دور يهود ويونان مصر الاقتصادي في النصف الأول من القرن العشرين

أينما كُنتَ في مصر تجد يونانياً أو يهودياً يبيعك شيئاً

في عشرينيات القرن العشرين كانت الإسكندرية مدينة متوسطية بامتياز يغلب عليها الطابع الحرفي اليوناني. وكان مشهوراً عن اليهود في القاهرة تجارتهم وباعتهم المتجولون ناهيك عن حضورهم الثقافي، وكذلك السياسي الذي كان أكبر من اليوناني. خالد سلامة حاور الباحثة الفلسطينية-الألمانية نجاة عبد الحق حول الدور الاقتصادي لليهود واليونانيين في مصر بين عامي 1885 و1960، متسائلاً: هل تكفي نظرية "المؤامرة والارتباط بالقوى الاستعمارية" وحدها لتفسير ريادة بعض الأقليات اقتصادياً في بلد عربي كبير كمصر؟

السيدة نجاة عبد الحق، لماذا اخترت "الدور الاقتصادي لليهود واليونان في مصر بين عامي 1885 و1960" ليكون موضوع أطروحتك لنيل شهادة الدكتوراه؟

نجاة عبد الحق: لسببن أولهما أكاديمي؛ إذ أنني أثناء دراسة الاقتصاد في المرحلة الجامعية الأولى انزعجت من انفصال علم الاقتصاد عن الحياة اليومية للإنسان العادي وتحول علم الاقتصاد في جزء كبير منه إلى أرقام وحسابات.

والسبب الثاني شخصي؛ إذ أنني تربيت في بيئة متعددة دينياً ومنفتحة؛ فوالدتي ألمانية مسيحية ووالدي فلسطيني مسلم. ودرست أحد أهم مراحل دراستي في مدرسة ألمانية مسيحية-لوثرية في مدينة بيت جالا في الضفة الغربية. كانت المدرسة مختلطة من مسلمين ومسيحيين، وكانت زيارة الكنائس والاحتفال بأعياد الميلاد المجيد أمراً ليس غير عادي بالنسبة لي.

عندما قدِمْتُ إلى ألمانيا أدركت كم هو أحادي الجانب هذا المجتمع، إذا غضضنا النظر عن المهاجرين. بالطبع يوجد هنا تعددية سياسية وتعددية بالآراء، ولكن في النهاية المجتمع الألماني مجتمع مسيحي وسط أوروبي ولديه معايير محددة لا يُسمح بالخروج عنها. هنا افتقدت التعددية التي كانت في بلادنا وأدركت كم نحن أغنياء وأثرياء بفسيفساء مجتمعنا. وحز في نفسي أن نفقد هذا الموزاييك. خروج اليهود واليونان كان المربع الأول في مسلسل نشهد فصوله حتى الآن في فقدان مسيحية العراق ونفقد الآن مسيحي سوريا ويقل عدد مسيحي فلسطين.

غلاف كتاب نجاة عبد الحق "الجاليتان اليهودية واليونانية في مصر الريادة في عالم المال والأعمال قبل عهد جمال عبد الناصر"
غلاف كتاب نجاة عبد الحق "الجاليتان اليهودية واليونانية في مصر - الريادة في عالم المال والأعمال قبل عهد جمال عبد الناصر". يتناول الكتاب النجاح الاقتصادي لليهود واليونانيين في مصر بين عامي 1885 و1960-الأسباب والحجم والنهاية. وقد تناولت الكثير من الدراسات والأبحاث، وخصوصاً الغربية منها، موضوع الأقليات الدينية والطائفية، والعرقية-الإثنية في المنطقة العربية. واختلفت تلك الدراسات، فيما اختلفت فيه، في زاوية ذلك التناول. في أطروحتها لنيل درجة الدكتوراه بحثت الفلسطينية-الألمانية نجاة عبد الحق في الدور الاقتصادي لليهود واليونانيين في مصر بين عامي 1885 و1960. صدر كتابها المعتمد على الأطروحة عام 2016 في لندن.

كيف تناول الباحثون والكتاب قبلك موضوع الدور الاقتصادي للأقليات في مصر وفي الوطن العربي عموماً؟ وكيف تقيمين ذلك التناول؟

نجاة عبد الحق: ما قمت به من بحث هو مكملٌ لما هو موجود، ولا يعني أن ما كُتب هو خطأ بالمعنى المطلق. بشكل عام، تناولت مجموعتان من الدراسات موضوع الدور الاقتصادي للأقليات: مختصون بالأنثروبولوجيا (علم الإنسان) وَمؤرخون وباحثون بالعلوم السياسية.

تناول الانثروبولوجيون الموضوع من زاوية التقسيم الإثني للعمل، بمعنى: اختصاص الأرمن بالمجوهرات واليونان بالقطن والتبغ والسُّنة في كذا والشيعة في تلك، وقد تناولت هذه الدراسات المجتمع العثماني. وزاوية الدراسة هذه ليست خاطئة، غير أنها لا تكفي لتفسير سيطرة جماعة ما على قطاع ما، وخصوصاً في مرحلة متطورة من الرأسمالية. التفسير هذا صحيح عندما نتحدث عن عمليات اقتصادية بسيطة، ولكنه يفقد مفعوله عندما نتحدث عن إنشاء صناعة متطورة في مصر وخاصة بعد عام 1919.

كما ركز المؤرخون والمختصون بالعلوم السياسية، وخصوصاً دراسات ما بعد الاستعمار، بشكل مبالغ فيه -بحسب رأيي- على دور الاستعمار في دعم النخب المتعاونة معه ومكافأة هذه النخب بمنحها بعض الامتيازات. نعم، كان هناك امتيازات للنخب خاصة حاملي الجنسيات الأجنبية، ولكن هذا الأمر لا يكفي وحده لتفسير النجاح الاقتصادي لليهود واليونان في مصر. بالتأكيد تساعد هذه الامتيازات على النجاح، ولكنها دون وجود الفكرة الاقتصادية الخلاقة والمبادِر الاقتصادي لن تفيد في إنشاء صناعات بالشكل الذي شهدته مصر.

