الحد، حتى أصبح كل شيء اليوم يباع ويشترى؟ هذه مشكلة عالمية. نبيع البشر، نبيع الأرواح".

يوجد في الفيلم إشارات كثيرة إلى الأساطير المصرية القديمة، حيث يقوم البطوط ببراعة بوضع العادات والتقاليد الفرعونية في مواجهة الانتهازية والممارسات مثل تجارة الأعضاء اليوم. "كان الجسد الإنساني بالنسبة للفراعنة مقدسًا، ومن هنا جاءت عادة تحنيط الموتى. وقد كان ذلك دائمًا مهمًا في مدنيتنا وحضارتنا، إلا أننا أصبحنا اليوم نقطع وندمر الجسد الإنساني ونفككه أجزاء"، حسب وصف الحنفي.

هل تعيش صناعة السينما المصرية مرحلة تحول؟

 ملصق دعاية لفيلم "القط"
المخرج إبراهيم البطوط : "لا يعرض الفيلم سرقة الأعضاء وأسبابها المادية أو تجارة الأعضاء في حد ذاتها، وإنما يلقي الضوء على الاتجار في البشر. بشر يبيعون بشرًا ليبقوا هم. ولكن كيف أصبحنا ماديين إلى هذا الحد، حتى أصبح كل شيء اليوم يباع ويشترى؟ هذه مشكلة عالمية. نبيع البشر، نبيع الأرواح".

شهد مهرجان السينما في أبو ظبي بالإمارات العربية المتحدة في نهاية شهر أكتوبر الماضي العرض الأول لفيلم "القط"، كما جذب الكثير من المشاهدين في مهرجان القاهرة الدولي للسينما في شهر نوفمبر. إلا أن الفيلم قد أثار ردود فعل متباينة بعد عرضه في أبو ظبي. يعتقد الحنفي أن وراء النقد الحاد للفيلم في الصحافة المصرية حملة ضد المسئولين في الإنتاج المستقل، وأنه لا علاقة لها بالنقد الاحترافي. لا تتميز صناعة السينما في مصر اليوم بالإبداع، وإنما بالتوجه نحو الربح والإنتاج بالجملة، لذا يجد الفاعلون المستقلون مقاومة شديدة.

ويسود السوق المصرية اليوم الاقتباس والاستنساخ، مما يترك مساحة ضئيلة للإنتاج المستقل. ويزيد صعوبة الوضع بالنسبة للفاعلين المستقلين وجود عوائق بيروقراطية. كان آخر تعاون بين البطوط وعمرو واكد في فيلم "الشتا اللي فات" عام ٢٠١٢، ورغم أنه لم يحقق مبيعات قوية، إلا أنه يظل أنجح إنتاج مستقل في مصر وظل يعرض لأشهر طويلة في دور السينما.

يعيش الإنتاج السينمائي في مصر أزمة، حسب رأي الحنفي. "ما نراه اليوم هو تجارة. الصناعة تشتري منتجات هوليوود بممثليها المشهورين ولا تهتم كثيرًا بمحتواها. كثير من تلك الأفلام مستنسخة ولا تهدف إلا إلى تحقيق الربح"، كما يقول الحنفي. "كانت السينمات قديمًا تشبه المتاحف، كانت مراكز ثقافية. اليوم نجد السينمات عادة في مراكز التسوق، حيث لم تعد أكثر من متاجر بجانب متاجر أخرى كثيرة لا تعرف سوى الاستهلاك. ولا نجد هذه الظاهرة في مصر وحدها، بل في كافة أرجاء العالم. رواد السينمات أصبحوا مستهلكين."

ولكن الحنفي يريد تقديم أفكارًا جديدة، وأن يعطي كتاب سيناريوا ومخرجين موهوبين فرصة، وتقديم شيئًا أصليًا وجديدًا. "نريد أن نتعلم، وأن نخوض تجارب جديدة، نريد مشاركة خبراتنا مع آخرين ونريد تحفيز الآخرين ودعمهم. نريد حركة جماعية تنظر إلى الأمام. نريد أن نسير في طريق جديد مختلف"، حسب قول الحنفي.

 

 

سوفيان فيليب

سوفيان فيليب نصر يعمل ويقيم في القاهرة كصحفي حر.

حقوق النشر: معهد جوته القاهر يناير ٢٠١٥

ترجمة: صلاح هلال

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.