إذاً، كيف تصفين العلاقة بين البريطانيين والنخب المتعاونة معها؟

نجاة عبد الحق: لم تكن هذه العلاقة سمناً وعسلاً على الدوام، ليس مع اليهود واليونان فحسب، بل مع كل النخب المتعاونة مع البريطانيين. فقد حصل عراك بين رؤوس الأموال اليهودية واليونانية والمصرية من جهة واللورد كرومر من جهة أخرى. فقد منع كرومر إقامة مصانع للنسيج في مصر وأصر على أن تكون في لانكشير في بريطانيا. علاقة اللورد كرومر مع هذه النخب كانت صعبة ولم تكن كما يتخيله البعض -ببساطة- تحالفية. الموضوع أعقد من ذلك بكثير.

ما الصعوبات التي واجهتك في بحثك؟

نجاة عبد الحق: لم أتمكن من الوصول لملفات وأرشيف الحاخامية اليهودية في مصر. رفضت رئيسة الجالية اليهودية في فترة بحثي والمسؤولة عن تلك الملفات آنذاك، كارمن واينستاين، فتحها، ليس لي فقط بل للجميع. ويعود ذلك إلى الخوف من أن تسيطر الحكومة المصرية عليها وانعدام الثقة في قدرة الحكومة المصرية على المحافظة على هذا الإرث. والسبب الآخر هو سعي يهود أمريكا وإسرائيل للحصول على هذه الوثائق ونقلها لخارج مصر، فقد تم قبل حوالي 120 سنة إخراج "الجنيزا" من مصر. والجينزا وثائق قديمة تؤرخ ألف عام تقريباً لكل ما يخص الحراك التجاري والديني الخاص باليهود في مصر، وتم اكتشافها في كنيس بن عزرا في الفسطاط عام 1896. وهناك حادثة أخرى تم خلالها العثور في أحد المطارات المصرية على أسفار من التوراة معدة لتهريبها إلى الخارج.

التحدي الآخر هو صعوبة الحصول على تصريح الدخول للأرشيف المصري. انتظرت خمسة أشهر حتى حصلت على التصريح. يضاف إلى ذلك وجود بيروقراطية عقيمة أثناء البحث في الأرشيف.

وواجهتني صعوبة قلة المصادر باللغة العربية والإنكليزية فيما يخص اليونانيين في مصر، إذ أن لغة الأرشيف ومعظم ما كُتِبَ من دراسات هي باللغة اليونانية.

نجاة عبد الحق وهي تعرض كتابها في برلين نوفمبر/ تشرين الثاني 2016. ©Khaled Salameh
نجاة عبد الحق في برلين نوفمبر/ تشرين الثاني 2016 وهي تعرض كتابها عن ريادة الجاليتين اليهودية واليونانية في مصر اقتصادياً: "اعتمدتُ على نظرية في النمو الاقتصادي للباحث جوزيف شومبيتر. تقوم نظريته على دور الشخص المبادِر في عملية النمو الاقتصادي. حيث أنه ومن وجهة نظر شومبيتر المبادِر هو الخلّاق اقتصادياً. وقام بحثي على تطبيق ما حصلت عليه من بيانات على المعايير، التي وضعها شومبيتر. وفرضيتي الأساسية في البحث تقول إن النجاح الاقتصادي لهاتين الأقليتين يقوم على أنه ينطبق عليهما مواصفات شومبيتر للمبادِر الاقتصادي: وجود الفكرة الاقتصادية الخلاقة، التعليم العالي وانعدام الأمية تقريباً، المقدرة على الوصول لرأس المال، الاطلاع على ما يجري في الأسواق الخارجية (استباقية معلوماتية عن الآخرين). وإضافة لذلك فأثناء البحث وجدت أن هناك شبكة متكاملة بين الأشخاص من نفس الجالية. تجدر الإشارة هنا إلى أن الثقة بين أبناء الأقلية الواحدة والتشابك بينهم واستباقية المعلومات وحركة رأس المال، مثل الحصول على القروض الخاصة، يقلل من المخاطرة ويقلل من "تكاليف المعاملات التجارية" وغياب هذه التكاليف يزيد من نسبة الربح".

ما هي المصادر والمراجع التي اعتمدت عليها في بحثك؟

نجاة عبد الحق: أحد أسباب اختياري لمصر دون غيرها هو توافر مصادر ومراجع للبحث وأرشيف مبوب معنون. اعتمدت بشكل أساسي على أرشيف "الوقائع المصرية" (الجريدة الرسمية)، التي نُشرت فيها كل القرارات والمراسيم والتعميمات الحكومية. كما اعتمدتُ على ملفات "مصلحة الشركات"، وهي مؤسسة حكومية أُسست عام 1947 لتنفيذ ما عُرف آنذاك بـ"التمصير". واعتمدتُ على بعض الوثائق من "الأرشيف الصهيوني المركزي" في القدس. واستندت أيضا على عدة كتب ودراسات تناولت تاريخ مصر، تاريخ يهود مصر، تاريخ يونان مصر، تاريخ الحركة العمالية في مصر، وتاريخ الحركة الصناعية في مصر. وكانت الكتب بالدرجة الأولى باللغتين العربية والإنكليزية، وإلى حد ما بالفرنسية وبعض المراجع القليلة باللغة الألمانية. كما أجريتُ العديد من المقابلات في مصر وأوروبا.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.